الدوحة -«القدس العربي»: تباينت مواقف الدول العربية من نتائج الانتخابات البرلمانية التونسية، واختلفت في قراءتها للمشهد الجديد الذي أفرزته صناديق الإقتراع في الدولة التي انطلقت منها شرارة الربيع العربي وكانت محط أنظار دول العالم. وتختلف التوجهات في تحديد مسار الانتخابات بين المستويين الشعبي والرسمي للحدث وفق التوجهات العامة التي تحكم العلاقات التي تربط الأطراف ببضعها، وعلى إثر التطورات الحاصلة في المشهد العربي الذي ينقسم بين معارض شرس لما يسمى «الإسلام السياسي» وبين مساند له وفق توجهات عامة بضرورة احترام آراء الشعب العربي ومزاجه، وبين محايد تجاه المسألة. وإذا كانت الخطابات الدبلوماسية المعروفة في مثل هذه المواقف هنأت الشعب التونسي في الغالب من دون استثناء يذكر، واعتبرت الأمر بمثابة تطور في مشهد البلد الشقيق الذي يبحث عن تحقيق استقراره، فإن المفردات المستخدمة كانت تفسر إلى حد بعيد رؤية هذه الحكومة أو تلك وتقييمها للحراك الذي تسجله الخضراء. وجاءت المواقف العربية المساندة للعملية السياسية الحاصلة في تونس متناغمة مع وصف مراقبي الاتحاد الأوروبي الانتخابات البرلمانية بالشفافة وبأنها ذات مصداقية. وقالت رئيسة بعثة مراقبي الاتحاد الأوروبي آنمي نايت في هذا الصدد «إن الشعب التونسي عزز التزامه الديمقراطي بفضل انتخابات مكنت التونسيين من مختلف الفئات السياسية من التصويت بحرية وفقا لأول دستور ديمقراطي في البلاد». وكان الموقف الأوروبي والعربي متسقا مع ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي هنأ تونس بإجراء الانتخابات البرلمانية، مشيرا إلى أنها خطوة حاسمة من أجل مستقبل البلاد. واعتبر أن هذا المسار يشكل حجر زاوية في عملية التحول الديمقراطي. من جانبها هنأت جامعة الدول العربية، الشعب التونسي وقواه السياسية والمجتمع المدني بنتائج الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد، متمنية له المزيد من التوفيق لترسيخ التجربة الديمقراطية. وأعربت الجامعة عن أملها في أن تتشكل الحكومة التونسية الجديدة في أقرب الآجال لتتمكن من تحقيق طموحات الشعب التونسي وتطلعاته نحو الاستقرار والنماء والتقدم والازدهار. وحيّت جامعة الدول العربية في تصريحات أدلى بها السفير أحمد بن حلي نائب الأمين العام للجامعة، الشعب التونسي وقواه السياسية والمجتمع المدني لنجاح هذه الانتخابات، مشيرا إلى أن الجامعة العربية تابعتها بفريق من المراقبين المختصين برئاسة السفير وجيه حنفي الأمين العام المساعد للشؤون القانونية مع بقية المنظمات الدولية والإقليمية التي تابعت تلك الانتخابات.
العلاقة مع الإخوان بوصلة مواقف العرب
وإن كانت الخطابات الدبلوماسية للدول العربية قد صبت كلها في اتجاه مباركة الاستحقاق التونسي وظروف إجرائه، إلا أن الترقب لا يزال سيد الموقف، في انتظار استكمال المسار التالي للانتخابات وتشكيل الحكومة والتحالفات التي ستقوم خلاله. وتأتي هذه المواقف تبعا للكيمياء التي تربط بعض الدول مع الأطراف الرئيسية في تونس، واستثمارها في تلك العلاقة. ويتنازع تياران في مساندة الأطراف السياسية التونسية التي تتزعمها حركة «نداء تونس» التي تدعمها كل الدول التي اتخذت موقفا عدائيا أو منافيا لحركة «الإخوان المسلمين» والرافضة له، مع اتهامه بمحاولة سرقة خيارات الشعوب العربية باللعب على عواطفه. ويقابله تيار آخر يساند حركة «النهضة» التي حلت في المركز الثاني في الانتخابات وهذا انطلاقا من حسابات سياسية ولاعتقاد بأن هذا التيار لديه تواجد شعبي لابد من احترامه وعدم تجاوزه، ومنحه الفرصة، من دون إقصاء من الساحة. وفي انتظار استكمال حلقة التحالفات التي سترسو عليها سفينة الحكومة التونسية المقبلة، تبذل كل دولة جهودها لمناصرة حليفها ولو من بعيد، والانتصار له، والدفاع عن خياراته مع ترقب للحراك المقبل، والمتعلق بالانتخابات الرئاسية التي سيشهدها هذا البلد قريبا.
ويعتبر مراقبون عرب أن الأهم في الانتخابات التشريعية التونسية، هو أن الديمقراطية انتصرت، وأن الشعب التونسي اختار ممثليه بحرية وشفافية، وأن النتائج لم تعرف إلا بعد انتهاء فرز الأصوات. وتلك كلها ظواهر جديدة في العالم العربي، وفي الأجواء التي عصفت بالربيع الذي أنعشت رياحه آمال الأمة وأحلامها في عام 2011. وشاءت المقادير أن تنطلق تلك الأجواء من تونس، وألا يبقى لها أثر ظاهر بعد مضي نحو أربع سنوات إلا في تونس. ويبشر نجاح الانتخابات التونسية بمستقبل أكثر تفاؤلا للبلد الذي لطالما اعتبرته الهياكل الدولية مختبرا للإنتقال السياسي في «دول الثورات العربية» وأكدت ذلك أيضا عبر نجاحها في تنظيم انتخابات 26 تشرين أول/أكتوبر التشريعية، ما أهلها منذ اليوم الأول للإقتراع، إلى نيل «إعجاب» كبار هذا العالم. وحسب المعطيات التي أفرزتها الساحة السياسية، يتأكد أنه خلال 3 سنوات من المرحلة الانتقالية، تمكن التونسيون الذين كانت سيطرت عليهم مشاعر الخوف من سيناريو كارثي، من تفادي المخاطر بفضل ما يشبه غريزة لحب البقاء، جنبت البلاد خطر التلاشي، وإن لم تتمكن من توحيد الجميع. ورأت صحيفة «الشرق» القطرية في افتتاحية لها تعبر عن توجه عام يحاكي المزاج الشعبي في قطر، أنه من «حق التونسيين أن يشعروا بالفخر والرضا، لأن الانتخابات البرلمانية، دارت في هدوء ودون وقوع حوادث عنف، فضلا عن نسب مشاركة محترمة ونتائج قبلت بها جميع الأطراف، على الرغم من أنها أدخلت تغييرا جوهريا في موازين القوى السياسية بعد أن فقد «حزب النهضة» الذي كان قد حاز على أغلبية مقاعد التأسيسي عام 2011 هذه الأسبقية لصالح خصمه السياسي المباشر، حزب «نداء تونس». وأضافت قائلة «على التونسيين أيضا أن يفخروا بكونهم اتسموا بوضوح في الرؤية، فتجنبوا في المجمل التصويت للمال السياسي ولعودة رؤوس النظام السابق الذين كانوا «استبعدوهم» في 2011، كما تجنبوا الخطابات الشعبوية وتلك التي تحتوي على جرعة زائدة من الديماغوجية». ومقابل الحفاوة الشعبية في قطر لنتائج