دمشق ـ د ب أ ـ اكتسى وسط العاصمة السورية دمشق المعروف بالمدينة القديمة بأعلام سوداء وخضراء، وعليها عبارات الذكر والتمجيد لـ “آل البيت”، تمهيدا لإحياء الطائفة الشيعية لذكرى يوم “عاشوراء”، الذي قتل فيه الحسين بن علي، حيث يصادف غدا الاثنين، العاشر من شهر محرم في التقويم الهجري.
ولم تكن الطائفة الشيعية( شيعة و علويين )أغلبية أو ذات حضور واسع ما قبل بدء الصراع في سورية، اذ ان الإحصاءات المتداولة تشير الى انهم لا يشكلون اكثر من 13 بالمئة من نسبة السكان البالغ تعدادهم حوالي 25 مليون نسمة ، و من المعروف ان أغلبية الطائفة الشيعية انحازت ، خلال الصراع ، إلى جانب قوات الرئيس في سورية بشار الأسد، الذي ينحدر من الطائفة العلوية، التي تعد إحدى ملل الشيعة، ضد الأغلبية السنية المطالبة بسقوطه ، كما هو معلن.
و كانت الاحتفالات الشيعية اقتصرت في الفترة ما قبل الصراع ، على طقوس تمارس في أماكن خاصة بهم دون ضجة، و كان ظهورها للعلن خجولا ، الأمر الذي اختلف حاليا بشكل كبير، بدءا من التحصين والتشديد الأمني، مرورا باللافتات والأعلام و الموسيقى و الأغاني الدينية الصاخبة في العديد من الأماكن ، وانتهاء بحيثيات الاحتفالات أو ” اللطميات ” وهي نوع من أنواع الأناشيد الدينية التي تمجد آل البيت المقربين من النبي محمد وخاصة ابن عمه الامام علي وسلالته، وكل ذلك بموافقة السلطات.
وسمحت السلطات لشبان من الطائفة الشيعية الساكنين في مناطق مثل الشاغور وشارع الأمين وحي الجورة و قرب الثانوية المحسنية في دمشق القديمة وغيرها التي يتواجد فيها الشيعة بحمل سلاح والتطوع في مجموعات تحسب على السلطات ، للقتال الى جانبها وإقامة حواجز وتفتيش المارة .
و يقول احد وجهاء هذه الأحياء الدمشقية و مخاتيرها إن ” هذه المناطق لا يسكنها الشيعة فقط، لكنها تحولت إلى معاقلهم ، إن الشيعة أخذوا على عاتقهم الوضع الأمني في المنطقة، فباتوا يدققون في كل من يدخل ويخرج، وفي أية حمولة أو سيارة أيضا، وفي كثير من الأحيان يمنعون الناس من الدخول ما لم يكونوا سكان في تلك المناطق و كأنهم يقومون بمحميات”.
وأضاف أن “هذا الأمر ازداد مع اقتراب ذكرى عاشوراء خوفا من وقوع تفجير أو دس عبوة ناسفة كما حصل منذ أيام في منطقة البزورية التجارية القريبة الى الأحياء التي يسكنون فيها ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى ، وبات واضحا ان لديهم شعورا بالاستهداف من المجموعات السني?ة المعارضة ، ما زاد من حساسيتهم الطائفية”.
و يشير شخص اخر من سكان الأحياء قدم نفسه باسم أبو سعيد لوكالة الانباء الالمانية (د. ب.أ) إلى “أنهم ينشرون كتاباتهم وأعلامهم في كل مكان، ويشغلون أناشيد لطمية بصوت عال، دون وازع أو رادع، كما لا يجرؤ أحد على الاعتراض أو حتى التذمر ” .
ويقول أبو سعيد إن “امتلاك المنطقة يبرره الشيعة بكثرة قتلاهم الذين سقطوا في المعارك إلى جانب قوات النظام، فحيثما تجولت في هذه المناطق، تجد صورا وعشرات النعوات المعلقة على جدرانها لشباب عسكريين أو متطوعين قتلوا على الجبهات الساخنة خارج المدينة في الصراع الدائر و كانت اعلنت السلطات بعد اشهر من انطلاقته قبل نحو أربع سنوات الخيار الأمني والعسكري ضد المتظاهرين آنذاك “.
ولإحياء ذكرى عاشوراء فقد علق الشيعة العديد من اللافتات في شوارع المنطقة، إحداها تقول “كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء”، كما أقاموا مجالس عزاء، ومسيرات “حسينية”، وسط تجمهر المئات من النساء والرجال والأطفال.
وأوضح أحد الذين حضروا تجمعا بمناسبة الإحياء، أن “الحضور إلى هذه المسيرة الحسينية هو تحديا واضحا للإرهاب في بلدنا، وكلنا فداء أبو عبد الله الحسين”، مضيفا أن المسيرة خرجت من “حي الإمام جعفر الصادق” في دمشق، فيما أشار آخر إلى أن “موكب عاشورائي” آخر أقيم في “حي الإمام زين العابدين”.
ويلاحظ أن تسميات جديدة أطلقها الشيعة على أحيائهم في محاولة منهم إلى إضفاء الصبغة الطائفية عليها، ووسمها بالطائفة الشيعية، على الرغم من كون دمشق تاريخيا عاصمة الخلافة الأموية على ما يرى احد المراقبين المحليين.
و يرى العديد من سكان دمشق أن “العديد من المشاركين بمجالس العزاء التي أقيمت، ومنها في شارع الأمين، بدمشق القديمة كانوا من جنسيات غير سورية، في مقدمتها الإيرانية و العراقية واللبنانية ” في إشارة منه إلى قوام العناصر التي تقاتل إلى جانب قوات النظام الحاكم في دمشق .
و يستدل الاهالي على الوافدين الجدد من ” الوجوه و اللهجات و الشكل الخارجي فضلا عن ان الوافدين غالبا يكونون مسلحين و متأهبين و يتلفتون حولهم باستمرار و هي علامات لا تظهر على سكان أبناء المنطقة الذين يعرفون مناطقهم و لا يبادرون بالسؤال للمارة كي يستدلون على اي شيء يحتاجونه “.
و يمكن التجول في تلك المناطق ، وفق ما تسمح به الإجراءات الأمنية إلا أن لهجة المشاركين في مراسم احتفالات عاشوراء لم تكن دمشقية أو سورية ، الامر الذي يثير امتعاض السكان و تحول مناطق بالعاصمة إلى لون واحد لم يكن يعتاد عليه أبناء المدينة المتنوعة من قبل .
و تشير المعلومات الميدانية الى “ازدياد في المد الشيعي في العاصمة السورية مع توافد مقاتلين شيعة من جنسيات غير سورية، إضافة إلى إظهار السوريين من الطائفة الشيعية تعصبهم لملتهم، معيدين ذلك إلى أن المعركة حاليا هي بين السن?ة و الشيعة ، وليس للمطالبة بالحرية والديمقراطية او تغيير نظام الحكم المستمر من نحو نصف قرن .
ولم يعد السنة في سورية يخفون رغبتهم في الوصول الى السلطة و حكم البلاد باعتبارهم أكثرية لم تنال حقها في المشاركة في السلطة بفعل عدم وجود تداول للحكم في سورية منذ زمن طويل .