على مدى سنوات طويلة كان في إسرائيل إجماع على أن غور الأردن منطقة ذات أهمية استراتيجية لأمننا، وواضح للجميع بـأن الغور يجب أن يكون مضموماً لأراضي الدولة السيادية منذ حرب الأيام الستة في تسوية سياسية مستقبلية. وحتى في أوساط أولئك الذين شككوا بمدى حيوية ضمه، كان هناك فهم بأن الجيش الإسرائيلي سينتشر في الغور في كل وضع وكل اتفاق.
يقوم هذا الفهم بقدر كبير على القلق الذي ألم بالجمهور الإسرائيلي في أثناء فترة الانتظار عشية حرب الأيام الستة. فوجود جيش أردني مدرب ومجهز في منطقة الضفة الغربية تسبب بمخاوف مفهومة، وبعد النصر الحاسم في الحرب واحتلال الضفة، كان هناك إجماع على حاجة السيطرة على الغور يوحد معظم أصحاب القرار في إسرائيل.
ولكن من يواصل العيش في أجواء الخوف للعام 1967 يتجاهل حقيقة أن العام هو 2020 وأننا نعيش في واقع جغرافي – سياسي، وعسكري، وتكنولوجي وسياسي مختلف تماماً. قبل 50 سنة كان الغور ذخراً إستراتيجياً، أما اليوم فلا.
عشية حرب الأيام الستة كان للأردن جيش قوي جداً. ليس قوياً بما يكفي لهزيمة إسرائيل، ولكنه جيش مع فرق مدرعات وسلاح جو ووحدات برية ذات قدرة قتالية. وكان شرقه العراق ذو الجيش الأكبر بكثير، الذي شكل تهديداً حقيقياً على أمن إسرائيل. في ظل وجود هذه المعطيات، كان هناك منطق لوصف الغور منطقة ذات أهمية إستراتيجية، والسيطرة عليها تمنحنا تفوقاً نسبياً في حالة هجوم منسق من الجبهة الشرقية.
لم يعد هذا الواقع موجوداً؛ فالجبهة الشرقية تبددت، والأردن ليس دولة عدو بل الحليف الذي يتعاون معنا في مواضيع ذات أهمية استراتيجية من الدرجة الأولى. ولم يعد هناك جيش عراقي يشكل تهديداً. كما أن علاقاتنا مع العراق اليوم مختلفة تماماً عن تلك التي كانت معه في الماضي، ولا سيما في عهد صدام حسين. الجيش العراقي هزيل وعديم القدرة على أن يشكل أي تهديد على إسرائيل، حتى في خليط من القوى المستقبلية مع آخرين.
بكلمات أخرى، فإن من يدعي اليوم بأن الغور حيوي لنا لاعتبارات أمنية فلا يزال يعيش مخاوف 1967، أو يحاول أن يبيعنا قصة كاذبة عن خطر ليس قائماً، عن حاجة أمنية ليس لها أساس في الواقع وعن تحدٍ استراتيجي عديم كل قيمة.
***
في العام 2008، عندما كنت رئيساً للوزراء، وأدرت مفاوضات مع السلطة الفلسطينية بهدف الوصول إلى تسوية سياسية واتفاق سلام، كنت لا أزال مشغول البال من إمكانية اجتياز جيش أجنبي نهر الأردن مستقبلاً حتى لو قامت دولة فلسطينية على معظم أراضي الضفة، وكان واضحاً لي بأن يجب أن يكون هناك جواب لمثل هذه الإمكانية. حتى وإن كانت احتماليتها متدنية جداً.
أجريتُ محادثات عنيت بالموضوع مع الملك الأردني عبد الله الثاني، الذي كان صديقاً حقيقاً لإسرائيل في ولاية شارون وفي عهد ولايتي على حد سواء. وتمنى الملك إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وكان واضحاً لكلينا بأن مثل هذه الدولة لن تقوم إذا ما أصرت إسرائيل على ضم الغور أو إبقائه تحت حكم عسكري كبير. استوضحت معه إذا ما كان مستعداً لقبول إمكانية أن يرابط على طول النهر (الذي كان يفترض أن يكون الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية)، في الأراضي السياسية للأردن جيش دولي يقوم على أساس قوات الناتو. جيش كهذا كان سيمنع عبوراً حراً للفلسطينيين من الضفة إلى الأردن ومنه إلى الضفة، ويشكل عاملاً رادعاً من اي محاولة لجيش أجنبي اجتياح الأردن ومنه إلى إسرائيل.
الملك رد بالإيجاب: ترتيب كهذا كان معقولاً في نظره وبالتأكيد قابلاً للتنفيذ. وزيرة الخارجية الأمريكية في حينه، كونداليزا رايس، سمعت بفكرتي وحصلت من الملك على الانطباع ذاته. كان واضحاً أن بتفاهم في هذا الموضوع ستحصل إحدى المسائل الأكثر أساسية في كل تسوية سياسية بين إسرائيل والفلسطينيين.
إضافة إلى التفاهم الذي بدأ ينضج مع الملك الأردني، كنت قبل ذلك قد كلفت وزير الدفاع إيهود باراك وشعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي برئاسة اللواء عيدو نحوشتان في إعداد خطة أمنية تكون جزءاً من التسوية السياسية. الخطة، التي تضمنت ثمانية عناوين أساسية، عرضها باراك على الرئيس بوش ونالت موافقته، ولاحقاً رفعت إلى الرئيس أوباما الذي تبناها.
بودي أن أشدد هنا على موضوع واحد يرتبط بقضيتنا: لقد شرح باراك للرئيس بوش بأنه حتى مع وجود تسوية سلمية مع الفلسطينيين ووجود تسوية مناسبة لخلق خط عسكري لامع على طول نهر الأردن، ستحتاج إسرائيل أن يكون لها رد أمام جيش أجنبي قد يجتياز النهر لمهاجمتها. واتفق في مثل هكذا حالة أن لإسرائيل الحق بإرسال جيشها باتجاه الأردن للقاء الجيش الغازي قبل أن يفرض وجوداً على الضفة. فمثل هذا التسلل الإسرائيلي إلى الأراضي الفلسطينية لن يعد احتلالاً وخرقاً للقانون الدولي، بل ممارسة لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وقد قُبل هذا المبدأ. وكان هذا مقبولاً للفلسطينيين أيضاً. وكما أسلفنا، خلفت إدارة بوش هذا التفاهم لإدارة أوباما، التي قال مندوبوها لي لاحقاً إنه كان مقبولاً منهم تماما أيضاً.
***
ولكن في حينه جاء نتنياهو. ومثلما في كثير من المواضيع الأخرى، يتجاهل الظروف المتغيرة والقوة العسكرية والتكنولوجية الهائلة لإسرائيل، والتي تسمح لها أن تمشط كل وحدة إقليمية على مسافة كبيرة من حدودها، لتعطي إخطارات بتحركات لقوات عسكرية، وكذا الوصول إلى أهداف بعيدة وتدميرها بوسائل مختلفة.
يعرف نتنياهو جيداً بأنه لا توجد أي حاجة أمنية عاجلة تتطلب ضماً أحادي الجانب للغور. فهل من كان مقتنعاً بأن لإسرائيل قدرة على مهاجمة إيران – القوة العظمى العسكرية الإقليمية الجدية، ذات قدرة الدفاع المضادة للطيران المتطورة وترسانة الصواريخ بعيدة المدى- يمكنه أن يدعي بجدية بأن مشكلتنا الأمنية الأكثر إلحاحاً هي غور الأردن.
واضح أن ليس لخطوة الضم أي صلة بأمن إسرائيل، وبالحاجة إلى عمق استراتيجي، وبالخوف من تهديد حقيقي عليها. هذا جزء من ثقافة الفزع الزائف، الساعي إلى أن يخلق في الجمهور الوعي بأننا دائماً في خطر وجودي وأن هناك من يلاحظه ويعرف كيف يعطيه رداً شجاعاً، صهيونياً، مناسباً.
غير أن إسرائيل لا تلعب وحدها في هذا الساحة، فضم أحادي الجانب للغور وفرض للقانون الإسرائيلي على المستوطنات في يهودا والسامرة خارج أي إطار اتفاق وليس وفقاً لخطة ترامب، إنما هو استفزاز زائد، أولًا وقبل كل شيء لترامب وللولايات المتحدة. يقول الكثيرون: لماذا لا نستغل وجود رئيس عاطف مستعد للتسليم بمثل هذه الخطوات داخل البيت الأبيض؟ ماذا ننتظر؟ ولكن ترامب قد يفسر حماسة إسرائيل الملحة في تنفيذ خطوات من طرف واحد كعدم ثقة من جانب نتنياهو في إمكانية انتخابه لولاية ثانية. إذا كنا نعتقد بأن ترامب سينتخب لمرة ثانية، فلماذا لا ننتظر تشرين الثاني، وعندها نضم المناطق بالتعاون معه؟
وإذا خسر ترامب في الانتخابات، فهل يجدر بإسرائيل أن تستفز بديله الديمقراطي جو بايدن الذي سبق وحذر من ضم أحادي الجانب؟ هل سيبرر هذا الضرر الذي سيلحق بنا المنفعة المتوقعة (وبرأيي كما أسلفنا لا توجد منفعة كهذه) من ضم أحادي الجانب في تموز؟
وماذا إذا رفع الإرهاب الفلسطيني رأسه؟ وماذا إذا أعاد الفلسطينيون النظر في العلاقات مع إسرائيل؟ وماذا إذا اتخذت دول أوروبا خطوات حقيقية تضر بإسرائيل؟ وماذا إذا انضمت دول أخرى، مثل الدول العربية المعتدلة، وروسيا، والصين، ودول في جنوب أمريكا وآسيا، إلى موجة حادة مناهضة لإسرائيل، دون أن يقف الرئيس الأمريكي الجديد للدفاع عنا؟
وكل هذا فقط من أجل تأجيل المحاكمة، وإملاء جدول أعمال، وإسكات الاضطراب المتصاعد لمئات آلاف العاطلين عن العمل في ضوء الأزمة العميقة التي تعد كلها ثمرة فشل الحكومة في معالجة وباء كورونا وربما أيضاً كي يرتب لنفسه بضع امتيازات مالية وإعفاءات ضريبية أخرى. نتنياهو يندفع إلى الأمام، بلا لجام وبلا مسؤولية. يجب الوقوف في وجهه، ويفضل ساعة واحدة مبكرة.
بقلم: ايهود أولمرت
معاريف 26/6/2020