الفلسفة والتفكير بهيدغر

لست معنيا بشرح المادة الفلسفية، لأن الشرح قد يجعلها صعبة جدا، وقابلة للمخادعة، لكنني انحاز إلى التساؤل حولها، وإلى تعلّمها والتعرّف على مظانها، لأنّ التعلم حاجة، مثلما هو وجهٌ آخر للشغف، إذ يمنح الدافع للتعاطي مع فعل المعرفة، وبما يجعل الإنسان ذاته أكثر بحثا عن أسرارها، وحمولاتها، وأكثر اندفاعا نحو البحث عن مرجعياتها الثقافية والاجتماعية، وربما الاقتراب من فضاءات تأويل خطابها ومن شواغل الباحثين في عوالمها.
المسافة ما بين الشرح والتعلّم قد تبدو واسعة، وصعبة، لكنها تحتاج إلى إرادة، وإلى فضول معرفي، وإلى فعل ثقافي داعم ومُعزز، يجعلها تبدو مفتوحة، إذ لا حدود مُتعيّنة لها، لأن الفلسفة هنا هي المجال العميق الذي يدعو للتفكير، وإلى صناعة الأسئلة، وإلى ابتكار المفاهيم، كما يقول جيل دولوز، وهذا ما يجعل ضرورتها قائمة بوجود فعل التعرّف، وبانشغالها بوعي ما تُحدثه من صدمات معرفية، ومن تحولات تخصّ الأفكار، ومن تجاوزات قد تمسّ المنهج والنظرية، وحتى المفهوم ذاته.
فكرتُ بهذا الأمر، وأنا أعيد قراءة بعض كتب هيدغر، بوصفه من أكثر الفلاسفة تحريضا على أهمية الأفكار التي تخصّ تكوين المعرفة، والعناية بالأنطولوجيا والكينونة، حيث يتعين على الإنسان أن يفهم وجوده في العالم، بوصف هذا الوجود فعلا ومعرفة وتاريخا وقوة وتحوّلا، وتعلّما، وصولا إلى تقعيد الفكرة القديمة، التي تحدّث عنها هيغل وهو يصف «الأزمنة الحديثة»، التي طوّرها هيدغر لتكون الأقرب إلى شروط «العلم، والتكنولوجيا، والفن، والثقافة، ومن ثم الانسلاخ عن المقدس».
التفكير بهيدغر لا يعني التفكير المجرد بالفلسفة، ولا بتاريخ الكينونة ذاتها، التي تعني الوجود الفعال المتعال، حيث تمنح الإنسان القوة العميقة ليعرف وجوده، وليدرك حاجته الدائمة إلى التجاوز في الفهم، وفي تداول المعرفة، مثلما هي حاجته إلى الحرية وإلى معرفة ذاته، لكن ذلك سيظل في حدود الحصول على قوة واسعة في التعلّم وفي المعرفة، وبما تعنيه الفلسفة من اللاتعيين، أو في حدود حماية الكينونة العارفة من الخرق، الذي يمكن أن تمارسه قوى أخرى أكثر سطوة مثل، المقدّس أو السلطة أو الأيديولوجيا أو العائلة. تحرير العقل من الوهم قد يكون شرطا لتعلّم الفلسفة، والحرية هنا تعني رهانا على تيسير أدوات التعلّم، والتعاطي مع قوة الفعل المعرفي، وعلى ما يمكن أن يحدثه من أفكار وسجالات، وما يُثيره من أسئلة، وما يجعله أكثر تعبيرا عن قوة الإنسان العارف، إذ لا قوة حقيقية خارج المعرفة، ولا يمكن رؤية العالم بوضوح إلّا من خلال فهمه، والتفكير به، عبر تحفيز قوة العقل وتوسيع مديات الأفكار، والتأويلات الحرة التي تقترن بها، وأحسب أن فيلسوفا مثل هيدغر ظلّ يمارس سطوته القوية من خلال تلك الأفكار، في علاقتها المفهومية مع المعرفة، ومع التاريخ، ومع ذاكرة الأمة الألمانية، التي لا يمكن فصل وجودها عن فكرة القوة، التي قد تكون صالحة لبيان أهمية المعرفة في مقاربة ما هو إنساني، وما هو كوني، لأنّ جوهر ما تقترحه الفلسفة هو مقاربة الأفكار، وجعل مفاهيمها أكثر تداولا في شجون التعّلم، وفي القضايا التي تخصّ الاجتماع والسياسة.

التفكير العربي هيدغرياً

قد يكون هيدغر قوميا متطرفا، له إيمانه الخاص بالروح الألمانية، لكنه عمل على وضع الفلسفة في سياق إنساني، حيث تعني له الوجود، وحيث تعني حيازة القدرة على تأويله للعالم، وعلى فرض نظرته الظاهراتية للأفكار، ليس لأنه أراد تجاوز معلمه هوسرل، ونظرته في «قصدية الوعي» إلى ممارسة تبدو فيها « قصدية الوجود» هي الحاضرة والفاعلة، وحيث تبدو» فينومينولوجيا هيدغر تتصوَّبُ عكس ذلكَ؛ فهيَ تمضي إلى الخارج نحوَ الوجود أو الكينونة أو التوجُّد في تجلياتها وتمظهراتها وتواجداتها بوصفها موجودات» (رسول محمد رسول).

إن ما يجعل التعاطي مع الفلسفة عربيا يواجه صعوبات جمّة، فهو خاضع لمعايير منهجية ونظرية وتاريخية، وضوابط دينية وسلطوية، فضلا عن عدم تحرر العقل العربي- نقديا- من وصايا الفقهاء، ومن رعب السلطة.

إنّ تعاطي هيدغر مع موضوع الكينونة يعني تعزيز وجودها، وقوتها، وانكشافها على العالم، التي عمّقت محاولته لإعادة النظر إلى فهم العالم الغربي، عبر النظر إلى موجوداته، والانفتاح على علاقة هذه الموجودات بالتحولات العاصفة التي عاشها، بما فيها التحولات السياسية والأكاديمـــــية التي كان فاعــلا فيها، وحيث يكون الفيلسوف هو الذي يُعزز الفعل الأنطولوجي للحضور والانكشاف، عبر أن يكون موجودا، وعبر ما يُفكِّر باللغة، بوصف اللغة عند هيدغر هي بيت للوجود، وللتفكير بالوجود، فضلا عن أن الوجود سيكون نوعا من مواجهة لتاريخ الميتافيزيقيا، وهو ما لم تعمد إليه الثقافة العربية، ولا مفكروها، لا عبر التموضع في الوجود عن طريقة الموجود، أو عبر الكينونة، أو عبر التفكير الأنطولوجي باللغة، وهذا لا يعود لأنّ ثقافتنا العربية ثقافة غير مُتفلسفة، بل لأنها ثقافة احتجاب دائم، متوارية بكينونتها، تحت مهيمنات ومركزيات صنعتها القوة والميتافيزيقيا والسلطة والمقدس..

هذا التوصيف هو ما يستدعي قراءة هيدغر عربيا، فنحن نقرأ الفلسفة وكأنها تفسير عمومي، لما يطرحها الفلاسفة الغربيون، انطلاقا من المنظور الأخلاقي الذي أثاره كانط حول التنوير، وحول تحرير العقل من الوصايا، ونظرة روسو لمفهوم العقد الاجتماعي، وأطروحة لوك عن التسامح، رغم أن البيئة الثقافية والسياسية الغربية، لم تنغلق على فكرة التنوير الكانطي، ولا فكرة الكينونة الهيدغرية، إذ جعلتهما قابلتين للنقاش، بدون محاذير كبرى، فتجاوز هيغل كانط، وتجاوز هيدغر هوسرل، ولم تعد للمركزيات الكبرى أي أهمية فاعلة، لاسيما وأن الخطاب الديني الكنسي قد فقد كثيرا من قوته، منذ ثورة مارتن لوثر، كما أن السلطة في ألمانيا ذاتها لم تعد سلطة بسماركية كاملة الصلاحيات.
إن ما يجعل التعاطي مع الفلسفة عربيا يواجه صعوبات جمّة، فهو خاضع لمعايير منهجية ونظرية وتاريخية، وضوابط دينية وسلطوية، فضلا عن عدم تحرر العقل العربي- نقديا- من وصايا الفقهاء، ومن رعب السلطة، وهو ما يعني أن كينونة الكائن العربي، أو الفرد لم تتحول إلى موجود، مقابل خضوعها للتأويل النصي ولأحكامه، التي تتقاطع مع النص الفلسفي بوصفه نصا في الشك، أو خاضعا لتصورات هيدغر عن القلق والاغتراب والموت، والتي جعلته ينحاز إلى الإنسان الأنطولوجي بوصفه الكائن المتعالي الذي يملك قدرة المواجهة. فهل يملك الإنسان العربي، مثقفا أو مشتغلا في مجال الفلسفة، أو في التعليم فرصة للمجاهرة بالتعالي؟ وهل له القدرة على أن يدعو إلى تحرير العقل، وإلى تغيير السلطة، وإلى العناية بكينونة الكائن؟
هذه الأسئلة مدعاة للمراجعة، وللحفر في البنى العميقة للفكر العربي، وعلاقة هذا الفكر بالدين والسلطة، وبضعف قدرة الانكشاف على العالم، وبتحرير الأفكار ذاتها من الميتافيزقيا الحاكمة، بقطع النظر عن علاقة ذلك بهيدغر، الذي عاش مرحلة التماهي مع السلطة النازية منذ عام 1933 حين ترأس جامعة فرايبوغ إلى عام 1945. فإن ذلك لا يعني نزوعه لمركزية تلك النازية، ولا لموت فلسفته، وأفكاره، إذ ظل يؤسس لأطروحاته، وكأنه يعمل خارج التاريخ، رغم أنه ينحاز في الجوهر لـ«كينونة بسمارك» الداعية إلى تعالي الروح الألمانية،

٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية