صحف عبرية مع حلول شهر رمضان تعمقت الازمة الداخلية في سوريا. التقارير عن القتل الجماعي للمواطنين والادعاءات بجرائم ضد الانسانية يرتكبها نظام بشار الاسد تتعاظم. بالتوازي، فان عدد المشاركين في المظاهرات في ايام الجمعة الاخيرة تجاوز، على ما يبدو، شفا المليون ويعكس ميلا مركزيا: تعاظم الاحتجاج واحتدام الازمة داخل سوريا. يحتمل جدا أن في اثناء رمضان، شهر الصيام في الاسلام، ستنشأ كتلة حرجة من المتظاهرين. معنى الامر هو أن ليس فقط نظام الاسد يعيش تهديدا وجوديا عقب الاضطرابات الدموية، بل كنتيجة لرد فعل متسلسل فان ايامه آخذة في النفاد.في المظاهرات التي بدأت في مدينة درعا في اذار 2011 شارك غير قليل من بضعة الاف من المواطنين. بعد ذلك انتشرت المظاهرات الى باقي المدن السورية وعدد المتظاهرين ارتفع بشكل دائم، من الالاف الى عشرات الالاف ومن مئات الالاف الى المليون وربما أكثر. الارتفاع المتواصل في عدد المتظاهرين وكذا تعاظم الدافعية والجرأة لديهم لهزم النظام واسقاطه هو جزء من عملية متواصلة لنشوء كتلة حرجة من المتظاهرين.وتشمل المظاهرات جملة متنوعة من السكان في سوريا، بينهم أقليات بدأوا مؤخرا فقط ينضمون بشكل نشط الى المظاهرات، كالاكراد والمسيحيين وكذا الاغلبية السكانية في سوريا، من المسلمين السنة. في ضوء ذلك، يتعاظم الضغط الذي يتعرض له العلويون، الذين يشكلون قاعدة التأييد للنظام، لادارة ظهرهم لعائلة الاسد والانضمام الى المظاهرات. وحسب التقديرات المختلفة في الغرب، يدور الحديث عن مسألة وقت الى أن ينتقل العلويون الى جانب المتظاهرين. اذا ما فعلوا ذلك حقا، فلعلهم ليس فقط سيمنعون الانتقام منهم مع حلول اليوم على تعاونهم مع نظام الاسد، بل ان مثل هذا التطور سيقصر الطريق لاسقاط النظام بشكل كبير. المتظاهرون ومجموعات المعارضة يشددون الضغط على العلويين للمشاركة في المظاهرات ضد النظام، احيانا في ظل توجيه تهديدات لهم. رغم أن هناك ميل للتعاطي مع العلويين ككتلة واحدة، فان الامور أكثر تعقيدا بكثير. في اوساط العلويين يوجد الكثير من المؤيدين التلقائيين للنظام، ولكن يوجد آخرون كثر يعرفون طغيان وفساد النظام بل وتضرروا منه، ولهذا فانهم يعارضونه. في أوساط آخرين يمكن التوقع في مرحلة معينة أن ينتقلوا لتأييد المتظاهرين، ولكن بقدر أقل معقولية، ولا سيما في المدى الزمني القريب ان يشاركوا بشكل نشط في المظاهرات. الخوف لدى العلويين مزدوج، بمعنى أنهم لا يخافون فقط رد فعل نظام الاسد في حالة انضمامهم الى المظاهرات، بل انهم يخافون من اغلبية المواطنين السوريين المسلمين السُنة حين يفكرون باليوم التالي لسقوط نظام الاسد. بؤرة الضغط التي يمارسها المتظاهرون وقوى المعارضة على العلويين ومؤيدي النظام تبدو ملموسة أساسا في اوساط الجيش وقوات الامن السورية وكذا في حزب السلطة، البعث. هذه المؤسسات هي أساس التأييد للنظام وللعلويين دور سائد للغاية فيها. منذ اندلاع المظاهرات، فان عدد الفارين من الجيش السوري ارتفع ببطء، ولكن باستمرار. بالتوازي، مطلب محافل المعارضة الغاء القانون الذي يعطي حصرية لحزب البعث اصبح أحد المطالب الاساس من النظام.