أريد لهذا الفقدان أن يتوقف!

مثلما تبدل الريح أشكال السحب يعمل الزمن على تغيير الوجوه إلى أن يمحوها من سماء السنين، العالم الذي لا يكف عن فعل النضج يتصارع بلا انقطاع مع الزمن الذي لا يكف عن فعل التمزيق.
باسكال كينار

كتب ماركوس أوريليوس مرةً “التغير أسلوب للطبيعة في عملها، فلتألفه مثلما تألف وجودك”. لعل القلق من الزمن يفوق قلق الموت، فالموت انقطاع، والزمن سير نحو الانقطاع. الموت فقدان للوعي والزمن وعيٌ حادٌ بالفناء. لكن الكائن المنفعل بوجوده “العرضي”. المسافر قسرياً في عربة “اسمها الزمن” التي -لا تتوقف إلا لتسليمه للموت كبضاعةٍ منتهية الصلاحية- لا يستكين، فالاستكانة تنتمي لقبول الفاجعة، لذا سيحاول بكل الطرق ترك آثاره كعلاماتٍ على الطريق.
تتعدد الأجوبة وهي تفيض بالحيوية، أو السوداوية، الإقبال النهم على الوجود، أو الإعراض الساخط عنه، وهي بمجملها طوباوية أو واقعية، سطحية أو عميقة؛ تبغي الإمساك به عبر حصانة ما لا حصانة له ـ الذاكرة- فالحاضر ينزلق جارفاً معه التفاصيل إلى أشد الأماكن إعتاماً “الماضي”، الذي يغمسها في أسيدِ النسيان، فما لا يذوب يفقد حيويته. يصرخ فولتير “اللعنة على التفاصيل، الأجيال القادمة لن ترى كل هذه الأشياء”. لقد دفع الزمن هيراقليطس “الفيلسوف البكّاء” للانتحاب، وكتب وهو يراقب جريان النهر “نحن لا نستطيع أن نستحم في مياهه مرتين”، إنه ناكث العهود، ومفرق الأحباب. وفي لوحة الساعات المنصهرة لسلفادور دالي يظهر مغزاه.
تنصحنا “الرواقية” بطريقٍ شديد الوعورة مضمون النتائج، أن نعيش بسكينة مع الحاضر، في تجاهل لما ليس في متناول اليد وزهد بما نملكه. فليجرف نهر التغير ما يريد ويأتي بما يريد “مقتراً في مشاعرك”. عند ماركوس أوريليوس “كل الأشياء تتلاشى ويلفها النسيان، هذا بالنسبة للذين تألقوا، أما البقية فما يكادون يلفظون أنفاسهم الأخيرة، حتى يختفوا عن العين والفكر، فماذا تكون الذكرى الخالدة إذن؟ يجيب: لا شيء. تدريب النفس على تقبل الشدائد وتجنب النميمة، والثرثرة. هذا كله سيجمعه هيدغر تحت عنوان “سقوط الدازاين” لكن لماذا يسقط؟ بسبب قلقه من زمنيته وعرضيته، وتبدو الثرثرة/الضغينة/ /الدسائس/ أشكالا وهمية للتشبث بالوجود، فالكائن “المتزمن” ينشغل بالتافه اليومي، يتهكم، يلجأ للنميمة، مراقبة الغير، لكن العربة تتابع انحدارها.
على الضفة المقابلة يجري احتفال “الانخراط في الحياة بكامل قواك فالحقيقة الوحيدة هي اللحظة”، في رواية لكاتب يدعى بترونيوس (66-67) نعثر على الحكمة التالية “بالنسبة لي، عشت دوماً وفي كل مكان مستمتعاً باليوم الحاضر، كما لو أنه اليوم الأخير، الذي لن يعود”. هذا زوربا يرقص ثملاً، ويستغرق في النظر إلى اتساق قدميه، وكأن رقصته لا نهائية! إنه لا يعرف سوى الحاضر، وهو ينهب السعادة نهباً رقيقاً. يرى فيلوديم أحد تلامذة أبيقور “إننا حتى في أحلامنا، لا نستطيع امتلاك الزمن، ويجب ألا نتمنى للبشر حياة مديدة، الشيء الوحيد الذي له قيمة هو اللحظة القصوى في حضورها الممتلئ” وعند سينيكا “الشيء اليقيني الوحيد هو الآن”. لكن “الحاضر” بالنسبة لدينو بوتزاتي “إلهاء” أشبه ببركة وحلٍ؛ وفي “صحراء التتار” يعين دروغو جوفاني في حصن وسط الصحراء، إن ميتافيزيقا بوتزاتي تقوم على تأمل “زمنٍ هارب” إنه يعدم المستقبل، ويُغرق بطله في الحاضر؛ فنحن حتى لو وصلنا لن نعثر على ما نبحث عنه، “وكلما استدرنا تُغلق بوابة” إنه يجد صعوبة في ضبط إيقاع الزمن الروحي (الوعي الداخلي) مع زمن العالم، فما إن نعي الحاضر حتى يفلت منا (الوعي الوحيد الثابت لديه هو وعي التبدد).
