جولة المفاوضات الأخيرة بشأن سد النهضة بين إثيوبيا (دولة المنبع) وكل من مصر والسودان، التي جرت عن بعد، خلال الفترة من 9 إلى 17 حزيران/يونيو بمشاركة مراقبين من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، هي الاختبار الأكبر حتى الآن، لقوة الإرادة بين الأطراف المتفاوضة. وبينما إثيوبيا تقف على بعد أيام من بدء موسم الأمطار والملء الأول لخزان السد، فإنها تريد أن تثبت للآخرين أن مصالحها هي الأعلى، وإرادتها هي الأقوى.
حكومة السودان، التي تبنت الدعوة إلى جولة المفاوضات الأخيرة، تسعى لوضع السلوك الإثيوبي بشأن ملء الخزان وتشغيل السد، داخل إطار توافقي بين الدول الثلاث، طبقا للمادة الخامسة من إعلان الخرطوم في اذار/مارس 2015. لكن مصر، المتضرر الرئيسي من سد النهضة الإثيوبي، تجد نفسها الآن في موقف أقل قوة عما كانت عليه في واشنطن، وأقل قدرة على ممارسة ضغوط على الطرف الآخر. ويبدو أن القاهرة أصبحت أكثر اقتناعا بأن الزمن قد يطول، قبل أن تحصل على مكاسب من الضغط غير المباشر، عن طريق الولايات المتحدة ومجلس الأمن، أو عن طريق محكمة العدل الدولية. ومصر عندما وقعت بالأحرف الأولى في شباط/فبراير الماضي على مشروع اتفاق أعدته الولايات المتحدة، ربما كانت تعتقد أن واشنطن ستلقي بكل ثقلها لإنجاح الاتفاق. الذي حدث فعلا هو أن وزير خارجية إثيوبيا في اليوم المقرر للتوقيع، توجه إلى روما وليس إلى واشنطن، بينما السودان الذي كان حاضرا في واشنطن رفض التوقيع.
بعد فشل جولة المفاوضات الأخيرة، ليس أمام مصر إلا أن تعمل على تقليل الأضرار المتوقعة إلى أدنى حد ممكن، والبدء في مواجهة حقيقة الفقر المائي بإجراءات جادة، بعد أن أهملت الحكومات المصرية المتعاقبة، منذ إقامة السد العالي على الأقل، الاستعداد لمواجهة هذا الفقر، الذي يترك آثارا سلبية على أمن الماء والغذاء والنمو، حيث أن نصيب الفرد من المياه العذبة حاليا يبلغ حوالي 29 في المئة مما كان عليه عند بناء السد العالي.
نهر النيل بالنسبة للدول الثلاث، هو مصدر مياه الشرب والغذاء والطاقة، وتعتمد مصر عليه بنسبة 97 في المئة من احتياجاتها من المياه العذبة المتجددة، بينما تتمتع إثيوبيا والسودان وجنوب السودان بموارد وفيرة للمياه. ورغم كل ظروف الجفاف والتغيرات المناخية، فما يزال نصيب الفرد من مصادر المياه المتجددة في دول حوض النيل باستثناء مصر أعلى من معدل الفقر المائي، بينما إثيوبيا على وجه التحديد تعتمد على موارد محلية للمياه من أنهار وأمطار وخزانات مياه جوفية بنسبة تبلغ 100في المئة، ومن ثم فإن الغرض الأساسي المعلن من إقامة سد النهضة هو توليد الطاقة. وهنا تبدو المفارقة في المعادلة الجيوقتصادية بين بلدين أحدهما يتمتع بوفرة في إنتاج الكهرباء تصل إلى حد التخمة، بينما الآخر يعاني من نقص في الطاقة إلى حد حرمان أكثر من نصف السكان من الكهرباء.
الجولة الأخيرة من المفاوضات انتهت من حيث بدأت. وحسب التعبير الوارد في بيان وزارة الري السودانية يوم 17 حزيران/يونيو فإنها كشفت عن خلافات مفاهيمية حقيقية بين الأطراف الثلاثة.
مفاوضات بلا أجنحة
منذ توقيع الاتفاق الإطاري في الخرطوم في اذار/مارس 2015 انحصر جدول أعمال المفاوضات في مسائل إجرائية جزئية تتعلق بقواعد ملء وتشغيل خزان سد النهضة. وقد رفضت إثيوبيا منذ البداية فكرة ربط بين قواعد ملء وتشغيل سد النهضة بأنظمة تشغيل وإدارة المياه في السدود الأخرى المقامة على مجرى النيل، كما رفضت وضع قواعد ملزمة لإدارة المياه في مواسم الجفاف بعد تشغيل السد. الفشل في الاتفاق على المفاهيم الأساسية للمفاوضات، يجسد حقيقة ارتكاز سياسات المياه والطاقة وغيرها على منطلقات قومية ضيقة، بعيدا عن الوفرة التي يمكن أن يحققها التعاون الإقليمي، كما يعكس عدم الاهتمام بتطبيق المبادئ الأساسية لإدارة المفاوضات التي عرفها العالم الحديث منذ كارل فون كلاوزفيتز في القرن التاسع عشر، إلى هانز مورجنتاو وهنري كيسنجر في القرن العشرين. هذه المبادئ تعلمنا الدروس التالية:
أولا: المفاوضات الجيدة، لا تنتهي عند النقطة التي بدأت منها، وإلا فإنها تكون إضاعة للوقت والمجهود والموارد. بالنسبة لكل من مصر والسودان فقد توقفت المفاوضات عند النقطة التي بدأت منها. أما إثيوبيا فقد حصلت بمقتضى الاتفاق الإطاري على موافقة ضمنية بالمضي قدما في بناء السد، ثم زادت مكاسبها بفتح نافذة لمناقشة كيفية ملء السد وتشغيله. هذا يعني عمليا أن إثيوبيا نجحت في إغلاق مسار المفاوضات فيما لا تريد التفاوض فيه، وفتحت المسار الذي تريده، وساقت إليه الطرفين الآخرين، مصر والسودان.
ثانيا: المفاوضات الجيدة تسترشد بمرجعيات دولية وإقليمية، متفق عليها ومعترف بها، وهو ما لم يحدث في مفاوضات سد النهضة، لأن الأطراف الثلاثة ليست عضوا في معاهدة الأمم المتحدة لتنظيم استغلال المجاري المائية في غير أغراض الملاحة، الموقعة في 21 أيار/مايو 1997 والتي دخلت حيز التنفيذ في 17 اب/أغسطس عام 2014. وعلى المستوى الإقليمي فإن مصر والسودان لم توقعا اتفاقية عنتيبي لتنمية حوض نهر النيل الصادرة عام 2010. هذه الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على توقيعها وتصديق 5 دول عليها، هي إثيوبيا، وكينيا، وأوغندا، ورواندا، وتنزانيا.
وتنص الاتفاقية على أن “دول مبادرة حوض النيل تنتفع انتفاعا منصفا ومعقولا، من موارد مياه المنظومة المائية لنهر النيل، على وجه الخصوص الموارد المائية التي يمكن تطويرها بواسطة دول مبادرة حوض النيل، وفق رؤية لانتفاع معقول”. ويمكن القول بشكل عام إن المبادرة تحظى بتأييد الاتحاد الأفريقي باعتبارها نابعة من داخل القارة، وتقوم على أسس التعاون الإقليمي المتبادل. لكن مصر تعتبر الاتفاقية “ضد القانون الدولي، وغير ملزمة لمصر، وتمثل تعديا على حقوقها المائية.” حسب تصريح أدلى به وزير الري المصري الأسبق محمد نصر علام عام 2010.
وتتمسك مصر باتفاقيات تاريخية منذ بداية القرن العشرين، ترفضها إثيوبيا لسببين، الأول أنها لم تكن طرفا فيها، والثاني أنها تعود إلى عصر الاستعمار الأوروبي للقاهرة، ومنها اتفاقية 1959 التي تمنح مصر والسودان ما يقرب من 88 في المئة من إيرادات مياه النيل، وهذه نقطة صدام رئيسية بين مصر وإثيوبيا.
ثالثا: المفاوضات الجيدة تنتهي بشكل عام إلى نتائج تعكس القوة النسبية للأطراف، محسوبة بالقدرات، ونوعية الدبلوماسية داخل وخارج قاعة المفاوضات، ومقدار الدعم الدولي، وقوة الأوراق التفاوضية الأخرى. وعلى الرغم من التفوق المصري الهائل في مجالات القدرات الشاملة اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا وثقافيا وعلميا وعسكريا، فإن النتائج حتى الآن تبدو في مصلحة المفاوض الإثيوبي. ومن الأمور التي تستوجب الإشارة، أن مصر خلال توليها رئاسة الاتحاد الأفريقي في العام الماضي، لم توظف القدر الكافي من الدبلوماسية لتحويل رئاستها للاتحاد إلى فرصة تحقق من خلالها اختراقا في مفاوضات سد النهضة.
رابعا: المفاوضات الجيدة تتضمن الاتفاق على آلية محددة، مقبولة ومتفق عليها لحل ما قد ينشأ من نزاعات. وقد رفضت إثيوبيا رفضا قاطعا التفاوض بشأن إقامة آليه مشتركة لفض المنازعات التي قد تنشأ عن تطبيق الاتفاق. هذا يعني أنه إذا ترتب على حجز المياه لملء الخزان إعاقة الملاحة في مجري نهر النيل، أو تأثرت سدود مثل الروصيرص أو سنار في السودان أو أسوان في مصر، أو انخفض إنتاج الكهرباء في محطة السد العالي، أو حدث بوار لأراض زراعية، أو أضرار بيئية، فإن الدولة المتضررة لن تجد وسيلة للتحقيق في الضرر، وتحديد المسؤولية عنه، وكيفية تصحيحه أو التعويض عنه.
خامسا: المفاوضات الجيدة تتضمن إنشاء نظام للإدارة التنفيذية والرقابة والمتابعة والتعديل. إن أي اتفاق مهما كانت براعة المتفاوضين، قد يواجه صعوبات، أو تتكشف فيه عيوب عند التنفيذ، وهو ما قد يستدعي تعديله، أو إدخال آليات جديدة لتنفيذه على الوجه الذي يحقق أقصى منفعة بأقل الأضرار لكل الأطراف. ولم تتناول المفاوضات إنشاء سلطة تقنية وإدارية مستقلة للإشراف على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، ومراقبة الالتزام به. ويعتبر وجود مثل هذه الإدارة أحد الشروط الرئيسية لضمان أن يكون الاتفاق مستداما ومستقرا.
سادسا: المفاوضات الجيدة تنتهي إلى اتفاق ملزم قانونا بعد التصديق عليه دستوريا وإصداره ليصبح قانونا نافذا. بهذا تكون المفاوضات قد حققت هدفها النهائي، ويصبح الاتفاق الناتج عنها واقعا قانونيا قائما بذاته، يتم تنفيذه تقنيا وإداريا ضمن منظومة قوانين الدولة.
الخروج من المأزق
إن العودة إلى المربع الأول قبل أيام من موعد البدء في ملء خزان سد النهضة، من شأنه أن يغري الحكومة الإثيوبية بتنفيذ خطتها والبدء في الملء، بصرف النظر عن موقف الطرفين الآخرين، والمراقبين الدوليين، بمن فيهم الولايات المتحدة، التي وجهت نداء بضرورة موافقة مصر والسودان أولا.
في هذه الحالة سيؤدي ذلك إلى تعقيد العلاقات أكثر بين القاهرة وأديس أبابا، حتى يتوصل الطرفان إلى إعادة صياغة علاقاتهما على أسس جديدة. أما الخرطوم فإنها تستطيع أن تتعايش مع النتائج الأولية لتخزين المياه، بل إن إثيوبيا قد تعرض على السودان مكافأة، من خلال البدء في مشروع لنقل كهرباء سد النهضة، قبل أن تكمل مصر خط الربط الكهربائي مع السودان.
على المدى الطويل، يستلزم تحقيق الاستقرار في العلاقات بين مصر والسودان وإثيوبيا، إعادة فتح ملفات مبادرة دول حوض نهر النيل، والتوصل إلى إطار مرجعي إقليمي متفق عليه لاستغلال موارد المياه المشتركة بين دول الحوض، ووضع معادلة جديدة تكفل تنمية موارد المياه، وعدالة تقسيمها، لتحقيق المنفعة المشتركة. كما يستلزم أيضا انضمام هذه الدول إلى معاهدة الأمم المتحدة لاستخدام مجاري المياه في غير أغراض الملاحة. فوق كل ذلك، وقبل كل شيء لن يتم تصحيح العلاقات بين دول حوض النيل، خصوصا مصر وإثيوبيا والسودان، قبل نزع قضايا الأمن المائي وأمن الطاقة من منظومة التعبئة السياسية لصالح الأنظمة الحاكمة؛ فهذا هو أحد الشروط الأولية للمساعدة على خلق بيئة تعاونية وتعزيز الشعور بأهمية المصالح المشتركة.