توجه اردني محموم للحفاظ علي مصالحه الحيوية المعطلة في العراق
ارتباك في التعامل مع الفرقاء العراقيين.. مجاملات كثيرة ونتائج سياسية واقتصادية ضحلةتوجه اردني محموم للحفاظ علي مصالحه الحيوية المعطلة في العراقعمان ـ القدس العربي من بسام البدارين: تعاطي عمان رسميا مع كل اطراف المعادلة العراقية يجعلها قريبة اكثر من المعطيات التي تحصل علي الارض ويرسمها علي هيئة عاصمة مهيأة لاستقبال كل الفرقاء والتعامل معهم علي امل ان ينتج عن ذلك لاحقا ظرف موضوعي يسمح بمسألتين، اولا الحفاظ علي المصالح الاردنية الحيوية المتعطلة في العراق نفطيا وتجاريا، وثانيا ايجاد موطئ قدم لدور سياسي او اقليمي في البؤرة العراقية المشتعلة. لكن هذا التعاطي يشوش ويربك اكثر مما ينتج ويفيد بالنسبة لمؤسسة القرار الاردنية التي وجدت نفسها الاسبوع الثاني مضطرة لعقد مقارنات ومقاربات بين الصور التي نقلها عن الواقع العراقي فرقاء المعادلة من داخل العراق الذين فتحت لهم ابواب عمان واستقبلهم القصر الملكي وحظيوا بهالة اعلامية وسياسية.وبهذا المعني قسمت عمان حوارها مع العراقيين لاربع مراحل فقد استقبلت اولا بحنان بالغ الرئيس العراقي جلال الطالباني وبعده حل عمار الحكيم ضيفا علي امل ان يخفف جماعة شقيقه عبد العزيز تحرشاتهم في عقود التجار الاردنيين وثالثا استقبلت عمان بدفء شديد زعيم التيار الصدري مقتدي الصدر الذي رفض التحدث بالسياسة مع الاردنيين واخيرا وقف في محطة عمان بعض قادة المجموعة السنية الفاعلة في العراق والمعتدلة سياسيا مثل خلف العليان وصالح المطلق وعدنان الدليمي.وقصدا يبدو ان عمان اجلت استقبالها لممثلي السنة حتي لا تتهم بالتحيز فقد سبق ان حذرت من الهلال الشيعي والنفوذ الايراني وسبق ان اكتوت بنيران التحريض الذي مارسه ضد مصالحها احمد الجلبي وسبق لها ايضا ان اكتشفت بان صديقها وحليفها الذي وضعت كل البيضات في سلته سابقا اياد علاوي لم يفعل شيئا كما اكتشفت بان المشاكل والصعوبات التي يواجهها ابراهيم الجعفري وحزب الدعوة اكبر واكثر من اي امكانية لبناء تفاهم ثنائي مع هذا الخط.وفي كل هذه الاطر سمعت عمان ابتداء من ملكها المهتم جدا عبد الله الثاني وانتهاء بأهم ساستها الكبار وحتي بقادتها الامنيين الكثير عن ما يجري داخل العراق وعن التصورات المتناقضة فسواء رغب الاردن ام لم يرغب اصبح الهم العراقي هما اردنيا عبر تهديدات ابو مصعب الزرقاوي وارساله لمجموعات من العراقيين الانتحاريين الذين عبروا الحدود مرة مع سورية ومرة مع العراق او سواء عبر الكتلة الشيعية الضخمة والديموغرافية العراقية الاضخم المتواجدة علي الارض الاردنية واستحقاقات هذا التواجد.وفي كل مرة نتجت انطباعات اردنية عن الضيوف العراقيين الكبار وفي كل مرة كانت هناك تصورات طائفية او مصلحية ضيقة او مسبقة اربكت الدبلوماسية الاردنية او ضيقت هوامش المناورة امام المملكة المضطرة بكل الاحوال للهضم والاستيعاب والاحتواء والتواصل.وعبر الحوارات الاردنية مع العراقيين البارزين كانت الانطباعات بدورها متناقضة ايضا فاول الضيوف جلال الطالباني اغرق في المجاملات وحظي باستقبالات واهتم قبل اي شيء اخر بلفت نظر الاردنيين لتقصيرهم مع الاكراد وقضيتهم وعندما كان الطالباني في عمان لم يتحدث بصفته رئيسا للعراق ولكن بصفته ممثلا للاكراد وكانت تلك مشكلة فنية عطلت نتائج الحوار مع الرجل. وعندما حضر عمار الحكيم لعمان اكثر من التفلسف والرسائل الطائفية المبطنة وتحدث ايضا بصفته ممثلا فقط لتيار الحكيم ولم يبد اي اهتمام ولو من باب المجاملة بمناقشة اي موضوع له علاقة بالمصالح الاردنية الحيوية، وفوق ذلك كان الحكيم استعلائيا في خطابه وفي مداخلاته علي حد تعبير احد السياسيين الاردنيين. كان يستعير عناصر الوقاحة المعتادة في السياسيين وهو يلمح في ثنايا الكلام للقصة المجترة بعنوان أزلام النظام العراقي السابق في الاردن واموال هؤلاء الأزلام المفترضين التي تعود ملكيتها للشعب العراقي كما قال. والحكيم من حيث الاستعلائية لم يقف عند هذه الحدود بل غمز من جانب رعاية الاردن لبنات واحفاد صدام حسين ملمحا الي ان ابنة صدام رغد حملت معها عندما خرجت الي عمان ثلاثين مليون دولار علي الاقل وبسرعة كان الجواب الاردني يشير الي ان رغد وشقياتها رنا واحفاد صدام التسعة وصلوا الاردن بمبلغ لا يتجاوز عشرة الاف دولار تمثل هدايا الجد الرئيس لاحفاده الصغار وكان في السياق ضمنيا يفهم بان ما لدي الاحفاد كان هدايا مالية هي فقط المبلغ الذي وصل لان ايدي جماعة تيار الحكيم لم تصل اليها. وفي السياق فهم ايضا بان حكام العراق الجدد هم الذين استولوا علي المال المفترض الذي تحمله ابنة صام علي حد زعم عمار الصغير اذا كانت الرواية اصلا صحيحة وعلي ضوء تغميزات وتلميزات وفصاحة الحكيم لا يمكن القول بان الاردن حقق اي نتائج ملموسة او ايجابية من استقباله لعمار الحكيم حتي باب ولافتة ال البيت التي يقدسها الشيعة. وقبل ذلك كان القصر الملكي الاردني يحتضن اعلاميين عراقيين ممثلين لكل الاطياف علي امل خلق واقع موجود يعدل مزاج الصورة بعد ان قاد تيار الحكيم والجلبي حصريا الاساءات التي حصلت بحق الاردن في العراق من طراز مهاجمة السفارة وحرق الاعلام والصور وتنظيم التظاهرات المنددة بالاردنيين قيادة وشعبا. وحتي يكتمل نصاب الصورة استقبل الاردن بنفس المستوي من الدفء والرعاية الامام الصغير وزعيم الشيعة العرب المفترض مقتدي الصدر والرجل لوحظ عليه ادبه الجم وخضوعه لفكرة آل البيت ورموزهم عندما صافح الملك عبد الله الثاني لكن عندما بدا الاستحقاق السياسي ارسل الصدر عدة رسائل تقول للحكومة الاردنية بانه لم يحضر لكي يتحدث بالسياسة فللسياسة اهلها كما قال احد مساعديه.وكل ما افاد به الصدر هو الاشارة الي ان صورة الاردن في الوسط الشيعي سلبية فعلا بسبب التحريض ولاسباب اخري مبديا استعداده لاي مبادرات يمكن ان تساندها الحوزة الصدرية لتحسين صورة العلاقة الرسمية والشعبية بين البلدين.واكتشف الاردنيون ان الصدر يتحدث كمرجع شعبي وديني وليس كزعيم سياسي وذلك يعني واحدا من احتمالين الاول انه تقصي هذه الشخصية لاغراض الزيارة فقط للاردن، والثاني انه تصرف علي سجيته وطبيعته بصفته وريثا مشكوك اصلا في قدرته الحقيقية علي الارض للتيار الصدري. والمشكلة هنا ان الصدر لن يكون مفيدا من الناحية العملية للاردن في الحالتين لكن الانطباع الاردني المتشكل افاد بان الرجل مرتبط بسقف الحوزة الاقوي في الجنوب ولا يريد ان يقطع شوطا كبيرا مع الاردن حتي لا يخسر شركاء في المعادلة الشيعية قرروا مسبقا مهاجمة الاردن في كل الحسينيات من بيروت الي دمشق الي البحرين الي العراق عندما حذر العاهل الاردني من النتائج السياسية لتشكل هلال سياسي شيعي في المنطقة يصبح محورا ويزعج بقية الاطراف.اما المجموعة السنية التي كانت اخر مجموعة يستمع لها الاردنيون فتحدثت بصراحة اكثر وتحديدا عن مشكلتين الاولي هي النفوذ الايراني الحقيقي والثانية لها علاقة بالاستهداف المنظم للسنة وهنا حصريا استمعت القيادة السياسية الاردنية لمعلومات طازجة في السياق.وفي هذا الاتجاه ابلغ الاردن بان ما يحصل علي الارض هو حرب اهلية حقيقية تستهدف السنة ومؤسساتهم ورموزهم ومشايخهم. وابلغ الاردن بان عدد الائمة والمشايخ الذين قتلوا من السنة بعد حادثة سامراء الغامضة وصل الي 3000 امام وشيخ مسجد وابلغ بان فرق الموت التي شكلتها وزارة الداخلية ويقودها فيلق بدر تختار بعناية مناطق محددة وتضرب بقسوة ووحشية لاثارة ردود فعل وتم التلميح لان قيادات السنة محتارة فعلا ما بين التهدئة وما بين التصعيد الذي تمارسه ضد الشيعة باسم الرد السني غير العراقي الجماعات التكفيرية بقيادة ابو مصعب الزرقاوي.وابلغت المجموعة السنية القيادة الاردنية بان النفوذ الايراني يتغلغل بقوة في المعادلة العراقية وبانه اصبح واقعا موضوعيا وبان الهلال الشيعي الذي سبق ان حذر منه الاردن قائم علي الارض وفي الواقع ويشكل تهديدا حقيقيا لاهل السنة وللاستقرار في العراق وتم التحدث عن مساس مباشر ومنظم ويومي بمبدأ وحدة الاراضي العراقية والاشارة الي ان التقسيم في العراق لم يعد احتمالا بل هو قائم الان وتعمل عليه جميع الاطراف خارج المعادلة السنية ويخشي من ان يتحول الي واقع موضوعي في وقت قريب جدا.وفي نفس السياق اشارت المجموعة السنية الي ان عمان لم تكن مخطئة عندما حذرت من النفوذ الايراني الذي يتحكم تقريبا بكل شيء الان وان التحذير الاردني كان يمكن ان يغير المعادلة قليلا لو وجدت عمان تغطية عربية تساندها في التحذير من هذا النفوذ وهي التغطية التي حصلت للاسف من السعوديين في وقت لاحق ومتأخر.