لندن – “القدس العربي”: بصم كريستيانو رونالدو على رقم للنسيان في مسيرته الاحترافية، بالتجرع من مرارة الهزيمة للمرة الأولى في نهائيي كأس متتاليين مع الأندية، بعد سقوط يوفنتوس مساء الأربعاء الماضي على يد نابولي في المباراة النهائية لكأس إيطاليا بركلات الترجيح، والتي سبقها أواخر العام الماضي بالخسارة أمام لاتسيو 3-1 في الكأس السوبر.
خسارة بطعم العلقم
اعتقد عشاق اليوفي أن الأمور ستعود إلى نصابها الصحيح بعد توقف كورونا الطويل، على اعتبار أنها ستكون فرصة ذهبية للمدرب ماوريسيو ساري، للتعلم من أخطاء الأشهر الستة الأولى، بما في ذلك، صداع الأداء المحبط، الذي لا يتماشى مع خطة التحول، التي رسمها الرئيس أندريا أنييلي ومعاونه بافيل نيدفيد والمدير الرياضي فابيو باراتيتشي، منذ كسر الرقم القياسي على مستوى التعاقدات في صيف 2018، بإنفاق 100 مليون يورو لشراء صاروخ ماديرا من ريال مدريد، وفي العام التالي، أكثر من 80 مليونا لخطف مستقبل دفاع الطواحين البرتقالية ماتياس دي ليخت قبل برشلونة وباريس سان جيرمان، وذلك لإحداث ثورة حقيقية في قطاع الكرة، لمواكبة العصر، بتقديم كرة القدم الحديثة، التي تفوق بها يورغن كلوب وبيب غوارديولا وزيدان وآخرون بمسافات ضوئية عن أصحاب المدرسة الكلاسيكية، وفي الوقت ذاته، يحافظ عملاق تورينو على هويته الإيطالية، كفريق يعرف أصول الدفاع بحكم جينات “الكاتيناتشو” المتوارثة في وطن أسياد وملوك الدفاع، ولهذا جاء ساري، ليمسك العصا من المنتصف، قبل الدخول في المرحلة الثالثة والأخيرة في المشروع الحلم، للسيطرة على أوروبا، بعقل بيب غوارديولا وقوة كريستيانو بعد رحيل الفيلسوف عن مانشستر سيتي، لكن التجارب والمباريات، أثبتت بما لا يدع أي مجال للشك، بأن ساري، لم يؤد مهمته بالشكل المطلوب والمنتظر منه.
لا جديد يذكر ولا قديم يعاد
ارتفع سقف طموح البانكونيري، بعد رحيل أستاذ اللعب الكلاسيكي ماسيمو أليغري وقدوم ساري، على أمل أن ينجح الأخير في حل المعادلة الصعبة، بعدم المساس بالألقاب، وفي مقدمتهم دوري أبطال أوروبا، بجانب تقديم كرة قدم عصرية، لتهيئة الوضع قبل وصول غوارديولا، وفي حقيقة الأمر، شراكة المحاسب السابق مع سيدة إيطاليا العجوز، بدت من الوهلة الأولى، وكأنها ستكون على الأقل جيدة، للسمعة التي رسمها الرجل الستيني لنفسه، كمدرب صاحب فلسفة خاصة، في بلد معروف عنه تقديسه لأفكاره ومعتقداته في عالم الساحرة المركولة، وأثبت أنه مشروع مارتن لوثر الألفية الجديدة بالطفرة العجيبة التي أحدثها مع إمبولي ثم نابولي، وبالأخص تجربته الأنجح في “سان باولو”، بتحويل فقراء الجنوب إلى واحد من أمتع الفرق الأوروبية في الفترة بين 2015 و2018، وهو ما منحه فرصة الاحتكاك بأعتى مدربي العالم في بلاد الضباب بتجربته العابرة مع تشلسي الموسم الماضي، ورغم أنها لم تكن تجربة مثالية، إلا أنه حقق في النهاية المطلوب منه، بتحقيق لقب اليوربا ليغ، وضمان أحد المراكز المؤهلة لدوري الأبطال، لكن على أرض الواقع، نلاحظ أن ماوريسيو يسير بيوفنتوس بسرعة الصاروخ إلى الوراء، بإصرار يصل إلى العناد على نفسه، بتكرار نفس الأخطاء، التي عانى منها قبل الجائحة، كما يظهر في توظيفه المحير لكريستيانو، بالاعتماد عليه إما في مركز المهاجم الوهمي أو جناح أيسر مهاجم، المهم أن يكون أول من يلمس الكرة في تحضير الهجمة بعد منتصف الملعب، وهذا الأمر فيه كثير من عدم الاحترام لسن رونالدو، مع اقترابه من كسر حاجز الـ36 عاما، وربما لو شاهد نسخة الدون مع زيدان، سيلاحظ أن الأخير، كان يعتمد عليه كرأس حربة صريح، ولا يلمس الكرة بعيدا عن منطقة الجزاء، إلا للمشاركة في الهجمات المرتدة، باختصار شديد، كان زيزو يوفر طاقة رونالدو داخل مربع العمليات، بينما ساري، يتفنن في إهدار هذه الطاقة في مناطق بلا فائدة!
قراءة متواضعة
ما يدعو للدهشة والاستغراب، أن مدرب اليوفي كرر نفس الأخطاء، التي كبدته الهزيمة أمام نابولي في مباراة يناير/كانون الثاني في مباراة الجولة الـ21 للسيريا آ، وأيضا مباراة لاتسيو في السوبر، بعجز لإيجاد حلول لتشكيل ولو أدنى درجات الخطورة على مرمى المنافس، بأسلوبه المفضل 4-3-3، لعب فريقه كرة مكشوفة، بنقل الكرة من قدم إلى قدم، بالمصطلح الدارج “لا طعم ولا لون”، ووضح ذلك في التحضير البطيء جدا، وتحجر اللاعبين في مراكزهم، بلا حيل متفق عليها لخلق فرص حقيقية أمام المرمى. وما زاد الطين بلة، أن تدخله أضر بالفريق، بإجراء تبديلات غير مفهومة، كما فعل باستبدال رئة الفريق ميراليم بيانيتش بفيدريكو بيرنارديسكي، وسبقه بتغيير سلم به جينارو غاتوزو مفاتيح المباراة، بإشراك دانيلو على حساب الجناح البرازيلي دوغلاس كوستا، ليتحول معها خوان كوادرادو إلى جناح مهاجم بجانب رونالدو وديبالا. هنا أيقن الجميع، أن وصول اليوفي لشباك الحارس البديل أليكس ميريت، لن يأتي إلا بضربة حظ أو هدف عكسي، وشاهدنا كيف صال وجال فابيان رويز في المنطقة الفارغة بين دفاع ووسط اليوفي قبل خروجه، باستغلال الثغرة على أكمل وجه، بمحاولات وتسديدات على المرمى، كان من الممكن أن تسفر واحدة منها عن هدف، لولا الحالة الرائعة التي كان عليها بوفون، الذي أنقذ بمفرده ما لا يقل عن 4 أهداف محققة بنسبة 100%، وهذا يعكس ويوضح مدى تأثير العجوز الإيطالي في وصول المباراة إلى ركلات الترجيح، التي ابتسمت في النهائي للطرف الأحق بالكأس.
رجل النهائي
استحق جينارو غاتوزو، موجة الإشادة والإعجاب الأخيرة، لظهور بصماته مع نابولي، بما يقدمه رجاله على أرض الملعب، بأسلوب يعتمد على الكثافة العددية في كل أجزاء الملعب، بمنظومة جماعية تتحرك كقطع الشطرنج، يعتمدون دائما على عنصر المفاجأة، تارة بالاختراق من العمق، وتارة أخرى بلمحة إبداعية من دريس ميرتنز أو إنسيني أو بانطلاقة من الجانبين، وأمام الإنتر في إياب نصف النهائي والنهائي، وضح أنه بدأ يتخلص من نقطة الضعف، التي كانت تعيقه في بداية مشواره بعد إقالة كارلو أنشيلوتي في أواخر 2019، وهي الأخطاء الدفاعية الفردية، أو بالأحرى الهدايا المجانية للمنافسين، نتيجة لاستيعاب أفكاره، ببدء الهجمة بخروج الكرة بشكل صحيح من قدم الحارس بشكل طولي، بدون العودة إلى الوراء أو اللجوء لأسلوب التشتيت، حتى لو كان الفريق في أشد لحظات الحصار، ويُحسب لمدرب ميلان الأسبق، أنه تعامل بتواضع في النهائي، بإعطاء يوفنتوس الاحترام المطلوب، وليس باستفزازه بعد إقصاء الإنتر من نصف النهائي بالفوز عليه ذهابا بهدف نظيف والتعادل بهدف لمثله في الإياب، إذ أنه لم يغامر بالهجوم في أول 20 دقيقة، ظل على وضعه، تاركا الكرة لرونالدو ورفاقه يفعلون بها كل شيء، إلا الاقتراب من المناطق المحظورة، باختيار موفق بإشراك رويز وكاييخون منذ البداية، بدلا من الثنائي بوليتانو وإليف إلماس، الذي بدأ به موقعة الأفاعي، ومع الوقت، اكتسب الثقة والشجاعة اللازمة، لشن غارات احتسبت معها أنفاس جماهير يوفنتوس، لولا تصديات الاخطبوط المذهلة، والأمر اللافت، أن نابولي لم يكتف بصحوته المتأخرة في نهاية الشوط الأول، بل أكمل تفوقه على كريستيانو ورفاقه حتى اللحظات الأخيرة، باستغلال ولا أروع للحالة المأساوية التي كان عليها المنافس، بإجباره على الدفاع في آخر 30 مترا في الملعب، إلى أن أنقذه الحكم بإطلاق صافرة اللجوء إلى ركلات الترجيح، وهذه بصمة غاتوزو، التي قادت نابولي للظفر بالكأس من أنياب الكبيرين الإنتر ويوفنتوس.
من جنى على يوفنتوس؟
صحيح الأغلبية تُجمع على أن ساري يتحمل الجزء الأكبر من تدهور أوضاع يوفنتوس هذا الموسم، لكن البعض يرى أن كريستيانو لم يف بعهده للسيدة العجوز وعشاقها، رغم سجله التهديفي الجيد، بتسجيل 53 هدفا في 77 مباراة في مختلف المسابقات، وذلك لاختفاء تأثيره في المواعيد الكبرى، باستثناء ما فعله أمام أتلتيكو مدريد في إياب ثمن نهائي الكأس ذات الأذنين الموسم الماضي، وبعد كورونا، تضاعفت نغمة التشكيك من أصحاب نظرية “المنتهي”، بوضع أرقامه في مقارنة مع غريمه التقليدي ليونيل ميسي، في أول مباراتين خاضها الاثنين بعد التوقف الطويل، بخروج الدون صفر اليدين من مباراتي ميلان ونابولي، بعدما أضاع ركلة جزاء أمام الروزونيري، بينما البرغوث سجل هدفين وصنع مثلهما أمام مايوركا وليغانيس، والآن الأمر أصبح متروكا لرونالدو وساري، إما بإظهار رد الفعل التي ينتظرها عشاق النادي، أو استمرار الوضع الكارثي الحالي على ما هو عليه، وبالتالي مشاكل للذهاب بعيدا في دوري الأبطال، حتى لو تجاوز ليون في إياب ثمن النهائي، ما سيعجل برحيل واحد من الاثنين في نهاية الموسم، بصرف النظر عن النتيجة النهائية في حملة الدفاع عن الكالتشيو للموسم التاسع على التوالي، وهذا ما لمحت إليه إلما شقيقة رونالدو عبر “انستغرام” بعد المباراة، بإلقاء اللوم على المدرب وإظهار عدم ارتياح شقيقها بالعمل مع ساري، فهل يلقي المدرب المخضرم بعصاه السحرية لإنقاذ الأمور قبل فوات الأوان؟ أم سيكون الضحية في نهاية الموسم؟ أم تحدث المفاجأة وتصدق الأنباء التي تتحدث عن رغبة الدون في الرحيل؟ نتائج وأداء اليوفي في المباريات المقبلة ستجيب على هذه الأسئلة.