كلما أردنا التحول إلى دار جديدة نسكنها، كان أول ما نسأل عنه هو البئر. هل توجد بئر في حوش الدار؟ هل هي عميقة؟ وفي حالة جيدة؟ هل ماؤها طيب؟ أم أنها لم تُنزح من طينها منذ سنين؟
كانت الآبار أنواعاً، بقدر ما كانت الدور. وكانت خرزاتها أنواعاً كذلك. وخرزة البئر أشبه بسجل تاريخي للدار وبئرها معاً: مع تقادم السنين، تُترك حبال الدلاء، وهي تُنزّل في البئر وتُصعّد، آثارها في «فم» الخرزة، فتصقله أولاً، ثم تحفر فيه أخاديد تعمق مع مضي الزمن، وتتكاثر.
أما الآبار التي تُركّب على كل منها قوس من الحديد تتوسطها بكرة، يُنزل الحبل بها ويُرفع وهي تقرقع، فكانت قليلة، ولا توجد إلا في الدور الكبيرة التي ينعم أصحابها بشيء من الرفاه، وتنزل المياه إلى آبارهم من على السطوح بأنابيب مدفونة. وقد تُركّب على هذه الآبار المحظوظة مضخات تُغني أهليها عن الدلاء.
غير أنّ الدور التي كنّا نأوي إليها كانت دائماً من النوع البدائي: ينسكب ماء المطر من مزراب سطح الواحدة منها إلى الحوش، ويلتقي بما ينحدر من تجمّع الماء في الحوض نفسه، وتصب المياه كلها في حفرة لا يزيد عمقها على المتر الواحد قرب البئر، وعلى ارتفاع قليل من قعرها مسرب يتصل بباطن البئر. ففي هذه الحفرة تترسب الشوائب الطينية التي تحملها معها مياه المطر المنصبة فيها، قبل أن تدخل إلى المسرب الذي يؤدي بها إلى أعماق البئر، وقد صُفّيت قليلاً. ولكن التصفية لن تتم إلا بعد أيام، إذ تترسل الشوائب الطينية وغيرها مرة أخرى إلى قاع البئر نفسها.
ولذلك كان لا بد من تنظيف البئر، كلمما مرت عليها بضع سنوات، من الرواسب المتراكمة.
آبار كهذه هي التي حفظت الحياة في المدن والقرى في المناطق الجبلية من فلسطين طوال العصور، حيث كان الاعتماد كلياً على أمطار الشتاء، التي تسقي بهطولها الحقول المزروعة بالقمح والشعير والذرة، كما تسقي الوديان والروابي الملأى بأشجار الزيتون، والمشمش واللوز، ودوالي العنب، وتحفظها الآبار للشرب والسقاية لبقية مواسم السنة. (أما بيارات البرتقال، فهي في السهول المحاذية للسواحل، ولسقايتها وسائل اخرى منتظمة). ومحظوظة هي القرى التي تنعم بعينٍ، يكون ماؤها في صفاء البلّور، وبرودة الجليد (…)
البئر! كم كانت مهمة، وأساسية. وأيام اضطرارنا إلى الإقامة في دار لا تتمتع بوجود بئر في حوشها، كانت أياماً قاسية حقاً.
والبئر في الحياة إنما هي تلك البئر الأولية التي لم يكن العيش بدونها ممكناً. فيها تتجمع التجارب، كما تتجمع المياه، لتكون الملاذ أيام العطش. وحياتنا ما هي إلا سلسلة من الآبار. نحفر واحدة جديدة في كل مرحلة، نسرّب إليها المياه المتجمعة من غيث السماء وهمي التجارب، لنعود إليها كلما استبد بنا الظمأ، وضرب الجفاف أرضنا.
والبئر الأولى هي بئر الطفولة. إنها تلك البئر التي تجمعت فيها أولى التجارب والرؤى والأصوات، أولى الأفراح والأحزان، والأشواق والمخاوف، التي جعلت تنهمر على الطفل، فأخذ إدراكه يتزايد، ووعيه يتصاعد، لما يمر به كل يوم، يعانيه أو يتلذذ به. وكلما استقى من تلك البئر، ازداد مع ريّه فهمه لهذه التجارب والرؤى والأصوات، بأفراحها وأحزانها، وإذْ يمتح من مائها، لن يعرف ما الذي سيصعد إليه من صفو قرير، أو طين وعكر. وقد يكثر الطين والعكر، ويقلّ الصفو القرير. ولم لا؟ إنه بذلك يعيش ويتغذى: إنها البئر التي لن يكون له عنها غنى. وإذْ يعود إليها كل مرّة، فهو إنما يَرِد ينبوعاً دائم الفيض في طوايا إنسانيته.
مقدّمة «البئر الأولى: فصول من سيرة ذاتية»، 1986.
البحث عن مرايا فلسطين
قد يكون مشروعاً القول إنّ وليد مسعود، بطل «البحث عن وليد مسعود»، العمل الأبرز، ربما، للروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا (1919ـ1994)؛ هو ذاك الذي يمثّل شخصية الفلسطيني العامّ، والقياسي إذا جاز التعبير. لكنه، ثانياً، يصلح أن يكون جبرا نفسه، في فلسطينيته على وجه التحديد؛ خاصة حين ينقلب إلى مجاز روائي عن فلسطين كما تتوسلها فصول الرواية. كذلك يسهل الافتراض بأن أوديسة ترحال وليد مسعود، في جغرافيا عريضة ومتشعبة، واقعية ومتخّيَلة، هي أوديسة التشرّد الفلسطيني أيضاً؛ وليس غيابه الغامض الأخير سوى «غياب» فلسطين ذاتها.
ولعلّ ما ميّز أدب جبرا عن سواه من روائيي فلسطين المحدثين، كان توسيعه للأبعاد الحضارية والتاريخية الفلسطينية، ومزجه بين التراثات الرمزية والأسطورية الكنعانية والفينيقية والسومرية والبابلية، وتشديده على بُعْد ميتافيزيقي في الشخصية الفلسطينية لا يقف عند حدود فلسطين التاريخية، بل يمسح الساحل السوري والهلال الخصيب وصولاً إلى بلاد الرافدين. وهذا الخيار لم يكن سمة فنية عامة بين سواها، تخصّ الموضوعات أو الأسلوب، فحسب؛ بل كان في الواقع نهج انحياز تاريخي، وأوالية مقاومة ثقافية.
ففي رواية «السفينة»، 1978، يحشد جبرا عدداً من الشخصيات الفلسطينية والعربية والمتوسطية (رجل إسباني، وسيدة إيطالية، وثالثة فرنسية) في سفينة، ثم يجعل هموم التاريخ والماضي والحاضر تخيّم على الجميع، ويدير ما يشبه البانوراما السيكولوجية العريضة التي تجمع أو تفرّق الأشخاص والتواريخ والهويات. أمّا الفلسطيني على ظهر السفينة، وديع عساف، فإنه يصرخ: «أنا أحب البحر المتوسط وأركب السفينة فيه، لأنه بحر فلسطين. بحر يافا وحيفا، وبحر هضاب القدس العربية وقراها. فأنت إذا صعدت هضاب القدس، ونظرت غرباً لن تعرف أين تنتهي الأرض وأين يبدأ البحر، وأين يلتقي الإثنان بالسماء، فهي ثلاثتها متداخلة متمازجة ومتماثلة».
وفي مقالة بعنوان «تأملات في بنيان مرمري»، سوف تصبح عنوان كتاب سيصدر سنة 1989، تحدّث جبرا عن معمار تاج محل، ولكنه يجري سلسلة مقارنات بديعة، جمالية وثقافية وتاريخية، بين ذلك الصرح الهندي وسلسلة تفاصيل فنّية نظيرة له، على هذا النحو أو ذاك، في حضارات الشرق الأوسط: التماثيل الفرعونية، في متحف اللوفر الفرنسي؛ النجمة الثمانية، أو «المثمّن البغدادي» في المصطلح المعماري؛ مكعّب الكعبة، في مكة المكرّمة؛ مثمّن مبنى قبّة الصخرة، في بيت المقدس؛ والمرايا المحدّبة، القادمة من مدينة حلب السورية…
إعلاء شأن هذا التركيب الحضاري يبدو منطقياً في ضوء المعطيات العديدة التي توفّرها سيرة جبرا، إذْ كان بين أبرز مؤسّسي حركة «الشعراء التموزيين» الذين صعدوا في بيروت أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، ومجّدوا أساطير تموز وعشتار وجلجامش في سياق بحثهم عن سبيل البعث والقيامة، واستلهموا شخصية المسيح وفكرة الصلب من أجل الخلاص الجماعي. ولم يكتف جبرا بالمشاركة النشطة في تأسيس مجلة «شعر»، مع يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج، بل كانت أفكاره تنطوي على مقدار جلي من التعاطف مع العقيدة العامة للحزب السوري القومي الاجتماعي.
ولد جبرا في بيت لحم، لكنه هاجر إلى العراق بعد نكبة 1948، وبات ركناً أساسياً في الحياة الثقافية العراقية، والعربية بالطبع، من خلال مشاركاته المتميزة في النقد الأدبي والفني، والترجمة (خاصة أعمال شكسبير)، والرواية (له عمل مشترك مع عبد الرحمن منيف، بعنوان «عالم بلا خرائط»)؛ بالإضافة إلى صداقاته، التي أعطت نتائج مثمرة على صعيد النقد والسيرة، مع كبار أدباء وفناني عصره، خاصة بدر شاكر السياب وجواد سليم.
نصّ : جبرا إبراهيم جبرا