تعويضات أهالي رفح المصرية… بدل تشريد

ساسة مصر العسكر، لا يعرفون المنطق، ويعتقدون أن الناس سيصدّقون افتراءاتهم التي لا تنتهي. لا أحد ينكر أن هناك انفاقا بين شطري رفح الفلسطينية والمصرية. المعروف أيضا أن عشرات، إن لم يكن المئات من هذه الانفاق قد دمّرت من قبل الحكومات المصرية المتعاقبة، أيام مبارك، ثم أيام مرسي، المتعاطف مع «حماس»، وأيام السيسي أيضا. أهل غزة كانوا بحاجة الى السلاح والغذاء والدواء لمجابهة الاحتلال، والحاجة أم الاختراع، فكان لا بد لهم من التفكير بطرق لكسر حصارهم، فكانت الانفاق لتمكنهم من استمرار الحياة والمقاومة والصمود في شعب بني هاشم، فلو فتحت مصر معبر رفح لاهل غزة لما وجدت الانفاق. اما ان تعتقد الادارة المصرية أن أهل غزة امتلكوا قدرات خارقة كسوبرمان، فصنعوا أسلحة تزيد عن حاجاتهم الدفاعية بكثير تمكنهم من تصديرها وتهريبها الى جماعات تكفيرية مسلحة في سيناء، فهذا أمر لا يتقبله عاقل، عدا ان المعروف عن «حماس» انها لم تتدخل قط ضد أي نظام عربي ـ رغم ايذاء العديد لها ومؤامراتهم عليها منذ انطلاقتها منذ أكثر من عقدين ونصف العقد. يقول الاعلام المصري ان حماس تدعم الاخوان في مصر لانهم يمتلكون الفكر العقائدي نفسه، لكن النظام المصري لم يثبت حتى الان ان اي من العمليات الارهابية في مصر قام بها أي عنصر منتم للاخوان.
الادارة العسكرية المصرية فشلت في التوصل الى من هم وراء هذه العمليات الارهابية الاخيرة في سيناء، أو حتى العمليات السابقة. هذا الفشل العسكري والاستخباراتي قلّل من هيبة الدولة المصرية، فخرجت علينا في ردة فعل غريبة جدا، ليس انتقاما من غزة فقط، بل أيضا من المصريين في رفح. أمهل الجيش المصري عائلات رفح مدة 48 ساعة فقط لإخلاء بيوتهم، ثم شن حملة عسكرية بجرافاته هادما البيوت لإقامة منطقة عازلة مع غزة بعرض نصف كيلومتر الى كيلومترين، وطول اربعة عشر كيلومتر. شردت مئات العائلات الى العراء. الحكومة المصرية تقول انها عوضتهم بمبالغ مجزية، بدل تشريد، ولكن أنّى لهم أن يجدوا بيوتا جاهزة للسكن في سيناء، أم سيبنون بيوتا جديدة للسكن؟ المشكلة أن بناء البيوت سيستغرق أشهرا والشتاء على الابواب. حجم الكارثة الانسانية يتمثل في ان عدد البيوت المستهدفة يزيد عن 800 بيت، وان عدد الذين سيشردون يقارب العشرة آلاف بني آدم. أن تشريد العائلات جريمة بكل المقاييس سواء كان مرتكبها قوة احتلال أو الحكومة، التي من المفترض أن تحمي شعبها وتوفر له حياة كريمة. الحكومة المصرية يفترض بها أن توفرالمأوى للمواطنين الذين لا مأوى لهم لا أن تشرد الناس من بيوتهم تحت أي مبرر. إن حق المواطن في سكن يأويه هو أبسط حقوق الانسان ولا يمكن لأحد ان يسلبه هذا الحق. الاعلاميون المصريون الموالون للعسكر الانقلابيين يؤيدون حق الدولة بإجراء كهذا، من أجل الوطن وأمنه القومي. حضرة الاعلامي عينه لو شرد من بيته بهذه الطريقة الهمجية لخرج علينا يردح على الشاشات والفضائيات قائلا: «اولادي ومراتي يتشردوا في الشوارع والبرد من اجل الامن القومي المصري، لأ بقى، أمن ايه اللي أنت جاي تقول عليه».
الاجراء العسكري المصري الاخير لا يبشر بخير، هل يعني هذا انه لو حصلت عملية ارهابية ضد الجيش او الشرطة في الجيزة او المعادي او شبرا مثلا، فإنها ستقوم بهدم بيوت احد الاحياء، إن شكّت ان الارهابي خرج من هناك. العقاب الجماعي مرفوض، إنها العقلية المتخلفة مثل أيام المدرسة زمان، اذ يقوم تلميذ او مجموعة صغيرة بشغب في الصف فيقوم المعلم او المدير بعقاب الصف كله بالفلقة أو الجلد على المؤخرة.
أهالي رفح واهالي محافظتي سيناء الشمالية والجنوبية، بحاجة الى جهود الدولة المصرية للتنمية وايجاد فرص عمل حقيقية تؤدي الى حياة كريمة. منذ عادت سيناء الى السيادة المصرية بعد اتفاق كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الاسرائيلية لم يعمر في سيناء سوى الملاهي والحانات والمراقص والكباريهات المنتشرة في شرم الشيخ وطابا وغيرها من مدن سيناء. هل كان هذا أحد البنود السرية للمعاهدة التي لم يكشف عنها حتى الان؟ المعروف ان مجتمع سيناء هو بطبعه بدوي ومتدين ومحافظ جدا، فهل تتوقع الادارة المصرية ان يعمل ابناء سيناء البدو كنادل أو بودي غارد للراقصات أو من يلم النقطة من تحت اقدامهن او المتناثرة من على صدورهن. أين التنمية الزراعية في الساحل او حتى زراعة الصحراء، وأين السياحة التاريخية، والصناعات الخفيفة، أين التعليم العالي والمراكز الثقافية والأندية الرياضية، حدائق حيوانات، وأماكن ترفيه عائلية كمتنزهات… و… و.
اجراءات العسكر ضد أهالي رفح ليست اهانة وأذلالا لهم فقط، بل لكل المصريين. تنبيه للعسكر: إحذروا.. المصريون لا يقبلون الذل، فقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا فالظلم مرتعه وخيم.

٭ كاتب فلسطيني

د. خليل قطاطو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية