ليس من باب الصدفة أن الانتحار كان السلاح الأخير الذي لجأ إليه الشاب محمد بوعزيزي (اسمه الصحيح طارق) للاحتجاج على وضعه الاجتماعي، في محافظة سيدي بوزيد الريفية، التي نسيتها خطط التنمية. بات الانتحار هو وسيلة الاحتجاج الوحيدة والأخيرة، وسط تكميم الأفواه وإخضاع الإعلام للمنظومة الحاكمة. أدوات التواصل الاجتماعي الجديدة لم تكن متاحة آنذاك مثلما هي اليوم. أما الصحافة التقليدية فكانت في قبضة السلطات، ودورها إخفاء العاهات الاجتماعية. على هذه الخلفية تزايد الإقبال على الانتحار بعد انتفاضة 2011. إذ أظهرت الاحصاءات أن حالات الانتحار ومحاولات الانتحار تطورت بشكل ملحوظ من 304 حالات في 2013 إلى 549 في العام 2015. وتزامنت تلك الزيادة مع تفاقم الانكماش الاقتصادي وتأزم الأوضاع الاجتماعية للأسر والأفراد على السواء، وتصاعد نسبة الفقر والبطالة. ويعتقد خبراء اجتماعيون أن تلك الظواهر ساهمت إلى حد كبير في تعميق الشعور بالإقصاء والتهميش لدى فئات اجتماعية واسعة.
حوارات مع الشباب
حاول باحثون تقصي الدوافع التي تحمل الشباب، بمن فيهم الأطفال أحيانا، على محاولة الانتحار. وأجرى زهير بن جنات، مُدرس علم الاجتماع ونائب رئيس الجمعية التونسية لعلم الاجتماع، بحثا ميدانيا في مدينة قفصة، التي تقع في قلب المنطقة المنجمية، والتي طالما شكا أهلها من التهميش، في عهد الرئيسين الراحلين حبيب بورقيبة (1956-1987) وزين العابدين بن علي (1987-2011). وأظهرت نتائج البحث الميداني، من خلال حوارات مع شباب حاولوا الانتحار، خلال السنوات الخمس الأخيرة، تفاقم “العلاقة المزعومة” بين ظاهرة الانتحار وبعض الظواهر الاجتماعية الأخرى مثل الفقر والبطالة والأمية، فمن المعلوم أن تلك الظواهر تكاد تكون منعدمة في مجتمعات مثل سويسرا وكوريا، ومع ذلك فإن نسب الانتحار فيها مرتفعة. ويرى الباحث ان هذه الخلاصة يمكن أن تكون أساسا صلبا لمعاودة النظر في التفسيرات ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية للانتحار. واستطرادا فإن التحول السياسي العميق الذي عرفته تونس في 2011 لا يمكن أن يكون بمفرده عنصرا مُفسرا لتزايد عمليات الانتحار بين الشباب. وانتهى الباحث من خلال حواراته مع العينة إلى نوعين من الدوافع التي يمكن أن تفسر السلوك الانتحاري: الأول اجتماعي مرتبط بالبنى والهياكل والمؤسسات الاجتماعية عموما، والثاني فردي مرتبط بالفاعلين أنفسهم، وما أقاموه من استراتيجيات في إطار تفاعلهم مع السياقات الاجتماعية المتغيرة.
فعلٌ اجتماعي بامتياز؟
يُلاحظ فريق الباحثين الذين أنجزوا التحقيقات الميدانية أن قرار الفرد وضع حد لحياته ليس في غالب الأحوال بالقرار الاعتباطي أو الانفعالي الذي يكون وليد اللحظة، والذي يمكن إرجاعه إلى حالة نفسية متأزمة قد يكون عليها الفاعل في تلك اللحظة. كما لا يمكن إرجاعه إلى سياق اجتماعي متأزم ينتمي إليه الفرد، فينعكس في سلوكه. لا بل يبدو في الغالب أن الفعل الانتحاري هو فعل اجتماعي بامتياز، أي محكوم بدوافع ونتائج يُقدرها الفاعل بشكل مسبق. وقد تأتي في سياق إطار اجتماعي لا يسمح للمنتحر بفعل أشياء أخرى من وجهة نظره. وتبعا لذلك فإن الفعل الانتحاري يعبر بشكل ما عن تحولات لم تطل فقط المؤسسات الاجتماعية وآليات اشتغالها وعلاقتها بالأفراد عموما، بل يُعبر أيضا عما لحق بالروابط الاجتماعية من تغيير، وعن مواقع الأفراد وقدرتهم على الفعل الاجتماعي.
على الجانب الآخر ينبغي أيضا التمييز بين الانتحار ومحاولة الانتحار، فغالبية الدراسات الحديثة، ومن بينها ما تم إنجازه في إطار منظمة الصحة العالمية، تعتبر أن الانتحار هو “الفعل الذي يضع حدا للحياة” لكنها تميل أكثر إلى استخدام مفهوم “السلوك الانتحاري” باعتباره “مجموعة الأفعال التي تبدأ من الأفكار الانتحارية إلى التخطيط للانتحار إلى محاولة الانتحار، إلى الانتحار الفعلي” وهي كلها محطات مهمة داخل نسق سلوكي مركب يمكن أن يؤدي بطرق مختلفة إلى فقدان الحياة. من هنا ساعد عرض نتائج المقابلات وتبويبها على استجلاء مسألتين أساسيتين هما أولا مسؤولية المجتمع، وثانيا تأزُم السياق الحاضن للفعل الانتحاري، حسب تصنيف الباحث زهير بن جنات. وتتجلى مسؤولية المجتمع في ما تضمنته إجابات أفراد العينة من إدانة واضحة للمجتمع في معناه الواسع، وفي ظل الفقر والبطالة والتهميش.
أبواب موصدة
لذا نلحظ أن غالبية من أقدموا على الانتحار أو حاولوا، ينحدرون من فئات محرومة، وهم يحرصون على إبراز ذلك في بداية كل مقابلة معهم. وفي هذا البحث الميداني، الذي أنجز في إطار وحدة البحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة صفاقس التونسية، إلى جانب أبحاث أخرى في الموضوع نفسه، يتكلم الشباب بكثير من الحزن والألم، إن لم نقل النقمة. ومن هؤلاء ذاك الشاب ذو التاسعة والعشرين، الذي يُحمِل المجتمع مسؤولية أوضاعه المتردية، فهو تلقى تكوينا في الحلاقة، واشتغل طيلة سنوات براتب زهيد، قبل أن يُنشئ مشروعه الخاص (صالون حلاقة) بواسطة سلفة من أحد المصارف، إلا أنه عجز عن تسديد الأقساط الشهرية، فلم يبق أمامه من خيار سوى امتطاء البحر في رحلة غير نظامية إلى إيطاليا باءت بالفشل. وعاد يطرق أبواب المسؤولين، لكنه لم يظفر بشغل فأقدم على الانتحار قبل أن يتم إسعافه. ومن النماذج أيضا شاب تساءل “لماذا لا يتفطن المجتمع إلينا عندما نكون عاجزين عن تأمين ما نقتاته، لكنه سرعان ما ينتبه إلينا عندما نسرق أو نبيع المخدرات لكي نعيش؟”.
المحافظات الداخلية مهمشة
من هنا فإن الفعل الانتحاري يمكن أن يكون نتيجة لغياب الدولة وانسحابها من المجالات الاجتماعية، فالعاطل يُحملها سبب عطالته، والفقير خصاصته. وأحيانا يكفي أن يرفض مسؤول رفيع المستوى (محافظ) استقبال عاطل ليسمع شكواه من البطالة حتى يُقدم على الانتحار أمام مقر المحافظة. في هذا السياق أظهرت الإحصاءات أن المحافظات الداخلية المهمشة هي التي استفحلت فيها ظاهرة الانتحار، وبذلك فهي عبارة عن “حل” فردي لمعضلة جماعية تحتاج إلى معالجة أسبابها بإجراءات تُحقق التنمية والتشغيل ومقاومة الفقر والاقصاء.
إجمالا، أفادت الدراسة أن محافظة القيروان (وسط) استأثرت بالنسبة الأعلى من عمليات الانتحار (17 في المئة) فيما أتت محافظة قفصة (جنوب) بأعلى نسبة من محاولات الانتحار (20 في المئة) وخلت خمس محافظات تونسية من الظاهرتين، كما خلت ثماني محافظات أخرى من محاولات الانتحار. ولاحظ القائمون بالبحث أن الربط بين عمليات الانتحار والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العسيرة غير مُقنع، إذ لا توجد مؤشرات تدل على أن المحافظات ذات الوضع الاقتصادي الجيد تُبصر حالات انتحار أقل.
انتحار الأطفال
الظاهرة الأخطر هي امتداد عمليات الانتحار في السنوات الأخيرة إلى الأطفال، من ذلك أن طفلا أقدم على شنق نفسه وترك وصية على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” قال فيها إنه أراد تخليص والديه من عبء الإنفاق عليه، في ظل فقر الأسرة المدقع. وقد بلغ عدد الذين ساروا على درب هذا الطفل، نحو حتفهم، 45 حالة في عام واحد بين حالات انتحار ومحاولات انتحار، سنُهُم دون الخامسة عشر أي 16 في المئة من إجمالي المنتحرين. وتقصَى الباحثان بثينة بوعلاقي ومهيار حمادي ظاهرة الانتحار لدى الأطفال التونسيين، الذين تقل سنهم عن الثامنة عشرة. واللافت أنهما ركزا بحثهما على دور وسائل الإعلام في تعميق السلوك الانتحاري لدى الأطفال، واستدلا على هذا الدور بتأثير أحد البرامج التلفزيونية التونسية، وهو من بين البرامج الأكثر مشاهدة، في أذهان الأطفال. ورأى الباحثان أن وسائل الإعلام الجديدة والتقليدية على السواء، تعمل على نشر أخبار الجريمة بمختلف أنواعها والترويج لها. لا بل إن بعض البرامج تخصصت بهذا الموضوع، لاطلاع الأطفال على خبايا الإجرام وتعليمهم المخفي من فنونه. وحسب بوعلاقي وحمادي ساهمت وسائل الإعلام في انتشار ظاهرة الانتحار من خلال مسارين، الأول مباشر والثاني غير مباشر، من ذلك أن بعض وسائل الإعلام المقروءة والمرئية تسلط الضوء على أعمال الانتحار من دون تقديم بدائل للأطفال، أو الالتزام بضوابط أخلاقية، ما يُنمي الرغبة لدى المشاهدين بتطبيق الأسلوب ذاته، وهذا ما يُعرف بعدوى الانتحار، الأمر الذي يشكل خطرا كبيرا على حياة الأفراد، ويؤثر بشكل من الأشكال في ميولهم النفسية.
استشهاد أم انتحار؟
وبات هذا التأثير بيِنا حتى في البلدان الأوروبية إذ أظهرت دراسة أعدت في إطار كلية الطب في جامعة فيينا العام 2005 العلاقة الوثيقة بين وصف عملية الانتحار في وسائل الإعلام وزيادة معدل الانتحار في الفترة نفسها. واستخلص الباحثان من دراستهما أن الأطفال يُقلدون أبطالا من ورق تُضفى عليهم صفات الزعماء ومنقذي الأوطان والشعوب. وأشارا إلى أن طفلا انتحر في محافظة قفصة، تاركا لأبويه رسالة قال فيها إنه يعتزم الانتحار يوم 9 نيسان/ابريل، وهو العيد السنوي للشهداء، كي يُحتسب شهيدا.
وفي محافظة القيروان، لوحظ أن خمسة أطفال انتحروا تباعا باعتماد وسيلة شاهدوها على التلفزيون، وكانت تقليدا لمشهد الانتحار. وحصلت الانتحارات الخمسة في أعقاب بث برنامج تلفزيوني تحدثت فيه والدة طفلة عن ظروف انتحار ابنتها ذات الاثني عشر ربيعا، وهي من القرية نفسها التي يسكنها المنتحرون الخمسة. لهذا السبب يعتقد الباحثان أن الأمر مُدبر وقد استخلصا وجود استراتيجيا لتحريك العواطف بدعوة والدة الطفلة إلى المشاركة في البرنامج التلفزيوني، بالرغم من أنها كانت منهارة، بُغية استدرار عطف الجمهور. كما جالت كاميرا البرنامج في المدرسة الاعدادية التي كانت تدرس فيها التلميذة، في ظروف قاسية، ثم في مكان الانتحار (شجرة) بالإضافة للمبيت الذي كانت تُقيم فيه، وكلها أجواء تؤثر في تفكير الأطفال ورؤيتهم للمسألة.
وهناك عنصر آخر يؤثر تأثيرا كبيرا في دفع الأطفال، والمراهقين على وجه الخصوص، إلى الانتحار، يتمثل في العنف الذي يُسلط عليهم في الوسطين المدرسي والأسري. وأوضح الباحث بسام عبيدة في هذا الإطار، من خلال دراسة ميدانية عن انتحار الأطفال في الوسط المدرسي، أن تعرض بعض الأطفال للتعنيف من الوالد أو الوالدة كان وراء محاولات انتحار. وذكر حالات فتيات تعرضن للعنف على أيدي أب مُدمن على شرب الخمر، ومُتعود على ضرب البنت ووالدتها، مما دفعهن إلى الانتحار. وترددت عبارة “أبي يضربني” على ألسنة الأطفال المُستجوبين، حتى أن إحداهن قالت “أبي يكرهني وكثيرا ما يُهينني، كما هددني مرات عدة وفي يده آلة حادة”. مع ذلك أظهر استجواب إحدى الفتيات أن والدها غير سلوكه على إثر محاولتها الانتحار، إذ اشترى لها جهاز جوال جديد وثيابا باهظة الثمن، وقال لها “لا تُعيدي الكرة”.
ومن الواضح، في ظل تنوع دوافع الانتحار، أن الفهم الدقيق لهذه الظاهرة يحتاج إلى مقاربة متعددة الأبعاد، تُشخص كل حالة على حدة وتتقصَى الأسباب النفسية والاجتماعية التي قد تتداخل على نحو يجعل الفرد يُقدم على القيام بمحاولة انتحار. والمؤسف أن الأطفال العرب يلجأون إلى هذا “السلاح” الخبيث، بسبب ضعف اندماجهم في بيئتهم الاجتماعية من جهة، وتسلط الأسرة والمدرسة عليهم من جهة أخرى، مما يُولد شخصيات مهزوزة ونفسيات منكسرة، لا يمكن أن تساهم في بناء مجتمع يقوم على الحرية والكرامة.