ليس من شك في أن البشرية جمعاء، بعد أن استأسدت جائحة كورونا في العالم بأسره، تعيش اليوم محنة كبيرة، خصوصا إذا ما علمنا أن السواد الأعظم من البشر زج بنفسه في قاعة الانتظار، انتظار الذي يأتي ولا يأتي، وحتى إن جاء الخلاص، فإن الجميع على يقين بأن هذا الخلاص سيكلفهم كثيرا، أو على الأقل هكذا يتصورون الأمور.
قلقُ البشرية الآن، والكتّاب منهم، ليس آتيا من خطورة الوباء فقط، وإنما أيضا من السيناريوهات المحتملة التي تروج هنا وهناك، والتي تقوم على فكرة المؤامرة، أي أن الأمر مدبر بطريقة محكمة ومخطط لها. قلقٌ آت أيضا من بعض الأحداث التي جرت في ظل هذه الجائحة، كتخلص بعض الأنظمة الرأسمالية (النيو ليبرالية المتوحشة) من مسنيها بطريقة بشعة، وكذلك هو قلق وخوف ناجم عما قام به رئيس الوزراء البريطاني حينما حاول تحضير مواطنيه نفسيا، بشكل مسبق لتوديع الأحباء.
مصدر القلق إذن مقبل من هذه الفظاعة، وليس أمام الكتّاب والمفكرين والأدباء والمثقفين، إلا مقاومة هذه البشاعة بالمعرفة والخيال والإبداع. لذلك فإن الكتابة، في ظل هذه الجائحة، لها طقوس خاصة وانتظارات مختلفة، ربما تختلف من كاتب لآخر، لكنها لا تخرج، في عمومها، عن سياق الأدب في ظل الأوبئة والجائحات التي أصابت الإنسان تاريخيا.
شخصيا تغيرت مجموعة من الأمور في حياتي، منذ دخولنا في أول يوم من الحجر الصحي، خصوصا الجوانب المتعلقة بعلاقتي مع الكتابة. ففي الواقع أنا رجلُ مقاهٍ وعاداتٍ أمارسها خارج البيت. حتى القراءة والكتابة ظلتا، في حياتي، مرتبطتين بهذا السلوك اليومي، تواصلا وتساوقا إلاّ في ما ندر. عادة ما كان المقهى محفزا حقيقيا لمجموعة من مشاريعي الأدبية، إبداعا ونقدا، أيضا المقاهي بصخبها وإيقاعها المغموس في عرق الحياة البسيطة، عادة ما كانت تشكل لي مبررا لأفلسف هذا الصخب الشعبي، من خلال فتح كتاب أحمله في يدي، حتى أعطي معنىً وجوديا لهذه اللحظة.. اللحظة التي سترافقني طبعا إلى المنزل. هذا يعني أن المنزل كان يشكل لي فضاء لاستئناف عمليتي القراءة والكتابة. ربما هذا ما ورثناه كحفدة للوجودية عن سارتر وألبير كامو وغيرهما من الوجوديين.
أما وقد تغير الوضع في هذه الظروف الخاصة والمتمثلة في الحجر الصحي، الذي نعيشه جميعا، والذي جعل الأشياء التافهة في العلاقات الاجتماعية تطفو على السطح، فإن جميع سلوكيات وطقوس الإنسان ستتأثر، وستخضع للتغيير، أو التعديل بالفعل والقوة.
وباعتباري أستاذا في التعليم الثانوي التأهيلي، فانا ملزم في كل يوم أن أخصص فترة زمنية لعملي، حيث قمت بإنشاء أقسام افتراضية على الواتساب للتدريس عن بعد، وعادة ما تكون هذه الحصة بين العاشرة صباحا والثانية بعد الزوال.
أما في ما يخص الكتابة وانشغالاتي الأدبية، فأتركها لما بعد العاشرة ليلا، مستغلا نوم أطفالي، علما أن الكتابة في العادة تدخل محرابها في الليل. فالليل هو مفتاح الكشف.. كشف المنسي، اللامفكر فيه، الهامش/المهمش.. بالدم واللغة والذات لمقاومة الموت والغياب، كما يقول المفكر إدمون جابيس. أليس الكاتب، بهذا المعنى، كائنا مختلفا في ماهيته، وفي طقوسه، وفي اختياراته عن الآخر؟ فالكاتب، بطبعه، يسعى جاهدا إلى تأسيس علاقة مختلفة تماما عما هو سائد مع الموضوع، والذات، والآخر… بأنْ يجعل مثلا من شكله أيقونة تعكس رؤيته للوجود والأشياء، التي تجري من حوله، وأن يرتب بذلك لنفسه مسافة ما، بينه وبين الآخر.
أما ونحن نمرّ من هذه الظروف الصعبة (الحجر الصحي)، فلا أحد يمكنه أن يجادل في أن جل الكتاب يحسون الآن بأن هذا العالم يهوي بنا إلى حيث لا نعلم، وأن الجهل يأخذنا إلى الجهل كأعمى يقود بصيرا. الجهل هنا بوصفه نتيجة لا مقدمة للمعرفة. هو إذن انشغال يبدو صعبا، في وقت الرهاب والفوبيا من كل شيء، إلا أنني أجدني، في كل ليلة، أستلذ به، في عزلٍ صحيٍ، ينبغي له أن لا يسحبنا إلى العزل المعرفي. وهو فرصة بالنسبة لي لإكمال بعض المشاريع القرائية والكتابية العالقة، وكذا فتح مشاريع أخرى، فضلا عن أنني أستغل هذه المناسبة لتدبُّر معنى أن تكون كاتبا/إنسانا بعد زمن كورونا.
متعة تتكرر في كل ليلة، بقليل من الخوف وكثير من القلق، وأنا أفتح، بها ولها، عواصم الشك في أناي..
× شاعر وكاتب مغربي