فراس قصاص لعل التعقيد الذي أصاب مسار الأحداث في سورية، و ارتفاع منسوب العنف فيها إلى حدود غير مسبوقة في الأيام الأخيرة، يظهر بوضوح الثقة المطلقة التي يخلعها النظام السوري على القمع بوصفه أداة مركزية في تعاطيه مع المجتمع السوري و معالجته لشؤونه. إصرار ذلك النظام على اللجوء إلى ضخ المزيد من جرعات العنف في مواجهة الاحتجاجات السورية السلمية و ارتفاع أعداد الضحايا الذين يسقطون جراء ذلك، يكشف أنه لم يكن في وارد فقدانه الثقة بالبطش و إرهاب الناس و قمعهم، و ذلك رغم فشل الحل القمعي في منع الاحتجاجات من الاتساع و من تغطيتها لمناطق و مدن جديدة يوما بعد يوم. فدوام تربع النظام السوري على عرش السلطة في سورية لمدة تزيد عن أربعين عاما عبر توسله الغلبة و القمع وحدهما مصدرا للشرعية التي يتمتع بها، شرعية الأمر الواقع، و إزمان الصبغة التي تعودها و اعتمدها للعلاقة بين السلطة و المجتمع في سورية، حالا دون أن يعي التقلص الحاد الذي تعرضت له شرعية الأنظمة السياسية القائمة على العنف و القمع، ليس فقط في حقل القيم والأعراف السياسية التي سادت بعد انهيار المنظومة الاشتراكية و إنما في قدرة هذه الأنظمة تاليا على الاستمرار في الواقع الموضوعي الذي ضعفت فيه فعالية وسائل العنف و القهر أسلوبا لتكريس السلطة و الهيمنة، سيما و قد تغيرت الإحداثيات العلائقية و التواصلية و الرغائبية للإنسان في كل المجتمعات الإنسانية بسبب التقدم التقني الذي حول العالم إلى قرية صغيرة و منح المعلومة قدرة سحرية تعبر فيها كل الحدود في لحظات ولادتها الأولى. كل ذلك سلب العنف في هذا النوع من الاستخدام جدواه التي كانت إلى حد قريب شبه مطلقة، هذا إن لم يجعل له آثارا ترتد على من يلجأ إليه وبالا و ارتكاسا. لهذا تميل هذه الأسطر إلى القول بأن التطورات الأخيرة التي تمثلت باقتحام الجيش الخاضع للنظام السوري و معه أجهزة الأمن و الجماعات المسلحة التي يطلق عليها اسم )الشبيحة( لمدينتي حماه و دير الزور و لريف ادلب و منطقة الحولة و معرة النعمان و اللاذقية، إنما أدخلت الانتفاضة السلمية في سورية مرحلة جديدة، مرحلة متقدمة على المسار الواثق و الهادف إلى إسقاط الاستبداد و القضاء نهائيا على تسيده للحال السوري. لقد أسهم قتل النظام السوري للمئات و جرحه و اعتقاله للآلاف أثناء عملياته تلك و خلال أيام قليلة في إثارة ردود أفعال عربية و إقليمية و دولية غاضبة و منددة، دفعت مجلس الأمن بعد امتناع صمد عدة أشهر، بسبب من الموقف الروسي و الصيني، إلى تبني قرار يدين فيه النظام السوري و يدعوه إلى الكف عن اللجوء إلى العنف ضد المتظاهرين في سورية. الموقف العربي بدءا من الجامعة العربية التي طال صمتها و صولا إلى دول مجلس التعاون الخليجي بدأ في التغير إن لم يكن في الانعطاف، و الأهم من ذلك كله هو الغضب الشعبي السوري الذي بات قريبا من الانفجار في المدن الرئيسية التي لم تشهد كثافة في حركة الاحتجاجات، و الذي إن حصل و تدل كل المؤشرات أنه قريب الحصول سيزيد من إحكام الخناق على النظام في سورية و يجعله في مواجهة الانهيار الحتمي و التفكك.
و كأن النظام السوري يسلم نفسه ضحية جديدة لمكر التاريخ. مكر التاريخ مقولة هيغلية تعتبر احد آليات الوصول الحتمي للتاريخ إلى نهايته وفقا لهيغل الفيلسوف المثالي الألماني الأشهر، يتوافق حصولها حينما يرى بعض الفاعلين السائدين في واقع ما أن الحفاظ على هذا الواقع و تعطيل حركة التاريخ يتطلب معالجة على نحو محدد، لكن الذي يحصل عند تطبيق هذه المعالجة هو سير في الاتجاه المعاكس لما أريد لها، أي أنها تفيد بدلا من المحافظة على الواقع التسريع في تجاوزه وصولا إلى نهاية التاريخ، والتي تتمثل بحسب هيغل في الدولة الليبرالية الديمقراطية.
فما يحدث في هذه الحالة أن التاريخ (المطلق) يضلل ( بمكره الذي يخفي حتميته ) من يريد أن يعيق حركته، ليستخدمه أداة تسرع من تحقيقه إرادته في الوصول إلى نهايته. ما يقدم النظام السوري عليه منذ بداية الاحتجاجات السورية ثم على وجه الخصوص في الأيام الأخيرة يجد تجسيدا و تمثيلا له في المقولة السابقة. فما الذي أفاد النظام السوري لجوءه إلى القمع منذ بداية الانتفاضة الشعبية في سورية؟ و ما الذي أدى إليه رفعه لوتيرة قمعه وبالتالي زيادة الضحايا من الأبرياء المدنيين جراء ذلك؟ ، ما الذي أضافه إصرار النظام على المعالجة الأمنية العنفية إلى وضعه الحالي سوى تسجيله للمزيد من الغضب و النقمة الشعبية السورية ضده، و الدفع بنفسه أكثر فأكثر ليكون تحت ضغط عربي و إقليمي و دولي يبدأ عزلة و لا يعرف كيف ينتهي و إلى أين يؤول. هل يعني ذلك إلا استعجالا من النظام على مصيره المأساوي، و ذهابه ضحية لمكر التاريخ الذي تحركت إرادته في سورية و المنطقة. ‘ كاتب و ناشط سوري برلين