رحيل كارلوس زافون

منذ أيام قليلة، رحل الكاتب الإسباني الشهير كارلوس رويس زافون، بعد سنوات من المجد الكتابي، والتربع على قوائم الأكثر مبيعا، في كل لغة ترجمت إليها أعماله، خاصة روايته الأولى “ظل الريح”، التي تقدر مبيعاتها بملايين النسخ. وأذكر أنني كنت مرة في إيطاليا، وعرجت على مكتبة ضخمة، في وسط المدينة، نوعا من الفضول أو جلب المتعة في رؤية الكتب وأغلفتها، وتقليبها، حتى لو كنت لا أعرف اللغة الإيطالية، لكني لم أستطع الدخول بسبب الزحام الكبير، كانوا في الحقيقة قراء إيطاليين يتزاحمون لشراء النسخة الإيطالية من رواية “ظل الريح”.

زافون رحل بعد معاناة مع المرض، وكان رحيله مبكرا جدا، وقد كتب أعمالا قليلة ناجحة على المستوى القرائي، وكان يمكن أن يكتب أكثر، أو على الأقل يخرج من مقبرة الكتب المنسية التي تدور حولها رباعيته المنجزة، إلى أفكار أخرى. لكن المرض أوقفه، ثم الموت الذي هو نهاية لكل ما هو مثمر وواعد، ولا شيء يوقف الموت أو الفناء. ودائما ما نتذكر أفذاذا من المبدعين والمبتكرين، والعلماء، رحلوا هكذا في أعمار مبكرة، ونردد: لو عاشوا لأنجزوا أكثر. وهذه الأيام بالذات، يعربد في حياتنا فيروس لعين يختطف في كل دقيقة روحا ربما كان سيزدهر بها المستقبل.

“ظل الريح”، أو الجزء الأول في سلسلة “مقبرة الكتب المنسية”، الرواية التي عرفت زافون إلى القراء، وعرفت القراء إليه، ليست رواية عادية يمكن أن تقرأ وتنسى. في الحقيقة كانت رواية فيها الكثير من الحيل والكثير من المعرفة، وأزعم أن الكاتب قام بدراسة تاريخ مدينة برشلونة بصورة جيدة وجدية، قبل أن يكتبها. وهذا بالضبط ما نطلبه من الكتاب الروائيين في كل زمان ومكان، أن يلموا بجغرافية وتاريخ الأمكنة التي ينوون الكتابة عنها، ويلموا بثوابت المجتمعات ومتغيراتها، وعادات الناس وأزيائهم، وماذا يأكلون ويشربون، وحتى تفاهاتهم، من أجل أن يخرج النص صادقا وحكيما، وواثقا من العثور على قرائه.

وبجانب الثراء المعرفي واللغوي لرواية “ظل الريح”، نجد تشويقا عاليا، يبدأ من أول سطور فيها وحتى النهاية، ونادرا ما تحس بملل بالرغم من ضخامة الكتاب، بسبب أن الأحداث تتجدد، ويدخل في كل مرة خبر جديد، يطغى على الأخبار التي سبقته، ونتابع بإحساس قوي أن ثمة مفاجأة ستحدث، وتكون المفاجأة، مزيدا من الانتظار. بعكس أعمال كثيرة تتخللها صفحات مملة أو زائدة عن الحاجة، مثل رواية الإسباني لويس بانديرو، التي أعتبرها رواية عظيمة وحاشدة بالخيال والإيحاءات، لكن تظل فيها صفحات من التداعيات الطويلة، تغري بتجاوزها من دون قراءة.