الزمن وحش “يستهلك الحياة بشراسة” والحاضر “إلهاء وكدر” إنه مثل جرادٍ نِهم “لا يترك للذكرى شجرة ولا خيط عشب”. في أول يوم له ينزل “دروغو” للقبو حيث غرفة الخياطة، وهناك يلتقي الخياط “بروسدو شيمو” الذي لا ينفك يكرر “ثمة شيء سيحدث، وأنا سأغادر الحصن بعد وقت قصير”، المفارقة “إنه يردد عبارته هذه منذ ثماني عشرة سنة، بالضبط”. بين دفقات الزمن انقطاعات من الصمت، فكل لحظة تطوى بدون رجعة؛ والحاضر حصن عالق في صحراء يكتب بوتزاتي “المستقبل لحظة طارئة غامضة تستهلك الجزء الأجمل من حياة الرجال”، في انتظار ما لا يأتي “التتار” نستهلك أعمارنا، إنه زمان شبيه بوحش أسطوري يبتلع ذاته، بادئًا بقدميه فالحاضر صخرة مسننة تتفتت تدريجياً، وهو حصن مهدد بالمستقبل “المتصحر الخالي من أي معنى والمملوء بالأسرار”.
على سكة العدم – في إحدى المقصورات وفوق سرير المرض- يتمدد رجل شاحب الوجه عميق النظرات، يكتب عن زمن متعدد الطبقات. في تناغم مذهل ينساب الزمن الخارجي في الروحي؛ بحيث يمكن لطعم حلوى المادلين أن يبعث حياة كاملة، ويمكن للرائحة أن تغوص عميقاً في الذكرى. ويمكن لاستكانة من الشاي أن تنقذ ذكرى من النسيان، وأن نستعيدها من جديد ونراها بطريقة مختلفة! إنها ذاكرة روحية تهب نفسها ببساطة عبر يقظة حسية! ينهي الرجل بحثه عن الزمن المستعاد، يطوي الصفحات ويكتب فوق الغلاف “البحث عن الزمن المفقود”. إن الخلاص عند بروست هو الاستعادة الكاملة للماضي، بخلاف بوتزاتي وبعكس زوربا، الذي يجد خلاصه في الحاضر المقطع إلى أجزاء. في مكان آخر تمنح رؤية ميشيل فوكو “للمكتبات والمقابر” – باعتبارهما المكانين الوحيدين اللذين يمكن “مراكمة الزمن فيهما إلى ما لا نهاية”- لمانغويل ذريعة أسرِ الزمن في المكتبة!
في مراهقته يقرأ مانغويل “سهوب التتار” ما يثير الرعب بالنسبة له أن هذه الرواية نبهته إلى أن “الزمن” ودوناً عن كل الموجودات يجري بإيقاعه الجائر الخاص، فقرر أن يعكس الآية “سيسير الزمن وفق إيقاعي أنا” عبر القراءة وإعادة القراءة – يبدو ذلك كحماقة- لكنه يعتبرها “مثل شجرة ميلاد تزال عنها الزينة ثم تزرع من جديد في الحديقة إنها البداية التي لا تنتهي”.
تبدو القراءة كسهم يرتد للخلف، زمن معكوس مقلوب ومُتحَكَمٌ به، مانغويل سيده “الآمر الناهي” يوقظه بمجرد تحريك دفة الكتاب، أو نفض الغبار عن رفوف المكتبة. تصاغ يوميات القراءة بأسلوب الكتابة الشذرية التي تقطع الزمن، (في ما بعد – الاثنين- الأحد) إن مانغويل، ليس واثقاً من رغبته في العيش إلى ما بعد الثمانين، يفر إلى بهجة القراءة وتغدو المدن في المكتبة راسخة بخلاف المكان الواقعي الكابوسي “بيونس آيرس” كمثال. وهو كالجدات -اللواتي يتأملن صور شبابهن، أو يضعنها فوق حافة السرير- يُلِح على عرض صورتين “لبيوي كارساس” واحدة في شبابه والأخرى وهو منحني الظهر؛ فكل كتاب هو زمان قائم بذاته. الومضات السريعة، التكرار، تُقدَمُ لنا كشيء لا ينتهي يكتب “أتميز غيظاً حين أرى الأشياء تبتعد، أريد لأصدقائي أن يبقوا هنا دائماً، أريد للمكان الذي أحب أن يبقى “أريد لهذا الفقدان أن يتوقف”؛ والعالم ينتمي للكتب “وجد كي يكتب، أو يصبح مكتوباً”. لا يتغير ولا يتحرك وفصول الحياة عند مانغويل هي طبعات منقحة عن بعضها “الطبعة النهائية ستلقى للديدان هذا ما سيفعله المؤلف!”. في شذرة لها معناها يكتب “ثمة شعور بالسكينة في هذا الطقس غير المتغير” إنه يعيش الزمن كفاجعة، أو كارثة تتقدم بهدوء. وتنطبق عليه عبارة “كل محاولات استرداد الماضي تمتلك خاصية رثائية عميقة”.
كحلٍ نرجسي يضاعف بورخيس ذاته، يمد للزمن أذرعاً، تسير الأزمنة المتوازية بطرق متضادة، وهو يوجد فيها كلها، بعلاقات مختلفة ومصائر متباينة. كما في “حديقة السبل المتشعبة، وهو ينتقل في “يوتوبيا رجل متعب” للمستقبل، ويلتقي برجل يتكلم اللاتينية يقول له الرجل “إننا نعيش في الزمان الذي هو تتابعي، لكننا نحاول أن نعيش من وجهة نظر الأبدية”. إنه مهووس بمضاعفة الأزمنة والصفحات؛ فكتاب الرمل “لانهائي” وفي العمق يبدو وكأنه طفل يُطَمئِن نفسه كتب مرة ” أكتب لنفسي ولأصدقائي كي أخفف من عبء مرور الزمن”. في ذاكرة فوينتس يخترع لنا ذاكرة “تحفظ كل شيء ولا تنساه”. ذاكرة ضد الزمان..
في الرواية الدينية: الزمن مجرد وهم. وهناك على النقيض زمن مثالي مختلف عن الأرضي، إنه أبدي، وَإِن يَوْمًا عِندَ رَبكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مما تَعُدونَ” (سورة الحج) وحياتنا لا تتجاوز ومضة، و في الماوراء زمن لا انحلال فيه ولا فساد! إنه مكافأة مثلى للكائن، الذي احتمل شقاء مروره بالعالم الارضي! سَأل جوزيف كامبل: ما سر الرؤية المنفلتة من قيود الزمن! من أي أعماق في الروح تبني ذاتها؟ يجيب اندريه موروا “إن كامل حياتنا نضال ضد الزمن، فهي تبغي التعلق بحب، صداقة، بقناعات، ولكن نسيان الأعماق يرتفع شيئاً فشيئاً حول أجمل ذكرياتهم وأغلاها”.
من خلال مقاربة جوانية، حدسية، يغدو الزمن الروحي هو الزمن الحقيقي، في “صحراء التتار” يكتشف دروغو المكيدة، لا أحد يكترث لمرورنا، فعربة الزمن لا تتوقف وركابها لا يستطيعون إلقاء نظرة وداع علينا. يكتب بوتزاتي “ووري جثمان الملازم أنغوستينا الثرى، واستمر الزمان يمر في الحصن تماماً كما كان في السابق”. في “الصخب والعنف” لوليم فوكنر يقدم الأب لابنه ساعة “أهديك ـ ياكونتين- ضريح الآمال والرغبات جميعاً، إنها كفيلة- حين تستخدمها بأن تكون شاهداً على لا جدوى التجربة الإنسانية برمتها، أهديها لك لا لكي تتذكر الزمن، بل لتنساه، فلا تٌجهد نفسك في السعي لإلحاق الهزيمة به؛ لأنها معركة خاسرة والانتصار فيها وهمٌ من أوهام الفلاسفة والحمقى.
كاتبة سورية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية