صحف عبريةاحتمالات أن تنجح اسرائيل في اقامة علاقات حتى على المستوى الأدنى مع النظام الجديد الذي سينشأ في طرابلس، ليست كبيرة، مثلما كان يمكن أن نفهم حتى من المقابلة التي منحها أمس احمد شباني، من قادة المعارضة، لصحيفة ‘هآرتس’. منذ أن ثبتت حكومة الثوار في بنغازي قبل نحو نصف سنة، كانت هناك عدة محاولات من جانب محافل مختلفة في اسرائيل لجس النبض اذا كانت هناك احتمالات لاقامة علاقة معينة معهم. وشارك في المحاولات أساسا رجال اعمال يهود، معظمهم من أصل ليبي، بعثوا برسائل الى وزارة الخارجية ومحافل اخرى، وادعوا فيها بأنهم يعرفون هذه الشخصية أو تلك من المجلس المؤقت في بنغازي، وعرضوا مساعدتهم في خلق الاتصال.
الرسائل وصلت، فُحصت، ولكنها رُدت. ففي اسرائيل اتخذ قرار بعدم التدخل في الحرب المدنية طالما كانت تجري بكل شدتها. ليبيا لا تعتبر في اسرائيل دولة عدو، وجيشها لم يشارك في الحروب ضد اسرائيل. ولكن بعد صعود العقيد معمر القذافي، الذي استولى على الحكم في 1969، أصبحت المؤيدة الصاخبة للقضية الفلسطينية وأدارت سياسة حادة في مناهضتها لاسرائيل. اجهزتها الامنية وفرت لمنظمات الارهاب الفلسطينية السلاح ووسائل التخريب، التي تم تهريبها احيانا بالبريد الدبلوماسي عبر سفاراتها. كما تمتعت المنظمات بمساعدات مالية سخية من ليبيا.
بسبب تدخل ليبيا في الارهاب وسعيها الى السلاح النووي، كانت على بؤرة الاستهداف لجمع المعلومات لدى شعبة الاستخبارات العسكرية والموساد. ولكن رغم ذلك، فوجئت اوساط أسرة الاستخبارات في اسرائيل في نهاية 2003 حين توصل القذافي الى اتفاق مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وبموجبه فانه يتخلى عن برامج النووي والاسلحة الكيماوية والبيولوجية لديه. وقد جرى تبادل الاتهامات بين الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية حول من هو المسؤول عن التغطية الاستخبارية الفاشلة.
مقابل انعدام الاتصالات ذات المغزى مع الثوار، فان العلاقة الأبعد شوطا، والاكثر هذيانا، مع ليبيا في فترة الحرب الاهلية، كانت مع نظام القذافي بالذات. فقبل بضعة اسابيع هبط في اسرائيل مواطنان ليبيان حاولا اللقاء بممثلي وزارة الخارجية وادعيا بأن لديهما معلومات استخبارية عن دور رجال القاعدة في الثورة ضد القذافي. وبالمقابل، طلبوا من اسرائيل أن تساعدهم في فتح الأبواب لدى الادارة الامريكية وألمحوا بأن القذافي سيفكر بتلطيف موقفه من اسرائيل بل وربما باقامة علاقات معينة معها في المستقبل.
ممثلو وزارة الخارجية والموساد، الذين لم يعرفوا بدخول المندوبين الليبيين الى اسرائيل، فوجئوا. فقد رفضوا لقاء المبعوثين، أما زعيمة المعارضة ووزيرة الخارجية السابقة تسيبي لفني بالذات، فلم تضبط نفسها والتقت معهما في حديث فأحدثت بذلك حرجا شديدا لسفارات اسرائيل في الخارج. بالذات في الوقت الذي قطعت فيه كل الدول الغربية الاتصال بحكومة القذافي واعترفت بحكومة الثوار، نشأ الانطباع بأن في اسرائيل من هو لا يزال مستعدا للاحتكاك بالحاكم الليبي المطلوب كمجرم حرب لدى المحكمة الدولية.
بسبب الفوضى السائدة في ليبيا سيطر تجار ليبيون وآخرون على مخازن السلاح وبدأوا يتاجرون بها. ازدهار السوق السوداء في ليبيا، مثلما اكتشفت محافل الاستخبارات في اسرائيل، أدت الى تهريب أسلحة كالصواريخ المضادة للدبابات، المضادة للطائرات والراجمات عبر مصر الى غزة لتصل الى حماس. وعملت محافل مختلفة لوضع حد للامر ووصلت وعود ليس واضحا كم هي مصداقة بان ثمة جهودا في هذا الاتجاه. في القضية الغريبة لمبعوثي القذافي كان مشاركا بشكل غير مباشر وولتر ارفيف ايضا، رجل الاعمال اليهودي من اصل ليبي، الذي لا يعرفه الجمهور او وسائل الاعلام في اسرائيل. وعقد المبعوثان اتصالا ايضا مع أرفيف، وهذا سأل رجال وزارة الخارجية وعندما اجيب بان الليبيين غير مرغوب فيهما، قطع الاتصال بهما.
أرفيف، الذي احتفل في ايار بيوم ميلاده السبعين بمناسبة عقدت في اسرائيل يعيش في تورنتو ويشارك رجل اعمال هندي في شركة طيران تسمى ‘سكاي لينك افييشن’. وكان ولد في تونس في 1941 لعائلة فرت من ليبيا. في نهاية الحرب العالمية الثانية عادت العائلة الى طرابلس. وسكنت في المدينة حتى 1967، وبعد حرب الايام الستة غادرت ليبيا مرة اخرى بسبب تنكيلات الجيران العرب. وهاجر ارفيف الى اسرائيل.
في 1979، بعد اتفاقات السلام في كامب ديفيد، جرب أرفيف قوته في فرع السياحة حين نظم رحلات الى مصر. في 1988 هاجر عائدا الى طورنتو واقام هناك شركة الطيران، التي تعنى اساسا بنقل معدات انسانية الى مناطق الضائقة في افريقيا، في آسيا وفي اوروبا، في خدمة حكومات ومنظمات دولية. ويعد ارفيف متبرعا سخيا للمؤسسات في اسرائيل، بينها، مثلا، مستشفى شيبا، ولديه علاقات طيبة على نحو خاص مع الوزير سلفان شالوم. كما أن وزير الخارجية، افيغدور ليبرمان تصادق معه واستعان به قبل أكثر من سنة كي يحرر الاسرائيلي من أصل تونسي المصور رفرام حداد، الذي اعتقل في ليبيا بالاشتباه بالتجسس.
وافادت وسائل الاعلام بان ليبرمان استعان في هذا الشأن اساسا بصديقه رجل الاعمال النسماوي مارتين شلاف، المطلوب للتحقيق في اسرائيل. وبالفعل، وضع شلاف طائرته الخاصة تحت تصرف حداد للخروج من ليبيا. غير ان من عمل عمليا خلف الكواليس وجدير بان يحظى بكل المكسب لقاء ذلك هو أرفيف. أرفيف، الذي عمل معظم حياته بعيدا جدا عن الاضواء، لم يرغب بتواضعه الحديث في الموضوع. في حديث هاتفي مع ‘هآرتس’ كان مستعدا فقط لان يقول، انه لا يزال من السابق لاوانه التقدير كيف ستؤثر الاحداث في ليبيا على العلاقات مع اسرائيل. ‘عندي أصدقاء يرتبطون بحكومة الثوار، وكان لي ايضا اصدقاء في معسكر القذافي. كل شيء منوط بمن سيكون في الحكم بعد الانتخابات الديمقراطية التي ستجرى في ليبيا’. هآرتس 25/8/2011