لقد كتب زافون “ظل الريح” بعد تجارب سابقة مع أدب الناشئين الذي ألف فيه قصصا عدة، وذلك نوع صعب من الكتابة الإبداعية، فأنت لا تعرف ماذا يمكن أن تقدم لقارئ ناشئ، وأظنه يحتاج لموهبة أخرى غير الموهبة الاعتيادية. ولا أدري لماذا اتجه للكتابة للكبار بعد ذلك، لكن أظنها كانت خطوة ناجحة، أخرجت لنا “ظل الريح”، و”لعبة الملاك”، و”سجين السماء”، و”متاهة الأرواح” التي لم أطلع عليها بعد. وهنا لا بد من الإشارة إلى مجهود المترجم القدير معاوية عبد المجيد، الذي نقل لنا جماليات زافون، ودائما ما أقول إن معاوية من المترجمين الذين لا يتخذون الترجمة وظيفة مجردة، لكنهم يمنحونها من روحهم أيضا، ونعثر بهذه الطريقة على أعمال ترجموها، وتمنح إحساسا كأنها كتبت بالعربية، ومن تلك التراجم أعمال أنطونيو تابوكي. وهذا الوصف الموجز ينطبق أيضا على صديقنا الراحل صالح علماني وآخرين أثروا حياتنا بشكل أو بآخر.

رواية “ظل الريح”، أو أعمال زافون في المجمل، تذكرني بسؤال هام، كنت طرحته من قبل، سؤال عن حجم الرواية، وهل من الضرورة أن نكتب روايات ضخمة، أو سمينة، من أجل توصيل فكرة؟ أم نكتفي بما قل ودل من الصفحات؟

بالنسبة لكتاب كثيرين، يبدو موضوع تسمين الرواية نوعا من التباهي بكتاب ضخم، فهي غالبا ما يتم حشوها بالمفيد وغير المفيد، وكلنا يطالع روايات بتلك الأحجام، متكئة على أفكار قصص قصيرة، ولن تصنع المجد لكتابها. في حين أننا نجد مشاريع رائدة في الكتابة، لم تتعد صفحات الروايات فيها المئة وخمسين صفحة، مثل كتب النمساوي استيفن زفايغ، وكتب إبراهيم أصلان ومحمد البساطي من مصر. القارئ لتلك المشاريع، يحس بالرضا تماما، أو يحس بالنشوة من دون أن يكون أرهق ذهنه أو عينيه.

لنتحدث عن تسمين الرواية عند زافون، هل كان ضروريا إذن؟

مؤكد، وقد قلت إن رواية زافون قائمة أصلا على نقل المعرفة، ورصف جغرافية وتاريخ برشلونة، من خلال قصة دانيال ووالده صاحب المكتبة، ونرى أنه ينقلنا من شارع إلى آخر، ومن قصة إلى أخرى، ومن حديث مشوق إلى حديث مشوق، وهكذا، حتى نصل النهاية مبتلين ومندهشين وربما راغبين في القراءة أكثر. وإن كان ثمة خلل بسيط لاحظته في “لعبة الملاك”، الجزء الثاني من الرباعية، وهو ترك بعض الحوادث بلا نهاية، وبعض المواقف بلا رسم أو هوية.

شيء أخير، وهو ما لاحظته عند كتابة رثاء لزافون أو نعيه على صفحات التواصل الاجتماعي من قبل المئات من عشاق كتابته، أن عددا من الملمين بالأدب الإسباني، كتبوا صراحة أن زافون بلا قيمة كبيرة في بلاده، وأن مشروعه اعتبر مشروع “بيست سيلر” عادي، ولم يحظ بجوائز أو دراسات نقدية أسوة بمشاريع آخرين مثل مياس.

ربما يكون المشروع فعلا لم يحظ بالنقد أو الدراسة، لكن ذلك ليس دليلا على ضعفه، أو انعدام قيمته، إنها خصومة معروفة في كل مكان، بين النقد والكتب المنتشرة، التي تكون فيها أعمال جيدة. وهنا أقول إن الكاتب المنتشر لا يحتاج في العادة لإلقاء ضوء نقدي على مؤلفاته، فقد أضاءت بنفسها.

  • كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية