سد النهضة العظيم بين طموحات إثيوبيا لتكون “أسد” أفريقيا ومخاوف مصر على أمنها المائي

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

طالما اقترح اسم “سد النهضة العظيم” الإثيوبي على نهر النيل الأزرق فكرة عن عودة إثيوبيا لكي تكون قائدة في أفريقيا، فهذا السد الذي بدأ العمل عليه به عام 2011 كان جزءا من “ولادة جديدة” لإثيوبيا، ووصف بأنه أكبر سد في أفريقيا وسيكون مصدرا للطاقة الكهربائية التي تقول إثيوبيا أن أكثر من نسبة 65 في المئة من سكانها غير مرتبطين بشبكات كهربائية. والسد هو من بنات أفكار رئيس الوزراء السابق ميليس زيناوي، الذي وصف مرة بأنه جزء من القادة الجدد في منطقة البحيرات الأفريقية ليتحولوا مثل سابقيهم كمستبدين أصابهم هوس السلطة وهوس العظمة. وكان زيناوي واضحا في بناء المشروع لتحدي مصر التي ينتهي بها نهر النيل قبل أن يتعانق مع البحر الأبيض المتوسط.

بأي ثمن

وفي نظر دول حوض النيل بفرعيه الأزرق والأبيض هناك فكرة أن مصر أو المعاهدة التي وقعت لتقاسم مياه النيل والتي وقعتها بريطانيا بصفتها دولة مستعمرة لكينيا وأوغندا وتنزانيا عام 1929 مع مصر وأعطت مصر حقا مكتسبا للاعتراض على أي مشروع مائي تتخذه هذه الدول وما يتضمنه هذا الحق من “فيتو” غير منصفة،  وأتبعت هذه بمعاهدة عام 1959 وكلاهما منح مصر ثلثي مصادر مياه النيل، إلا أن زيناوي عندما وضع حجر الأساس للمشروع في نيسان/إبريل عام 2011 كان مهووسا به وضرورة إنشائه مهما كان الثمن، لكنه مات بعد عام من بدء المشروع. وكان من المقرر أن يكتمل المشروع الذي تقدمت به الحكومة الإثيوبية عدة أسباب لإنشائه على نهر النيل الأزرق قرب الحدود السودانية منها، الاستجابة لاحتياجات الطاقة السكانية التي للبلاد التي أصبحت ثاني أكبر دولة أفريقية من ناحية تعداد السكان، في وقت يتزايد فيه النمو. كان زيناوي محلا لانتقاد منظمات حقوق الإنسان لكنه كان يعرف كيف يثير الحماسة القومية ويعبئ السكان من خلال خطة خمسية للنمو والتحول أعلن عنها عام 2010. وكانت كلفة المشروع الأولية 4.1 مليار دولار ولهذا قامت الحكومة بجعل المشروع شعبيا وحثت المواطنين على شراء أسهم فيه. وفي تقرير لصحيفة “الغارديان” (14/7/2014) حيث كان المشروع في بداياته ولم تجمع الحكومة سوى 350 مليون دولار نقلت حس المسؤولين عن المشروع الذي ظل منطقة محظورة على العامة، بأن بلادهم تريد التخلص من التبعية والتحول إلى “أسد” أفريقيا عبر بيع الطاقة لدول الجوار وتوليد العملة الأجنبية لدعم مشاريع التنمية.

 وترى إثيوبيا في بناء السد حقا لها وأنها لا تستفيد من مياه نهر ينبع من جبالها. وكما قال وزير المياه والطاقة والري الإثيوبي في حينه اليمايوهو تيغنو للصحيفة فالمعاهدات لم تعد قائمة و “من حقنا بناء السد”.

بين الوعد والوعيد

ولكن الحكومة الإثيوبية مضت بالمشروع وظلت دولة المصب وهي مصر مترددة في وقفه أو لم تكن قادرة على وقفه بطرق دبلوماسية أو عسكرية. وكان من المقرر اكتماله عام 2017 والبدء بتشغيله وملء الخزان حوله الذي سيستوعب 70 مليار متر مكب من المياه، بحيرة ضخمة ستأخذ من حصة السودان التي يلتقي فيها النهر مع النهر الأبيض القادم من بحيرة فيكتوريا عند منطقة المقرن في العاصمة الخرطوم ويواصلان الطريق إلى مصر معا ثم إلى البحر، وهي رحلة قطعها النيل على مدى القرون وظل مصدر الحياة لملايين المصريين والسودانيين وكل الدول التي يمر منها. ولكن مصر ظلت كما قال المؤرخ الإغريقي هيرودوتس هي “هبة النيل” فالمخاطر البيئية التي سيتركها السد بدت تتضح على مستوى المياه في السودان ومصر بشكل بات يؤثر على المزارعين الذين يعتمدون على مياه النيل لري أراضيهم وتوفير المحاصيل الكافية للبلاد. وفي ظل التغيرات البيئية يحذر العلماء من أثر مشروع ضخم من ناحية تراكم الأملاح في التربة وتصحر الأراضي في الطريق إلى المصب أو توقف مسار النهر، وهي مخاوف تقلل إثيوبيا من شأنها.

مفاوضات فاشلة

وبدأت المفاوضات بين مصر وإثيوبيا منذ بداية المشروع وظلت مشحونة واتسمت بالخلافات، ففي عام 2012 طلبت أديس أبابا فريقا من لجنة خبراء بمشاركة مصرية وسودانية وغيرهم لدراسة الأثار الاقتصادية والبشرية للمشروع. وفي أيار/مايو 2013 قالت اللجنة إن هناك حاجة لدراسات مستفيضة ولجنة ثانية بناء على طلب مصر، وهو ما رفضته إثيوبيا التي وصفت الأمر بالمضيعة للوقت. وواصلت إثيوبيا تعنتها ورفضها لأي فكرة أو تنازل يعني وقف المشروع جملة وتفصيلا. ووصلت الأطراف إلى مسألة ملأ الخزان المحيط بالسد، وإن كان بالتدريج أم حسبما تريده إثيوبيا بشكل تكون قادرة على توليد الطاقة الكهربائية. وبرزت في الآونة الأخيرة تصريحات متشددة من أديس أبابا سواء من نائب قائد الجيش الذي ذكر الدول المعترضة خاصة مصر، أن إثيوبيا تعرف كيفية الدفاع عن السد إلى وزير الخارجية الذي قال إن السد سيملأ باتفاق أو بدون اتفاق، إلى تصريحات قريبة من هذا ولكن أقل صدامية أمام البرلمان الإثيوبي لرئيس الوزراء أبي أحمد. وجاءت هذه التصريحات بعد فشل المفاوضات التي استأنفت في 9 حزيران/يونيو، في وقت أكدت فيه مصر أنها ستستخدم كل السبل لحماية مصالحها. ووصف وزير الخارجية المصري سامح شكري في تصريحات لموقع “المونتيور” العام الماضي وقال فيها “لا أحد يتفق مع الإثيوبيين في أن تطوير السد يجب أن يكون على حساب حياة المصريين”. ومن هنا فالرهانات عالية بالنسبة لمصر لو مضت إثيوبيا وبدأت كما قالت بملء الخزان الشهر المقبل. ورفضت أديس أبابا توقيع مسودة اتفاق أمريكي بناء على مبادرة مصرية في شباط/فبراير. وقالت إن الاتفاق يلزمها بتجفيف خزان السد لمستويات منخفضة في زمن الجفاف، ما يعني مواصلة مصر الحصول على الحصة القديمة من المياه والتي تراها حكومة إثيوبيا غير عادلة. واتهمت أديس أبابا الحكومة الأمريكية بدعم وجهة النظر المصرية أثناء المحادثات وتخلت عن دورها كمراقب. إلا أن مصر وحكومة الولايات المتحدة ردتا أن أي محاولة للحصول على مياه بدون اتفاق يعد خرقا للقانون الدولي. وهو ما رفض أيضا، حيث أكدت إثيوبيا أن من حقها ملء السد وبقرار من طرف واحد. ونقلت مصر الملف الآن إلى مجلس الأمن على أمل القبول بما ورد في مسودة اتفاق من مبادئ تتعلق بآلية حل النزاعات وتخفيف مستويات الخزان زمن الجفاف.

وتعتقد إثيوبيا أن الاتفاقية تعني استمرار هيمنة مصر على النيل. ولدى حكومة أبي أحمد اعتباراتها المحلية كما تقول مجموعة الأزمات الدولية (17/6/2020) فهو يواجه انتخابات أجلها بسبب كوفيد-19 إلى العام المقبل بالإضافة إلى توترات عرقية تهدد بانهيار نموذج الدولة الإثنية. وكان أحمد قد اقترح في نيسان/إبريل اتفاقيا مؤقتا يغطي العامين الأولين من مرحلة ملء السد، بهدف تخفيف التوتر وبناء الثقة والعمل على اتفاق دائم، وهو ما رفضته مصر التي قالت إنه سيمنح إثيوبيا الفرصة لتجنب اتفاق شامل، ورفضت الخرطوم الفكرة هذه مؤكدة على أهمية التوصل لرؤية شاملة في الموضوع. وأمام الخلافات في الرؤى فلا يوجد ما يبشر باتفاق، خاصة أن التصريحات المتحدية مستمرة من الجانب الإثيوبي الذي أكد على الحق بمواصلة ملء السد رضي الجيران أم أبو. وفي تصريحات لوزير الخارجية جيدو أندر غاشيو لوكالة أنباء “أسوسيتدبرس” (19/6/2020) قال فيها “ليس من الواجب علينا التوصل إلى اتفاق قبل بدء ملء السد ولهذا سنبدأ بالعمل مع بداية موسم الأمطار”. وكرر الموقف الرسمي حول الفصل بين ملء السد والتوصل لاتفاق “سنواصل العمل على صفقة ولكننا سنمضي قدما بخطتنا مهما كانت النتائج، ولو انتظرنا مباركة الآخرين لبقي المشروع ساكنا لعدة سنوات وهو ما لم نسمح بأن يحدث”. وقال “سنكون واضحين أن إثيوبيا لن تستجدي مصر والسودان لكي تستخدم مصادر المياه من أجل تطورها” وأكد أن المشروع هو إثيوبي ومولته الدولة بنفسها.

ومع وصول موسم الأمطار ترى إثيوبيا أن الوقت مناسب لبدء ملء السد وتشغيله لاحقا. وفي ظل التوتر الحالي وتمسك كل طرف من الأطراف بمواقفه ألمحت كل من مصر وإثيوبيا للخيار العسكري، وهو ما لوحت به القاهرة مرارا وكان بإمكانها اتخاذه لوقف المشروع منذ البداية، لكن إشعال حرب حول المياه ستترك آثارها الجيوسياسية، خاصة أن المشروع اليوم بات محميا من دول في المنطقة من مصلحتها حرمان مصر من حصتها، إلا أن وزير الخارجية الإثيوبي رفض الحديث عن الخيار العسكري وقال إن السد هو فرصة للتعاون والاندماج الإقليمي. مشيرا إلى أن مصر تبالغ في دعايتها السياسية ضد السد وتخوض مقامرة سياسية و “يبدو بعضهم راغبا باندلاع حرب”. وقال “قراءتنا هي أن الجانب المصري يريد الإملاء والسيطرة حتى حول التطورات المستقبلية على نهرنا”. وقال إن بلاده عرضت ملء الخزان على مدى أربعة مواسم ماطرة مع الأخذ بعين الاعتبار المواسم الشحيحة بالمطر. ورفض نقل الملف إلى الأمم المتحدة كما فعلت مصر. وفي الوقت نفسه ترى مصر أنه تم الاتفاق على 90-95 في المئة من القضايا الفنية ولكن الجانب القانوني هو الأهم ولم يتم حله. ورفض السودان إلى جانب مصر المحاولات الإثيوبية لشمل تقاسم المياه والمعاهدات القديمة في صفقة السد. ويعلق وزير جيدو “المصريون يريدون منا أن نقدم لهم الكثير ولكنهم غير مستعدين لتقديم أي شيء لنا”.

دعم وحياد

وفي المواقف المتبادلة بين مصر وإثيوبيا، تردد الموقف السوداني بين الدعم للمشروع على أمل الاستفادة من الطاقة الكهربائية إلى الميل مع مصر، إلا أن ما يبدو حيادا في الموقف السوداني ربما كان عائقا كما أشار تقرير في “ميدل إيست مونيتور” (18/6/2020) واتهم يونس بيرا ويوهانس جيمادو في “فورتشون” السودان بترديد المواقف المصرية حول مخاطر السد العظيم على حياة ملايين المصريين. وجاء في التقرير أن بناء السد مفيد للسودان من ناحية أنه سيمنع الخسائر بالأرواح والممتلكات كل عام عندما يغرق النيل الأزرق المناطق المحيطة به في المواسم الماطرة. كما سيحسن من نوعية إنتاج المحاصيل في المناطق القريبة من السد وسيمنح فرصة للسودان كي يستفيد من الطاقة الكهربائية الرخيصة التي سينتجها السد بقوة 6.000 ميغاوات. ورغم كل هذه المنافع إلا أن السودان سيكون المتضرر الأكبر على المدى البعيد إن لم يتوصل إلى اتفاق حول الأمن المائي مع إثيوبيا. وفي الوقت الحالي تلتزم مصر والسودان بمعاهدة 1959 والتي تمنح مصر 55 مليار متر مكعب من مياه النهر و18 مليار متر مكعب للسودان. وتعطي المعاهدة كلا البلدين فيتو على أي تطوير في المنبع. ولم تكن إثيوبيا جزءا من المعاهدة. إلا أن مفاوضات 2010 والتي ضمت الدول العشر في حوض النيل وعقدت في عنتيبي بأوغندا فشلت عندما خرجت مصر والسودان منها وأكدتا على ضرورة الحفاظ على مستويات المياه الحالية. والمشكلة في الموقف السوداني أنه مدفوع بدوافع سياسية ولن يحمي المصالح السودانية، وهناك حاجة لاتفاق حول طريقة حل النزاعات في المستقبل. ولكن الموقف السوداني التصالحي لن يوقف التكهنات بعملية عسكرية ضد إثيوبيا، وزاد تحريك مصر قواتها قرب الحدود الإريترية عام 2018 من هذا المنظور. ولكن مصر لن تقدم على عمل عسكري كان عليها القيام به عندما كان المشروع في مهده.

تنازل لا تعنت

وما تعول عليه إثيوبيا أن كل الأوراق بيدها، فالسد أصبح حقيقة واقعة وتطمح بتشغيله العام المقبل. وقبل عشرة أيام من بدء ملء الخزان فالضغوط على الأطراف الثلاثة لحل تتزايد. وفي هذا السياق لا بد من البحث عن تنازلات والنظر أبعد من المصالح القومية الضيقة. وعلى إثيوبيا مثلا تطمين جارها السوداني ومصر بأنها لن تحرمهما من المياه وستسمح بتدفق ما يكفي لهما عندما تشح المياه. وبالنسبة لمصر التي تعتمد على مياه النيل في الزراعة فعليها الاعتراف أن أديس أبابا لن تتخلى عن مشروع أنفقت عليه المليارات، وفي هذه الحالة تغليب لغة التعاون على الخلاف. وفي كل هذا يجب أن تكون لغة التنازل والوضوح والتفاصيل العلمية حول أثر السد على السودان ومجرى النيل إلى مصر السائدة بدلا من لغة التهديدات التي يعرف كل طرف أنها ليست عملية ولا يستطيعون تنفيذها بسبب الظروف الجيوسياسية والداخلية والضغوط الدولية. فإثيوبيا بعيدة ولا حدود مصرية معها، وحاولت مصر الخديوية مرة شن حملة عسكرية انتهت بانتصار إثيوبيا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية