نيويورك تايمز: لماذا فشلت الأجهزة الأمريكية والسعودية في كشف الشمراني قبل هجومه الإرهابي؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن –”القدس العربي”: أشارت صحيفة “نيويورك تايمز” إلى الثغرات التي أدت إلى الهجوم الإرهابي الذي نفذه سعودي في قاعدة عسكرية أمريكية نهاية العام الماضي. وقالت في تقرير أعده كل من مايكل لافورجيا وإريك شميدت إن المسلح الذي قتل 3 من زملائه في فلوريدا لم يكن مرتبطا بتنظيم القاعدة ولم يستلهم عمليته من الإنترنت فقط بل كان يمثل نوعا من الإرهاب الذي من الصعب اكتشافه بشكل يعطي صورة عن إرهابي غير متفرغ.
وأشار الكاتبان إلى تصريحات الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض حيث تعهد أمام كاميرات الإعلام باتخاذ نهج يبعد “الإرهاب الإسلامي الراديكالي” عن الولايات المتحدة.
وأكد ترامب أن المواطنين الأمريكيين سيفرحون بالنتيجة، حيث أشار إلى الأوامر التي اتخذها وضرورة القيام بعملية تدقيق شديدة وصارمة في منح التأشيرات. إلا أن التدقيق الصارم لم يوقف الملازم أول محمد الشمراني من فتح النار في قاعدة بينساكولا بفلوريدا حيث قتل 3 متدربي طيار وجرح8 آخرين قبل أن يطلق نواب الشريف النار عليه ويردونه قتيلا. وكان الحادث واحدا من سلسلة هجمات داخل القواعد الأمريكية التي دفعت المسؤولين الأمريكيين للاعتراف بوجود خلل في طريقة النظر والتدقيق وتعهدوا القيام بإصلاحات. ولكن تحقيق “نيويورك تايمز” كشف عن الخلل والفشل في عملية اختيار والتدقيق في ملفات الطلاب العسكريين الدوليين ومراقبتهم، حتى بعد تطوير نظام تدقيق متقدم بعد هجمات أيلول/سبتمبر 2001. ويكشف التحقيق أن فشلا في عملية التدقيق الأمني الأمريكي والسعودي حدث في كل خطوة قبل أن يصل الشمراني إلى أمريكا وينفذ عمليته. وشمل تحقيق الصحيفة على مراجعة للوثائق ومقابلات مع مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين وأقارب وأصدقاء الشمراني. وتقول الصحيفة إن المخابرات السعودية فشلت في اكتشاف المظاهر الأولية للتطرف لدى محمد الشمراني وحياته على الإنترنت والتي ربما منعت اختياره وحرمته من التقديم لبرنامج التدريب العسكري في أمريكا. وفشلت نظام التدقيق الأمني الأمريكي والذي تديره وزارة الخارجية والبنتاغون بما لديهما من فرصة للاطلاع على ملفات الاستخبارات في الكشف عن ميول الشمراني المتطرفة، بما فيها نشاطاته المثيرة للقلق على منصات التواصل الاجتماعي المرتبطة بالأيديولوجياالمتطرفة.
