ثقافة الجمهورية بخطر وباريس تدافع عن أنبل مكتسباتها مجدداً!

حجم الخط
0

ثقافة الجمهورية بخطر وباريس تدافع عن أنبل مكتسباتها مجدداً!

مطاع صفديثقافة الجمهورية بخطر وباريس تدافع عن أنبل مكتسباتها مجدداً!لم تمضِ سوي أشهر معدودة علي تظاهرات الضواحي الباريسية، من فتيان الهجرة المهمشين، إلا وانفجرت تظاهرات شبابية، كذلك وفي العمق من المدن الكبري هذه المرة، وبدءاً من باريس وجامعتها التاريخية الشهيرة السوربون، والتي عمت جامعات فرنسا كلها دفعة واحدة. فما أن يُقال إنها ثورة طالبية جديدة، حتي تذكّر بتلك الغضبة العارمة التي شاركت فيها الجامعة والنقابة العمالية معاً، وسجلت ذلك المنعطف السياسي الاجتماعي المتميز الذي دُعي بثورة 1968 الطالبية. فالهبّة الراهنة يمكن وصفها بكثير من خصائص الثورة السابقة. إنها مفاجئة وغاضبة، وصدامية مع رجال الأمن. وتبدأ من الإضراب العام عن الدروس والتحصّن بقاعات الصفوف والأروقة، وقبل أن تتدفق سيولها إلي الشوارع، يتصدي الأمن الرسمي لها علي المداخل؛ ويحطم الطلبةُ الكراسي والطاولات، ويقذفون بقطع أخشابها الشرطةَ المداهمة. ومن ثم يُعلن الإضراب المفتوح دون تمكّن الأمن من حصاره وراء أسوار الجامعات. ولا بد سريعاً أن تهبَّ النقابات العمالية إلي المساعدة والمشاركة، كما حدث عام (68)، بيد أن الاحتجاج الطلابي من المستبعد أن يتطور إلي ثورة شعبية وحتي طبقية عارمة كما في الماضي. ذلك أن تركيبة المجتمع نفسها قد اختلفت عما كانت عليه قبل حوالي أربعين عاماً. لكن دوافع التحرّك الشعبي وأهدافه ربما لم تتغير كثيراً طيلة هذا الفاصل الزمنيّ الشاسع. فاليوم كما بالأمس لا تزال الأوضاع المعيشية هي المحركة الأولي والجامعة بين معظم مكونات الهرم الاجتماعي من وسطه حتي أدناه.بل إن التواصل بين محركات الانتفاضتين يفرض نفسه علي الرؤية الموضوعية، ما أن يُلاحظ بسهولة أن (ثورة) الحاضر إنما تدافع عن مكتسبات الأولي، وأهمها ولا شك تلك التي أقرت قوانين الحقوق الاجتماعية الكاملة للعمل لأول مرة في تاريخ المواطنة وتقدمها المضطرد منذ الثورة الفرنسية قبل قرنين ونيّف التي أسقطت مؤسسة الحكم المطلق، وأطلقت تجارب الجمهورية، عبر المسيرة الطويلة الشاقة لقصة استرداد الشعب لشروط حريته المتكاملة، بالتمكن تدريجياً، وتحت إيقاع متواصل من نكسات تعقبها انتفاضات، بالتمكن من ترسيخ حق الشعب وحده في أن يكون مصدر السلطات، وبالتالي أن يتطور مفهوم السيادة للدولة، إلي مبدأ سيادة الأفراد علي أنفسهم بالتمتع الفعلي من كامل حرياتهم مع حمايتها بالقانون العام، حيثما يغدو الاعتراف بمبدئية الشخصية الإنسانية بمثابة تأسيسٍ متنامٍ للشرعية الكلية التي بدورها سوف ترعي نشأة المجتمع المدني في ظلها، وتصحّح باستمرار من مساراته في التكوّن، وما تتعرض له الدولة الحاكمة باسمه من تجاوزات الممارسة السلطوية وانحرافات العلاقة بين الحاكم والمحكوم.إن جملة هذه المبادئ والمفاهيم، وخلال جدليتها المتنامية مع تسلسل منعطفات الوقائع التاريخية الحاسمة، والبناء المضطرد علي مكتسبات سابقاتها، كمقدمات ضرورية لما يلحقها، نقول إن جملة هذه الثروة من المبادئ والمفاهيم وتحققات الواقع، هي التي كونت مصطلح (الجمهورية) وملأته بمضمونه العيني، أعطت ملامحه المتميزة كفلسفة إنسانية أولاً، ومن ثم كأنظمة حكم دستورية، حافظةً لمكونات المجتمع المدني وتقدمه التضامني بإمكانيات جميع أعضائه المتساويين أمام القانون.لكن مع الانقلاب الصناعي منذ أواسط القرن التاسع عشر لم تعد مسيرة الجمهورية تكتفي بذخيرة مكتسباتها من الحقوق السياسية والمزيد من الحقوق المدنية، علي أثر كل ردة نحو الحكم المطلق مع ملكية الإمبراطور (نابليون الأول) ثم عودة الملكية التقليدية وثورتي أربعينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، والعودة الثانية للإمبراطورية، وهكذا حتي تعددت الأنظمة الجمهورية ما بين كل نكسةٍ وأخري، إلي أن ترسخت قواعدها عبر جمهوريات القرن العشرين، إنما مع الانقلاب الصناعي راح المجتمع ينتقل من شكله التماثلي بين فئاته إلي شكل التوزع الطبقي والتركيبي المعقّد. أصبح الصراع السياسي محمّلاً بمضامين الصراع الطبقي. ولقد شُغل تاريخ الجمهورية الحديث والمعاصر بظروف هذا الصراع المزدوج الذي صار له ذلك العنوان الكبير والجديد علي ثقافة التحرر السابقة، التي باتت توصف بالتقليدية بالنسبة لذلك العنوان الذي يكتب مصطلح (الحقوق الاجتماعية). غير أن النضالات السياسية وراء هذه الحقوق، لم تؤدِ إلي الاعتراف بها وتشريعها من قبل الدولة إلا مع الثورة الطالبية (68). فهي الثمرة العليا لنضج الجمهورية الفرنسية والعلامة الفارقة المميزة لها عن مثيلاتها، من ديمقراطيات أوروبا، وخاصة عن ليبرالية الأنغلوسكسون. إنها (نعرة) الاختلاف الفرنسي التي تكاد تتحول إلي إيديولوجيا الوطنية الفرنسية. وهي بقدر ما يعتزُّ بها أصحابها فإنها تثير ردود فعلٍ سلبية لدي الآخرين علي ما يُدعي أحياناً بالصلف الوطني. وقد تصير مدعاةً للحسد والغيرة في حلبة التنافس مع الأنداد علي ادعاء الفوز بالقسط المعلَّي من خصائص ومزايا ذلك التلاحم المفهوميّ بين الديمقراطية والحداثة.الانتفاضة الطالبية الراهنة تهبُّ من قلب جامعاتها للدفاع عن هذا (الاختلاف الفرنسي) ذاته، وبالأخص عن القمة المكتسبة في رصيد الحريات الفردية وتشريعات الحماية الاجتماعية في العمل والصحة والشيخوخة والتعليم في كل مراحله. فلقد تفتقت (ثقافة) دوفيلبان، رئيس الوزراء، الشاعر والحاذق في الرئاسات الإدارية، تفتقت عن اختراعٍ لحل إشكالية البطالة المزمنة، تحت عنوان عقد العمل المؤقت للشبيبة المتخرجة حديثاً من المعاهد. والمقصود منه هو إعطاء عمل للشاب المبتدئ وفق عقدٍ موقت لمدة سنتين، قد يلجأ رب العمل بعدها إلي تسريحه، ولا يمكنه أن يجد غيره إلا بعد ثلاثة أشهر، وربما سوف يقضي شبابه الأول متنقلاً من عملٍ إلي عمل دون أن يُحظي بالاستمرارية. فالمسألة هي أن مجتمع الرفاهية القصوي يخلِّف وراءه أربعة ملايين من العاطلين عن العمل، وخاصةً من فئة الشباب الصاعدين. وهذه النقيصة الكبري لصورة التضامن الاجتماعي المشروخة، تطورت إلي إشكالية مزمنة، وقد فشلت في معالجتها طيلة ثلاثين عاماً من عمر الحقوق الاجتماعية، جميع حكومات اليمين واليسار. حتي أصبحت البطالة تشكل تهديداً متزايداً لأسس السلام الأهلي. ولم تكن غضبة فتيان الضواحي من أبناء الجيل الثالث من مهاجري الجنوب، إلا مؤشراً صارخاً علي نوعية هذا التهديد للسلام الأهلي، وفداحة تطوراته المنتظرة. فهنا البطالة وباء شموليّ معمّم علي كل عائلة تقريباً، وناشرٌ لأوبئة البؤس الإنساني بكل أشكاله المادية والأخلاقية، إلي حدود الإجرام العفوي والفردي، أو الجماعي المنظم. والآن تندلع موجات الاحتجاج من صميم العاصمة باريس، ومن أكبر صرحٍ علميّ رمزيّ، جامعة السوربون. والمحتجون هم كذلك من العنصر الشبابي، لكنهم في معظمهم ينحدرون من الطبقات المتوسطة وما فوقها. وموضوع الاحتجاج هو ما يتصورونه اختطافاً لمستقبلهم، وربما كان كذلك عدواناً علي أثمن إنتاج للمدنية الفرنسية، وهو هذا التضامن الاجتماعي وتشريعاته المتقدمة التي افتُرضت أنها نهائية ولا عودة عنها أبداً.ومع ذلك هنالك تيارٌ في اليمين الفرنسي.. وربما كذلك في أوساط اليسار والوسط، لا يري مفرّاً من مراجعة هذه التشريعات التي يُعزي إليها تباطؤ الاقتصاد الوطني، بسبب الأكلاف العالية لبنود الضمان كلها، التي لا تُغطيها مواردها، وتُضطر الدولة دائماً لتعويض العجز المتراكم من سنةٍ إلي أخري، هذا فضلاً عن انخفاض مستمر في فرص العمل سواء في القطاع العام والخاص؛ كل هذا وسواه من العلل الاقتصادية والاجتماعية يقدم مادة براهين خصبة لدعاة الليبرالية الجديدة في نموذجها الأنغلوأمريكي. إذ تُلقي علي عاتق التشريعات الاجتماعية مسؤولية ما اصطُلح عليه أمريكياً بشيخوخة أوروبا. والمقصود بها أولاً فرنسا بالذات.لكن بالمقابل هناك حُججٌ أخري معاكسة وواضحة المعالم لمن يريد أن يراها ويعترف بصلاحتها، التي تثبتها هذه الحقيقة المباشرة وهي أن تجربة (الاختلاف الفرنسي) المعاصر إنما ترجع فعلاً وواقعاً إلي قُدرة فرنسا علي المزاوجة بين النقيضين: (اشتراكية) التضامن الاجتماعي ورأسمالية الاقتصاد الوطني في مختلف قطاعاته، وذلك بفضل التدخّل المستمر للدولة والدعم المعنوي الذي تتلقاه من معظم فئات الشعب، وفي الطليعة دائماً يبرز مثقفو (الجمهورية) المجددون لفلسفتها بحسب المتغيرات البنيوية العامة اللاحقة بتطورات المجتمع سياسياً واقتصادياً وفكرياً.هذا مع العلم أن الرأسمالية الفرنسية لم تكن لتتقبل التعايش مع نقيضها الاجتماعي، لو لم تكن قد جنت أرباحاً طائلةً من ريع مؤسسات التضامن نفسها؛ يكفي التذكير فقط بثروات شركات الأدوية، و(صناعة) الطب إجمالاً التي تضاعفت إلي مستوي المليارات. لكن ضغوط العولمة، والتنافسات الدولية الهائلة تدأب علي إطلاق الرأسمالية الفرنسية من عقالها الوطني لتلحقها بركب الليبرالية الجديدة الجامحة والعابرة لوطنيات الأمم كلها.لقد نزلت أخيراً النقاشات النظرية إلي مستوي الشارع والتقطتها جماهيرها ذات المصلحة الرئيسية، سلباً وإيجاباً من كل تغيير جذري يعتري مسيرة الشأن العام. وعلي هذا فهي ستكون صاحبة القول الفصل، كما كان الأمر دائماً مع غضبات الشارع الفرنسي في كل منعطف اكتسبته ثقافة الجمهورية، طيلة تاريخها الحديثة المعاصر. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية