كيف قام التلفزيون بصناعة التونسيين

حجم الخط
0

كيف قام التلفزيون بصناعة التونسيين

توليفة رمزية تتوحد تحتها المسلسلات والبرامج الاخبارية وحتي المنوعات:نصر الدين اللواتيكيف قام التلفزيون بصناعة التونسيين ماذا فعلت التلفزة في تونس بالتونسيين خلال خمسين عاما من الإستقلال؟ وأيََ ملمح صاغته للفرد التونسي عابرا النصف قرن المنقضي؟ سؤال لا يستثني الفرد التونسي من الحالة العربية التي تحركت فيها المؤسسات التلفزيونية العمومية في البلدان العربية محتفظة ـ بتفاوت في الأداء وبسياقات تاريخية مختلفة ـ بمهمة صيانة شكل إجتماعي ما لمشاهدها المحلي فلا تراه إلاّ عبر هذا الشكل وغالبا ما تقوده إلي رؤية نفسه من خلاله سواء ٌشاء أم أبي.فكأن الخطاب التلفزيوني النَّاظم للمؤسسة والصادر عنها ـ كحال التلفزة في تونس ـ تحول من دوره المفترض كفضاء عمومي للتداول والتبادل، إلي وسيط ضخم لصناعة ممكن إجتماعي حتي وإن لم يوجد أصلا، بأدوات صامدة طيلة عقود لعلّها جعلتنا أمام مُتلقّيّيْن إثنين، واحد موجود في حيز الواقع وآخر تلفزيوني مشهدي.ينبّه هذا التساؤل إلي الحاجة لفهم صورة الفرد التونسي مثلما تولت مهمة صناعتها وتكييفها التلفزة بسلطتها الرمزية ووظيفتها التنموية ، واللافت للنظر هو قدرة الخطاب التلفزي علي المحافظة علي نفس نمطه وسط خطابات متراكمة متراصة إنسجــمت حينا وتنافرت أحيانا متخذة أشكالا سياسية وإيديولوجية وثقافية.. فعبر هذا الخطاب التلفزي أحداثا وتطورات وهزات منها ما صنعه القرار السياسي ومنها ما تكفل به التاريخ، بدءا من وعود بناء الدولة الوطنية وصولا إلي اليوم، مرورا بمراحل كالتعاضد أو أحداث قفصة أو ثورة الخبز فضلا عن مآل المؤسسة البورقيبية ومنطقة التسعينات..والثابت، من خلال نظريات علوم الإعلام والإتصال، تلك التي إشتغلت بالإعلام التلفزي وقضية الآثار والإنعكاسات، أن مُتصورا ذهنيا ما رسخ للتونسي عن نفسه تضخمت فيه ملامح وأفكار ونمت معه مسلمات وأوهام، تعددت في إنتاجها الأساليب وتجاورت المضامين طيلة حوالي 40 عاما من تفرد الباث العمومي بمهمة إختيار المضامين وتنقيتها وتهذيبها وتسويقها بعد تشذيبها مما لا يَحسُن بالمتلقي إدراكه، ومع التسليم بمحدودية تأثير المضامين التلفزية وبتمايز التلقي لدي الناس، فإن الدلائل تؤكد أن هنالك مشتركا تتعهد التلفزة ببثه ولا يفلح السلوك الإجتماعي في التنصل منه، هو مشترك النظام الأبوي المستحدث أو البنية البطركية التي تحكم المجتمع تماما كما حددها الباحث العربي هشام شرابي. والإجابة عن السؤال الذي يطرحه المقال إنما تنطلق من ضرورة إدراك حقيقي لمنزلة التلفزة ومضامينها وبرامجها في ذهن الفرد في تونس وفي عموم التجربة الثقافية والإجتماعية التي راكمها المجتمع التونسي، ودور هذه التلفزة بشكل قصدي أو عَرضي في إعادة إنتاج المسلمات والقواعد والسلطة وهي تخترق بخطابها التلفزي كلّ الفترات والأحداث التي عايشها التونسيون.السؤال المؤجّلوهنا وإلي جانب الضرورات العلمية لإخضاع موضوع إسمه التونسي إلي مقاربة إتصالية، فإن هنالك أيضا حاجةً للمكاشفة كلما تحدثنا عن صورة هذا التونسي بعيدا عن الإستنتاجات التبسيطية والجاهزة، ولكن بعيدا أيضا عن اليقين والمسلمات الحديدية التي غالبا ما طالت الحديث عن الإعلام التلفزي التونسي، فسنواتٌ عديدةٌ من الإنتاج التلفزي ـ تشكلت خلالها عادات وأساليب وأنماط في الإعداد والإنتاج والتقديم ـ لَتبدو مادةً مستفزةً مهجورة تدعو الباحثين للتصدي إليها بالتقصي والمساءلة، في سياق حاجة أهم لتفسير ملامح المجتمع التونسي وذهنيته وفهم تلك التمثلات وردود الفعل الطاغية علي السلوك الإجتماعي في تونس، والمبررات والحجج وأسلوب التحليل الذي يصدر عن الفرد في تونس كلما إصطدم بقضية أو ظاهرة أو حدثٍ وسواء تعلق الأمر بشأن محلي أم خارجي، ومثل هذه التمثلات وردود الفعل هي التي كثيرا ما أهملت من البحث، فنكتفي أحيانا بالإشارة إليها بتودد ولطف بأنها الشخصية الوطنية أو الهوية التونسية كلما غلب عليها الإتساق والإنسجام والملمح الإحتفالي، ونتجاهلها ونغيبها وننفيها كلما بدت دليلا علي هشاشة التفكير والإنفعالية والتناقض السلوكي والأخلاقي.ولا أعني في هذا السياق مستوي الخطاب أو السجل اللغوي المتداول في التلفزة والذي سيطرت علي مساحات كبيرة منه اللغة الخشبية وأسلوب البعد الواحد والذي يكاد يُمطر به المشاهد يوميا من صيغ تفضيل ومبالغة آلت إلي مفعول عكسي لدي المتلقي فتلك وجهة أخري في البحث (من قبيل النجاحات المبهرة، والريادة في، والنتائج الأفضل في جنوب المتوسط، أو الإقتصاد الأكثر نموا في إفريقيا، أو الإجراءات الأمثل في كذا وكذا، والتجهيزات الأحدث في كذا، والمقاربة الأشمل للقضية كذا، فضلا عن ذلك الشعار المثير والباعث علي الحيرة : الفرح الدائم) وطبعا فيكفي التمعن في عموم ما يمطر به المشاهد العربي من التلفزات العربية لإدراك البعد العربي لهذه الممارسة، ولكن الدعوة لفهم الصورة المجتمعية التلفزيونية وتحليلها تتجاوز السجل اللغوي يتجاوز الخطاب إلي عموم الرموز المستخدمة والقيم المسوقة والفاعلين الذين يتحركون في المساحة التلفزية.التوليفة السيميائيةفمن مقتضيات المكاشفة المطلوبة إعادةُ النظر في الكيفية التي أسهمت بها التلفزة التونسية مثلا في صناعة إدراك ما للتونسيين بأنفسهم بدءا وبذواتهم الإجتماعية تاليا، إدراكٌ تأرجح بين الأمة التونسية و الأنموذج التونسي ، عَبْره كان التونسيون يتحركون ضمن الحيز الإجتماعي ومنه يطلون علي العالم حولهم، وهو إدراك تغذي بصيغ ورموز كانت تتكرر وتتداول علي إختلاف المضامين، من نمط العرض الإخباري اليومي، إلي المسلسلات التي إشتغلت بالدراما الحياتية للتونسي وصولا إلي الملفات التلفزية والبرامج الإخبارية، وحتي المنوعات الرياضية والفنية مرورا ببرامج كالكاميرا الخفية وحتي النشرة الجوية، وسيكون من المثير إكتشاف تلك التوليفة السيميائية والرمزية التي تتوحّد تحتها مثل تلك الإنتاجات وهي تخاطب متلقيها التونسي.كما أنه من المهم التوقف عند هذه الرموز التي أصبح المشاهد يلتقطها بمهارة سعيدا بالتعرف عبرها علي صورته طبقا لخطاب معياريّ يقترح شكلا إجتماعيا وتصورا مفردا للأحداث الجارية، إما عبر المونتاج وتعهّد الصورة أو في الحوار واللهجة ومقتضيات الإبتسام أمام الكاميرا وأسلوب التعبير عن الفرح أو مظاهر الإنفعال أو الحزن (هذا إذا ما كان هنالك شيء إسمه الإنفعال أو الحزن أو الغضب في هذه الشاشة عدا ما يقدّم في المسلسلات والأشرطة السينمائية)فكثيرا ما كان العرض الإخباري التلفزي ـ بإعتبار الوظائف المعهود بها إليه ولمنزلته في البرمجة ـ إحدي ساحات تشكيل هذا النوع من الوعي التلفزيوني ، فضلا عن الإنتاجات الدرامية محلية الصنع التي تتمايز عن الدراما العربية بالإشارة إلي نفسها بأنها إنتاجات وطنية محوّلةً بذلك صلتها بالمشاهد من منطق الفرجة والتخييل إلي منطق المواطنة معيدة إنتاج الإنتماء لديه كلما أطلت عليه من شاشة منزله، فيما تحتفظ الذاكرة بمرحلة المنوعات التلفزية الكبري وثقيلة الإنتاج (كمنوعات الأحد) التي إنطلقت مع نهاية الثمانينات بأسلوب في العرض والتقديم وتصميم للفُرجة لم يألفه التونسيون لكنها وظيفتها الترفيهية حرّفت إلي وظيفة موازية بتحولها إلي ساحة لإعادة إنتاج الإجماع والتداول الجماعي للرموز والقيم والإقرارات، فيما كان علي المشاهدين التونسيين أن ينتظروا إلي بداية التسعينات ـ فترة أصبحت تسمي بالإنفتاح ـ حتي يشهدوا تحول التونسي/الفرد إلي موضوع للخطاب التلفزي، بقيام عدد من البرامج الاخبارية بتفحص هذا الموضوع ونقله من منطقة الهامش إلي المركز قبل أن تنحسر هذه الوظيفة وتتقلّم هذه البرامج ويعاد تشكيلها وتشذيبها وفقا لبيداغوجيا الإعلام المسؤول .الإقامة في العالم ويبدو ضروريا ونحن نبحث عن طريقة إقامة في العالم اليوم، أن ندرك كيف رسمت حدود الوعي بالمحلي قبل العالمي وبالذات قبل الآخر، إضافة إلي الوعي بمسائل كالهوية والشخصية والحداثة والتقدمية والحرية والمسؤولية.. والتي اهترأت لكثرة استنزافها في غير مقاصدها وإستهلاكها في خارج سياقاتها.عندما أعدت صياغة هذه الأسئلة أكثر من مرة كانت تستوقفني مقولة المفكر الفرنسي الشهير جاك بيرك بأن.. المجتمعات الأقل نموّا أو المتخلفة، إنما هي تلك المجتمعات الأقل دراسة وتمحيصا معرفيا.. فموضوع كهذا كان من المفترض أن يشكل محور إهتمام رئيسي بل ومثير لحقل كسوسيولوجيا وسائل الإعلام، غير أنه لم يتعد محاولات قليلة جدية وعميقة. فقد بقي الخطاب التلفزي ومنزلته في صياغة ذهنية الفرد وتشكيل الواقع السياسي والإجتماعي للتونسيين أو تحريفه، بقي إهتماما غائبا أو مؤجّلا ويبدو أنه هو الآخر طالته المحاذير ومخاوف الإنزلاقات ومخاطر التأويلات، فبقي دون الستار الحديدي.صحافي تونسي إنتقل من التلفزة التونسية إلي الجزيرة 2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية