الناصرة – “القدس العربي”:
استذكر فلسطينيون كثر في منتديات التواصل الاجتماعي الذكرى التسعين لاستشهاد أبطال هبة البراق الذين أعدمهم الاستعمار البريطاني في سجن عكا العسكري في 17 حزيران 1930.
ويؤكد مؤرخون لـ”القدس العربي” ضرورة “إحياء ذكرى من ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن والشعب والقضية لما في ذلك من منفعة للنضال لاستعادة الحقوق ومن أجل حراسة الهوية الوطنية لدى الأجيال المتتالية”. ويوضح المؤرخ بروفيسور مصطفى كبها أن إعدام رموز هبة البراق في مثل الشهر عام 1930 كان حدثا هزّ وجدان كل فلسطيني وعربي في عمق العمق وما زال يلهب مشاعر الأحرار من أبناء الأمة. ويشير لتخليدهم بأغنية شعبية (من سجن عكا طلعت جنازة) صاغها الشاعر نوح إبراهيم والذي أدركهم بالشهادة بعد ذلك بثماني سنوات والشاعر إبراهيم طوقان بقصيدة “الثلاثاء السوداء” والتي كان مطلعها:
“لما تَعرّضَ نجمُكَ المنحوسُ وترنَّحتْ بعُرى الحبالِ رؤوسُ
ناح الأذانُ وأعولَ الناقوسُ فالليلُ أكدرُ، والنهارُ عَبوس
طفقتْ تثورُ عواصفُ وعواطفُ
والموتُ حيناً طائفُ أو خاطفُ
والمعولُ الأبديُّ يمعنُ في الثرى ليردَّهم في قلبها المتحجِّرِ”.
كما يستذكر كبها أن فؤاد حجازي الذي كان مدرسا في مدرسة صفد الثانوية وخريجا من الجامعة الأمريكية في بيروت وعضوا في اللجنة القومية في صفد قد كتب وصية هربها قبل إعدامه مع أحد السجانين العرب في سجن عكا الحربي، جاء فيها: “إذا كان لدي ما أقوله وأنا على الأبواب الأبدية فإنني أوجز القول قبل أن أقضي: أخوي العزيز يوسف وأحمد وفقكما الله، رجائي إليكما أن تفعلا ما أوصيكما به. أوصيكما بالتعاضد والمحبة الأخوية والعمل بجد واجتهاد على مكافحة شقاء الدنيا لإحراز السبق في مضمار الحياة التي ستقضونها إن شاء الله بالعز والهناء. يا أحمد… السكينة السكينة، الهدوء الهدوء… ملابسي تحفظ شهرا ثم تغسل، ممنوع قطعيا تنزيل أي طقم عليّ سوى اللباس والفانيلة والكفن داخل التابوت. البكاء، الشخار، التصويت هذا ممنوع قطعيا لأنني لم أكن أرضاها في حياتي خاصة تمزيق الثياب، يجب الزغردة والغناء واعلموا أن فؤادا ليس بميت بل هو عريس ليس إلا. يا والدتي أوصيك وصية أن لا تذهبي إلى قبري إلا مرة في الأسبوع على الأكثر ولا تجعلي عملك الوحيد الذهاب إلى المقبرة”.

تسابقوا إلى الموت
كما يستذكرهم المؤرخ دكتور جوني منصور بالقول: “ما أشبه البارحة باليوم”، لافتا لاستمرار النزيف والصراع على البلاد بعد 70 عاما على ثورة البُرَاق وذكرى “الثلاثاء الحمراء” التي صادفت 17 حزيران / يونيو. وتابع: “نتذكر الشهداء الثلاثة الذين تسابقوا إلى الموت بشجاعة مؤمنين بصدق وعدالة قضية وطنهم. فغنى لهم نوح إبراهيم القصيدة المشهورة: من سجن عكا وطلعت جنازة… نتذكرهم ونذكرهم…. لروحهم السلام”.
وصية الشهداء.. ما أشبه اليوم بالبارحة
وذهب الناشط السياسي في مدينة اللد في أراضي 48 لاستذكار وصية شهداء الهبة الذين أعدمهم الاستعمار البريطاني، وفيها قالوا: “الآن ونحن على أبواب الأبدية، مقدمين أرواحنا فداء للوطن المقدس، لفلسطين العزيزة، نتوجه بالرجاء إلى جميع الفلسطينيين، ألا تُنسى دماؤنا المهراقة وأرواحنا التي سترفرف في سماء هذه البلاد المحبوبة، وأن نتذكر أننا قدمنا عن طيبة خاطر، أنفسنا وجماجمنا، لتكون أساسا لبناء استقلال أمتنا وحريتها وأن تبقى الأمة مثابرة على اتحادها وجهادها في سبيل خلاص فلسطين من الأعداء. وأن تحتفظ بأراضيها فلا تبيع للأعداء منها شبرا واحدا، وألا تهون عزيمتها وألا يضعفها التهديد والوعيد، وأن تكافح حتى تنال الظفر. ولنا في آخر حياتنا رجاء إلى ملوك وأمراء العرب والمسلمين في أنحاء المعمورة، ألا يثقوا بالأجانب وسياستهم وليعلموا ما قال الشاعر بهذا المعنى: “ويروغ منك كما يروغ الثعلب”.
ويكمل محارب في استذكار نص الوصية التي تبدو بعض معانيها ساخرة في ظل ما تقوم به بعض الأنظمة العربية من تطبيع وخذلان: “على العرب في كل البلدان العربية والمسلمين أن ينقذوا فلسطين مما هي فيه الآن من الآلام وأن يساعدوها بكل قواهم، وأما رجالنا فلهم منا الامتنان العظيم على ما قاموا به نحونا ونحو أمتنا وبلادهم فنرجوهم الثبات والمتابعة حتى تنال غايتنا الوطنية الكبرى، وأما عائلاتنا فقد أودعناها إلى الله والأمة التي نعتقد أنها لن تنساها. والآن بعد أن رأينا من أمتنا وبلادنا وبني قومنا هذه الروح الوطنية وهذا الحماس القومي، فإننا نستقبل الموت بالسرور والفرح الكاملين ونضع حبلة الأرجوحة، مرجوحة الأبطال بأعناقنا عن طيب خاطر فداء لك يا فلسطين، وختاما نرجو أن تكتبوا على قبورنا: “إلى الأمة العربية الاستقلال التام أو الموت الزؤام وباسم العرب نحيا وباسم العرب نموت”.
وبثت قناة فلسطين في هذه الذكرى فيلما تاريخيا بعنوان “الثلاثاء الحمراء” استعرضت فيه مسيرة الشهداء الثلاثة ومن خلالهم استعادت ما شهدته فلسطين خلال فترة الاستعمار البريطاني.
ثورة البراق
يشار إلى أنه بعد نحو 12 عاما على وعد بلفور، وتحديدا في صيف 1929، نظمت الوكالة اليهودية تجمعا صهيونيا للصلاة عند ساحة البراق للمطالبة بإعادة بناء الهيكل المزعوم، فانطلقت “ثورة البراق” العارمة. وأطلق المندوب السامي البريطاني جون روبرت تشانسلر بيانا جاء فيه أنه سيوقع القصاص الصارم لمن اشترك في الثورة فاعتقل العشرات بينهم الثائر فرحان السعدي، ومن صفد خريج الجامعة الأمريكية في بيروت فؤاد حسن حجازي، ومن الخليل عطا أحمد الزير ومحمد خليل جمجوم.
وفي سجن القلعة بمدينة عكا على الساحل الفلسطيني سجن حجازي والزير وجمجوم وحكم عليهم بـالإعدام، ورغم مطالبة الحكام العرب بتخفيف الحكم عنهم فإن السلطات البريطانية نفذت الحكم يوم 29 يونيو/حزيران 1929، وما زالت قبورهم في عكا، وجاء في وصيتهم: “ولنا في آخر حياتنا رجاء لحكام العرب والمسلمين ألا يثقوا بالأجانب”. وما زال الصراع مستمرا وتعتبر القدس لبّه والحرم القدسي الشريف “لبّ اللب”، كما يؤكد عدد كبير من الفلسطينيين في منتديات التواصل الاجتماعي.