الانتخابات التونسية حفلت بعض الصحف الدولية المعادية للإخوان بولائم شتائم وشماتة في حركة «النهضة» واعتبارها الخطر الذي تفاداه «التوانسة» وانتصارهم بإبعادها من الساحة. وكشف السيد محمد عمار رئيس مكتب حزب «التيار الديمقراطي» في العالم العربي ورئيس الجالية التونسية في قطر، أن نتائج الانتخابات التشريعية في تونس كانت صادمة لعديد الأطراف، لكنها واقعية نظرا للظروف التي سبقتها. مؤكدا أن المال السياسي تحكم في نتيجة الانتخابات التي فاز بها اليمين بنسبة تزيد عن 80٪ (في إشارة إلى حزب النهضة الإسلامي، وحزب نداء تونس العلماني، وحزب الاتحاد الوطني الحر بقيادة الملياردير سليم الرياحي). وقال رئيس الجالية التونسية في تصريح لـ»القدس العربي» أن الاعلام وشركات استطلاع الرأي كان لهما دور كبير خلال العامين الأخيرين في ترويج قطبي الصراع الذي يقوده الشيخان الباجي قائد السبسي، وراشد الغنوشي، وهو ما جعل الشعب التونسي يصوت بطريقة عقابية اندثرت على اثرها أحزاب عريقة سياسيا، على غرار الحزب «الجمهوري» و»التكتل» وحتى حزب رئيس الدولة «المؤتمر من أجل الجمهورية». وأضاف أن اليسار المتمثل في الجبهة الشعبية (تحالف أكثر من 10 أحزاب شيوعية وقومية ويسارية) حالفه الحظ للفوز بأكثر من 12 مقعدا في البرلمان المقبل، مشيرا الى أن حزب «التيار الديمقراطي» (يساري وسطي إجتماعي) الذي لم يكن موجودا في انتخابات 2011 يعد المفاجأة السارة في الانتخابات الحالية بفوزه بأكثر من 5 مقاعد متحصلا على المرتبة السادسة على المستوى الوطني، وقد اعتمد في حملته الانتخابية على 20 دراجة هوائية و 100 قميص برتقالي تحمل شعار الحزب. وطالب الخبير محمد عمار بضرورة تقبل النتائج الحالية بصدر رحب حتى وإن عادت بعدد من رموز النظام السابق، مؤكدا أن السنوات الخمس المقبلة ستكون مفصلية في تاريخ الجمهورية الثانية في المحافظة على السقف العالي من الحريات وإعلاء صوت الحق و العدل في تطبيق القانون وإصلاح الإدارة. كما أشار إلى أن الشعب التونسي مطالب أكثر من أي وقت مضى ببذل مجهودات كبرى وترسيخ عقلية العمل لان القضايا الاقتصادية والإجتماعية ستمثل التحدي الأكبر، فهي تمس مباشرة معيشته اليومية. وقال عمار أن حزبه سيلعب دور المعارضة البناءة وسيرفع صوت الحق في ضرورة تطبيق إصلاح إداري هيكلي تعاني منه الإدارة التونسية منذ أكثر من 50 عاما. كما سيطالب بإعادة جميع العقود المبرمة في قطاع البترول مع شركات تستغل ثروات تونس الطبيعية بنسبة 100٪. وتأسف عمار كثيرا على وجود عدد كبير من «بارونات المال» ورؤساء جمعيات كرة القدم في البرلمان الجديد وتحصنهم به لان ذلك سيكون عائقا في تمرير قوانين مثل الاستثراء غير الشرعي للأحزاب الكبرى وفتح ملف مصادر تمويلها. أما فيما يتعلق بالانتخابات في العالم العربي، فقد وصفها رئيس الجالية التونسية بالشفافة والنزيهة، لكنه تساءل عن الغموض الذي رافقها، حيث أن عددا كبيرا من التونسيين لم يتسن له الانتخاب رغم تسجيله المبكر ومشاركته في الانتخابات الماضية لعام 2011. وطالب عمار بضرورة الاستجابة لعدد من المطالب التي تعاني منها الجالية التونسية في الخليج خاصة وإيصال صوتها للحكومة المقبلة على غرار المسمى الوظيفي لعدد كبير من أعوان قطاع الصحة، والتأشيرات الوهمية التي أثرت على سمعة البلاد.
سليمان حاج إبراهيم