فضلا عن تعاظم الاحتجاج الداخلي في سوريا، فان ضغطا اضافيا يؤثر على مصير النظام هو مدى تدخل الدول والمحافل الدولية. محافل المعارضة السورية تعمل بمنهاجية في ساحات مختلفة في العالم لتجنيد التأييد لكفاحها ضد النظام. جهود في هذا الاتجاه تمارس على الولايات المتحدة وكذا على روسيا والصين. يخيل أن اساس نجاح المعارضة السورية في تجنيد التأييد لكفاحها في الشرق الاوسط هو في تركيا. فالاخيرة تستضيف مجموعات وجهات من المعارضة السورية وتسمح لهم بالعمل من اراضيها من خلال وسائل الاعلام ضد نظام الاسد.خلافا للتعاون الوثيق الذي كان بين تركيا وسوريا في السنوات الاخيرة، فان اندلاع الاحتجاج والقمع العنيف الذي انتهجه نظام الاسد، أديا الى الابتعاد بين الدولتين. تركيا لا تزال لا تدعو الى رحيل الاسد عن الحكم، الا ان رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان ندد باعمال الجيش واعتبرها ‘بربرية’ ووزير الخارجية التركي، احمد داوداغلو لم يستبعد امكانية التدخل العسكري في سوريا. تركيا، مثل دول اخرى في الاسرة الدولية ايضا لا تتحمس لخيار التدخل العسكري، ولكنها تخشى تسلل الاحتجاج الى السكان الاكراد في اراضيها وكذا من موجة كبيرة من اللاجئين سيصعب عليها التعاطي معها. الوضع في سوريا يدفع تركيا الى الوقوف في الطرف الاخر من المتراس حيال ايران. وخلافا لتركيا، تؤيد ايران بشكل نشط استمرار حكم الاسد وتساعده في قمع الاضطرابات. ورغم الارتباط غير الطبيعي بين نظام الاسد العلماني ونظام آيات الله في ايران، فان العلاقات الاستراتيجية بين سوريا وايران، تمنح منذ سنين طويلة فائدة متبادلة للدولتين. سقوط الاسد سيشكل ضربة للنظام الايراني. ومع أن تركيا ايضا استثمرت الكثير في العلاقات مع بشار الاسد، وبالتالي غير راضية عن التطورات في سوريا، الا ان تعاونها مع محافل المعارضة يعدها على نحو افضل ‘لليوم التالي’. مشكوك أن يجر الوضع في سوريا تركيا وايران الى مواجهة مباشرة، ولكن عدم الاستقرار هناك يعرض منذ الان على هاتين الدولتين معاضل وسيواصل خلق نقاط خلاف بينهما اذا ما تعاظم عدم الاستقرار. وخلاصة الامر، فان تعزز الاحتجاج في سوريا وقمعه العنيف يترافق وانتقاد دولي آخذ في التصاعد. قرار شجب سوريا في مجلس الامن في الامم المتحدة على الخروقات الكثيرة لحقوق الانسان والمس بالمواطنين، يدل على ان تعاظم الاحتجاج في الداخل سيترافق ايضا وتعاظم الضغط على النظام من الخارج. هذا الضغط الخارجي يشجع المعارضة على مواصلة العمل، يمس بنظام الاسد من حيث موقفه ويمكن أن يكون له أيضا معان عملية. في الشرق الاوسط، الدولتان الاساسيتان اللتان كانت لسوريا علاقات قريبة معهما في السنوات الاخيرة، تعملان بشكل متناقض تركيا تضغط على الاسد لاتباع اصلاحات واسعة وتتعاون مع المعارضة، وايران تواصل التأييد النشط لنظام الاسد وقمع الاضطرابات. احتمالات نجاح سياسة تركيا تبدو أفضل من سياسة ايران، الامر الذي سيجلب معه مزيدا من النفوذ التركي في سوريا في ‘اليوم التالي’ مع كل المعاني الاستراتيجية الناشئة عن ذلك. نظرة عليا 22/8/2011