كما ولم تتم متابعة الشمراني حال وصوله إلى أمريكا بناء على برنامج التهديد الداخلي الذي تم تطويره بعد الهجوم في قاعدة فورت هود بتكساس عام 2009 وقاعدة نيفي يارد بواشنطن عام 2013. والسبب هو أنه لم يتم توسيع البرنامج ليشمل الطلاب الأجانب. وكان الشمراني على اتصال مع القاعدة قبل عامين من وصوله إلى الولايات المتحدة وظل كذلك حتى ليلة تنفيذ العملية. وقال مارتن ريردون، الضابط المتقاعد من مكتب التحقيقات الفدرالية (أف بي آي) “لقد حدث الخطأ” وقال الضابط الذي عمل في مجال مكافحة الإرهاب وكلف بالعمل في السفارة السعودية بواشنطن إن هناك حاجة لتخصيص موارد أكبر والتدقيق في المتدربين الأجانب “وهو أمر أعتقد أن على وزارة الدفاع وغيرها من فروع وكالات الحكومة عمله”. وتشير الصحيفة إلى أن السبب الرئيسي وراء عدم اكتشاف ميول الشمراني المتطرفة هو أنه يمثل نوعا جديدا من الإرهابيين. فهو لم يطلب منه القيام بمهمة وتنفيذها من البداية حتى النهاية ولا استلهم أو تأثر بأفكار ونشاطات الجهاديين الدعائية على الإنترنت. فهو يشبه المتعهد الشخصي الذي وجه نفسه بنفسه وساعده بقوة فرع تنظيم القاعدة في اليمن. ويعلق كولين بي كلارك من مركز صوفان في نيويورك “ربما تحول المتعهد الشخصي الذي يعتمد على نفسه النهج الأكثر شعبية لأنه يسمح بمرونة تكتيكية من جانب المهاجم ويعطيه مساحة واسعة للنجاح”. وفي شهادات من أفراد عائلة الشمراني قالوا فيها إن حمله كان تعلم الطيران. وولد في قرية زراعية صغيرة ونشأ قرب الإحساء ليس بعيدا عن شركة النفط السعودية الضخمة (أرامكو) بالمنطقة الشرقية. وانتقل والده إلى المنطقة للعمل في مطار محلي وترفع ليصبح مسؤول أمن. وأبدى الشمراني في صغره جدية أكثر من نظرائه. وكانت عائلته متدينة لكنها ليست متشددة كما يقول المحقق المتقاعد قلاط بن مدشوش والذي يعيش بجنوب السعودية ويعرف العائلة. وفي تقرير داخلي للحكومة السعودية أعدته بعد فترة قصيرة من العملية فقد بدأ الشمراني نشاطاته على تويتر عام 2014 ولم يكن يتجاوز الرابعة عشرة. وركز في تلك الفترة على الشعر والقرآن. وبعد ثلاثة أعوام بدأ بمتابعة رموز دينية سعودية مثل عبد العزيز الطريفي وإبراهيم السكران المعتقلان منذ 2016 بالاضافة لرموز دينية أردنية و كويتية. وأصبحت أفكار الشمراني متشددة حسب التقرير السعودي. وفي عام 2015 حصل أول اتصال بين الشمراني وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وهو الفرع اليمني الذي درب وأعد ما عرف بـ “مفجر السروال” عمر فاروق عبد الله. ولا يعرف كيف اتصل الشمراني بها ومن اتصل به. ولم يتعرف المحققون الأمريكيون على اتصالات الشمراني بالقاعدة إلا بعد أشهر من العملية وبعدما مرر محققو أف بي أي المعلومات الواردة على واحد من هاتفي “أيفون” للمنفذ. وانتقل الشمراني لتحقيق حلمه بأن يصبح طيارا عندما قبل في سلاح الجو السعودي الذي يعتبر سلاح النخبة في الجيش. وبدأ التدريب في قاعدة الملك فيصل الجوية في الرياض. ويقول شقيقه عبد الله الشمراني “كان يحلم منذ طفولته بأن يصبح طيارا وعمل بجهد كبير” لكي يحقق الحلم. ولو تم اكتشاف نشاط الشمراني على الإنترنت لحرم من فرصة التدريب كطيار، ولكنه دخل الكلية وتفوق وأصبح عام 2017 واحد من طالبين تم اختيارهما من دفعته مع عدد المئات الذين رشحوا ليحققوا حلمهم الكبير وهو التدريب في الولايات المتحدة. ويقول شقيقه عبد الله “كان معجبا بالقوة الأمريكية ومغرما بالجيش”. وعادة ما يقوم قادة الفرق بترشيح المتدربين لبرامج التدريب حيث يرسلون الترشيحات لوزارة الدفاع. و كـ”مرشح محتمل” كان من المفترض أن يتم فحص ودراسة ملف الشمراني وتقييمه من قبل المخابرات السعودية قبل تنسيب اسمه. ولم يكن للسلطات السعودية منفذ لهاتف الشمراني كما أف بي أي، وكان عليهم في هذه المرحلة معرفة بحساب الملازم الشمراني على تويتر وأنه كان يتابع الرموز الدينية السعودية ممن ينظر إليهم كمتطرفين. وقال كلارك في مقال نشره موقع “ويست بوينت لمكافحة الإرهاب” “ظهر في حسابه اسمه الأول والأخير بالعربية وارتبط بعدد من المنشورات التي كشفت عن كون الحساب مرتبط بالشمراني ويديره”.
ويرى بروس ريدل، المحلل السابق في سي آي إيه والزميل في معهد بروكينغز إن “حقيقة عدم اكتشاف السعوديين لهذه الثغرة في عملية الفحص الأمني وتداعياتها أبعد من هجوم واحد نفذه ضابط سعودي في الولايات المتحدة”. وأضاف “كل التدقيق الأمني في العالم لن يكون له أثر لو كانت الوزراة السعودية المسؤولة عن الأمن نائمة” وأضاف “القاعدة اخترقت الجيش السعودي ووزارة الداخلية ولم تكن واعية بهذا”. ولم تعلق السفارة الأمريكية في واشنطن على التقرير رغم مطالب الصحيفة المتكررة. وبعدما مررت السعودية ملف الشمراني نقل في صيف 2017 إلى القسم القنصلي في السفارة الأمريكية بالرياض لإتمام إجراءات التأشيرة. وتم فحص معلومات الملازم في القسم الخاص بوزارة الأمن الوطني المتخصصة في عملية التدقيق والتي تعمل في السعودية منذ هجمات 9/11. وقام مسؤول في القنصلية باستخدام جواز سفره وصورته للقيام بفحصها بناء على قاعدة البيانات بما في ذلك التعرف على الوجه وبناء على خزان المعلومات الضخم المتوفر لدى الحكومة الأمريكية فيما يتعلق بهويات الإرهابيين. وفي العادة ما يؤدي البحث إلى معلومات تمنع المرشح من الحصول على تأشيرة سفر. ولكن مسؤولي السفارة الذين لا يسمح لهم بطرح أسئلة أو البحث عن معلومات أعمق حول المرشحين فشلوا في فحص نشاطات الشمراني على منصات التواصل الاجتماعي. والمشكلة هي أنه كان يقدم طلب تأشيرة دبلوماسية عبر برنامج تدريب خاص كجزء من عقود أسلحة تقدر بمليارات الدولارات. فقد اشترت السعودية أسلحة وبرامج تدريب بقيمة 45 مليار دولار.

رغم البرقيات التي أرسلتها الخارجية بناء على أوامر ترامب إلى السفارات الأمريكية حول العالم بمضاعفة الفحص إلا أن الأوامر تطبق على تأشيرات الهجرة للدبلوماسيين.

ورغم البرقيات التي أرسلتها الخارجية بناء على أوامر ترامب إلى السفارات الأمريكية حول العالم بمضاعفة الفحص إلا أن الأوامر تطبق على تأشيرات الهجرة للدبلوماسيين. وحصل الشمراني على تأشيرة دبلوماسية (إي) تسمح له بالتحرك ما بين السعودية والولايات المتحدة. ولم يعثر مسؤولو البنتاغون الذين تلقوا طلبه قبل أسبوعين من بداية التدريب ما يثير الشك. ووصل الشمراني في 17 آب/أغسطس 2017 إلى قاعدة لاكالاند الجوية في سان أنطونيو- تكساس.
وبعد شهرين أرسل المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان تقريرا حذر فيه من المخاطر الأمنية الناجمة عن المتدربين الأجانب. لكن شيئا لم يحدث. وعند هذه النقطة حقق الشمراني لنفسه موقعا مهما لم يحلم به أي جهادي. ولم يكن برنامج الفحص المشدد الذي بدأت به البنتاغون بعد هجوم فورت وود ونيفي يارد ينطبق على الطلاب العسكريين الأجانب وعددهم 5.000 مرشح منهم 850 سعوديا.
وأثناء إقامته في الولايات المتحدة استخدم الشمراني هواتف نقالة مربوطة بالشبكات الأمريكية لكي يظل على تواصل مع تنظيم القاعدة باليمن مما يطرح أسئلة حول الرقابة الأمنية على شبكات الهواتف النقالة. وكانت تأشيرته الدبلوماسية تسمح له بالتحرك بدون مشاكل. وعاد إلى السعودية أثناء العطلة ثم عاد إلى الولايات المتحدة في شباط/فبراير 2019 لمتابعة دراسته في قاعدة بينساكولا. وفي تموز/يوليو حصل الشمراني على رخصة صيد والتي استخدمها لشراء مسدس غلوك. وفي 11 أيلول/سبتمبر 2019 نشر رسالة مشفرة على وسائل التواصل قال فيها “بدأ العد التنازلي”. وفي نفس الشهر كتب وصيته مستخدما تطبيق نوتس وأرسلها إلى قادة القاعدة. وفي عيد الشكر زار النصب التذكاري لـ 9/11 في نيويورك.
وظل منشغلا فيما تبقى لديه من وقت باستكمال خطته. واختار بناية 633 من القاعدة لكي تكون المسرح وهي البناية التي مرت منها أجيال من الطيارين. وقال كريستوفر أي وري، مدير أف بي أي “واصل اتصالاته مع تنظيم القاعدة حتى النهاية وفي نفس الليلة التي قام بها بإطلاق النار”. وفي نفس الليلة عرض فيلم قتل جماعي مع مجموعة من السعوديين وصباح 6 كانون الأول/ديسمبر واصل نشاطه على منصات التواصل وكتب أن الولايات المتحدة هي “أمة شر”، وحمل مسدسه وذهب إلى بناية التدريب وبدأ يطلق النار حيث استمر الهجوم 15 دقيقة. وقتل فيه جوشوا كاليب واتسون، 23 عاما وقتل المتدرب الجوي كاميرون سكوت وولترز والمتدرب محمد سامح هيثم.
وبعد أيام من العملية علق وزير الدفاع مارك إسبر البرامج التدريبية لـ 852 عسكريا سعوديا في الولايات المتحدة وحددها بمحاضرات في الفصول وأمر بمراجعة للطلاب الأجانب في القواعد العسكرية. وكان تعليق التدريب لمئات السعوديين بمثابة توبيخ خاصة أن دونالد ترامب حاول الدفاع عن الحكومة السعودية وتحميلها المسؤولية في عدد من القضايا. وحتى قبل الهجوم كان الكونغرس يقوم بجهود لتعليق صفقات السلاح إلى السعودية بسبب حرب اليمن ومقتل الصحافي جمال خاشقجي. وأعلن وزير العدل ويليام بار في كانون الثاني/يناير أن الشمراني تصرف لوحده. وتم ترحيل 21 من المتدربين السعوديين بعد ظهور أدلة عن علاقتهم بمنظمات متطرفة. ثم أعلن إسبر بعد أسابيع عن عمليات تدقيق للطلاب الأجانب في الأكاديميات العسكرية الأمريكية. وبناء على القواعد الجديدة فسيتم إرسال أسماء المرشحين قبل وصولهم إلى الولايات المتحدة حتى يكون لديها الوقت الكافي للنظر في ملفاتهم. وأمرت البنتاغون بمراقبة إضافية للسعوديين في الولايات المتحدة وكلفت عسكريا بمهمة عقيد القيام بالمهمة. وتم وضع قيود على طرق حصول الطلاب الأجانب على الأسلحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية