لا تعجبوا من ‘عناد’ الثائرين… فإن ليل القهر طال

حجم الخط
0

د.

جمال حضري في بلدتنا يتداول الناس مثلا يضرب للبلادة حين تستحكم فيقال ‘ماذا تنتظر من أمة يحشدها مزمار مطرب وتفرّقها عصا شرطي’. ولطالما احتشدت جموع غفيرة في الملاعب لأجل الكرة أو سماع مطرب، ولطالما تفرقت تلك الحشود تحت عصي الشرطة، ذاهلة اللب مشتتة الغاية، تنتظر فرصة جديدة للاحتشاد ثم التعرض للضرب اللذيذ! فما الذي جرى حتى تنقلب الحال ويأخذ هذا الجيل مصيره بيديه ويخوض به الأهوال؟ ما الذي تغير في واقع هذا الجيل حتى يتخطى حواجز الرهبة ويكسر قيود القعود المريح والسلامة البليدة؟ ألم نكن منذ عام نعيش حرب داحس والغبراء من أجل كرة القدم؟ ألم يكن مسلسل مهند قد دوخ الجماهير وألزمها الديار والأوكار؟ ألم تبلغ موجة الطرب الهابط بقنواته الذائعة حدا صنعت به رموزا للمجتمع بكل فئاته؟ ألم تعد بطولات الشرطة والجمارك هو ما تحجزه من أطنان المخدرات وحاويات الخمر في بر العرب وبحرهم؟ ما الذي جرى بين البارحة واليوم؟

ليل القهر طال: إن أزهد حكام العرب في الحكم لا تقل سنين حكمه عن العقد من الزمن، وأي شر أدهى من بقاء مسؤول في كرسيه لمدة طويلة؟ والقياس صالح لأدنى مسؤولية إلى أرفعها. وكلما طالت المدة تنبه الحكام إلى حيل مبتكرة في تزيين الواقع وتأبيد بقائهم. فإذا بدا تململ من هنا أو هناك كان الضرب بقسوة تخمد الأنفاس وتحبس الآمال. ثم طال القهر أخص حاجات الناس في المسكن والتعليم والأجور فإذا كلها تصبح مننا من الحاكم بعدما كانت حقوقا. وليس لهذا الركود من نتيجة إلا ذلك الشعور العام بتفاهة الحياة وعبثية الوجود وقدرية الظروف. أليس من المضحك أن تقام الأفراح بمناسبة توزيع المساكن أو إنارة الشوارع أو شق الطرق، ويُسبَّحُ فيها باسم الحاكم وأفضاله، أليس من المفزع أن يشعر الموظف بأن زيادة في راتبه على حقارتها هي هبة من الحاكم وفضل وليست حقا أو مقابل جهد أو نتيجة نضال نقابي مشروع؟! جيل مفرغ من المشاريع: لقد تقزمت الحياة بالنسبة لهذا الجيل فلم تعد تتخطى الحصول على لقمة عيش أو منصب عمل أو مسكن لائق، وهي مطالب قد تستغرق عمر مواطن من شبيبته إلى هرمه، فانظر أي بطولة يخوضها هذا الجيل وراء هذه الضروريات، أما مشاريع الحياة الرفيعة فالرؤوس خلو منها والقلوب أبعد ما تكون. بل إن قلاع المعرفة التقليدية كالجامعات لم يعد يفصلها عن أجواء المقاهي الشعبية فارق كبير من حيث الخصومات التافهة على الأهداف الصغيرة، لم يعد للكادر الأكاديمي من مهام المعرفة شيء ذي قيمة، غير تتبع الرواتب والمنح أما قيادة المجتمع كنخبة فغائبة تماما بفعل تكريس العبثية والسلبية. التسلط الباذخ والرعاية الحصرية: لم تكتف النخب الحاكمة كما كانت سابقا بالعيش المغلق ضمن مجتمع شبه مفصول عن بقية الناس. بل إن التسلط قد أفحش في بذخه فلم يعد يتورع في مقاسمة الناس في الصغير والحقير، فلا تعجب أن تسمع عن كون فلان من دوائر السلطة شريك في المشروع الفلاني. بل إن نكت الناس وصلت إلى اعتبار تجار الشنطة ليسوا إلا واجهة للمتنفذين. ثم إن هذا الاغتناء والاكتناز أصبح سافرا وكأنه استفزاز مقصود للشعوب المقهورة، كيف لا و المتنفذون وأبناؤهم لا يرعوون من الظهور في الملأ بما جادت به حيل الاختلاس، وكأن لذة السطوة لا تكتمل إلا في الأعين الحسيرة للضحايا. بل إن دوائر التسلط لم تعد تسمح بنمو أي ثروة أو شهرة بعيدا عنها فلا نوادي الكرة ولا المؤتمرات والأحداث التاريخية سلمت من تسلطها تحت عناوين الرعاية المختلفة، حتى التبس تسجيل أهداف كروية بخطوط السيادة الوطنية وحتى غدا تناول فكرة أو بند من وثيقة تاريخية للنقاش والتفكير أو ذكر خصومة تاريخية على سبيل التناول الموضوعي لأخطائنا تجاوزا للصلاحية وتعديا على ذاكرة الأوطان. الأنظمة من رعاية الناس إلى تحصين الذات: ولأن كل ما في أيدي هذه الأنظمة هو غنائم حيزت بألف حيلة ووسيلة، ولأن البقاء في السلطة هو ضمانها فقد أصبح الحفاظ على الذات مهمة وطنية، والوفاء ‘للمنجزات’ شعيرة قومية، والجهد المبذول في سبيل ترسيخ الحكم شرف لا يدانيه شرف. فهل تعجب من مليارات الدولارات تنفق على العدة والسلاح إذا علمت أن الغاية هي تأمين الذات الحاكمة. كيف لا وكل ما تحوزه سلب وغنيمة. وإن تعجب فمن روح السلام والوفاق بين هذه الدول النمطية، فهي لا تختصم إلا في أبواق الإعلام كي توفر للمغلوبين في مقاهيهم مادة للجدل والخصام الفارغ، أما ذات بينها فأحلى من العسل، ألا تسمع بالحاكم الفلاني يقضي إجازة الصيد عند أخيه الحاكم العلاني، والآخر يشتري إقامات ويشغل أموالا لدى جاره الحاكم الآخر، بل إن الأعراس والحفلات العائلية تدعى لها العائلات الحاكمة من شتى البلدان تستوي في ذلك التقدمية والرجعية، المتزمتتة والمتفلتة. فنحن بصدد تحالف مصلحي نادر تجاوز كل الاختلافات السطحية المعلنة ويعيش حياته الخاصة بكل براغماتية. فلم يبق إلا المواطن يعلك وهم الخلاف بين هذه الجمهورية وتلك المملكة ويجتر أنباء الخصومة بين هذا القائد وذاك الأمير.

العالم المحرج بسلوك حكامنا: مهما قيل عن نفعية الآخر وموازينه المادية فلا تغرب عن أنظارنا مجموعة من القيم التي لم يعد الزمن يسمح بخرقها، لم يعد مقبولا تكديس االمليارات في الخارج والناس يحطم بعضها بعضا في طوابير الخبز، ولم يعد مستساغا رؤية أبناء الزعيم الفلاني يجوبون ردهات أفخم الفنادق وأفحش المنتزهات ومحتشدات من السكان تطفو بيوتها فوق المستنقعات. لم يعد جائزا توزيع الهبات يمينا وشمالا تارة للمنظمات الثورية وطورا للجمعيات الاجتماعية وأهل البلاد ‘يتضورون’ بطالة وإفلاسا، لم يعد كل ذلك قابلا لغض الطرف لأن المعمورة أصبحت من التفاعل بحيث إن مشكلة هناك ترتج بنتائجها هنا. عند هذا الحد لم تعد الدول المتحكمة بقيادة العالم تسمح بولادة مشاكل الآخرين لديها، فمن رغب في الحبل فعليه تحمل الولادة والمخاض جميعا. وحتى هذا لم يعد على إطلاقه فالكل مشروط بألا تتجاوز الحدود. فكانت الثورة.. وكان ‘عناد’ الثائرين: ما الذي كان يتوقعه الحاكمون بعد كل ذلك؟ أليس الثمر من جنس البذور؟ ما المنتظر من جيوش من العاطلين أو المهمشين أو المفرغين من كل حلم والمسلوبة آمالهم ومقدراتهم؟ ما المتوقع من أجيال من الحيارى الذين يتفرجون على قوم من بني جلدتهم قد سبقوهم إلى كل منفعة لا يؤهلهم لها عقل ولا فهم بل النَّسَبُ والنَّصْب. إن الأفئدة الخالية صادفت شعار الحياة والحرية فامتلأت به وانتفضت فلا ننتظر منها سماع كلام آخر. كيف وقد عمدت الأنظمة إلى تحطيم كل قيم الكلمة ومصداقيتها. فلم يعد إلا الفعل والحركة معيارا للتغيير. فهل نعجب من هذا العناد الذي تصوره أيام وليال يقضيها الشباب في الميادين يفترشون أملا جديدا وحلما ناهضا ومشاريع ولدت للتو من رحم العذاب. لا نعجب من إصرار الثائرين وهم يُدفَعون إلى حراسة حلمهم الوليد باليد والسلاح بعد أن ظنوا أن صرخة مدوية في أذن الحاكم البليد تكفي ليفهم أن الساعة ساعة رحيل! هل نعجب من صمودهم وهم يخرجون الليل والنهار ليقدموا الشاهد تلو الشاهد على انعتاق القلوب والعقول من أوهام الحكام وأكاذيبهم، ليسمح لنا المتنبي بهذا التغيير الطفيف على بيته الشعري الذائع.

لا يسلم ‘الأمل’ الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدمألا ما أقسى أن يحتاج الأمل إلى الدم كي يتحقق. ألا ما أتعس الحاكم البليد إذا أحوج شبابا يانعا يتطلع للحياة إلى الموت، ألا ما أجمل هذا العناد… عناد الثائرين وهم يصنعون تاريخهم ويوقعون ميلاد أمة من جديد بالدماء الغزيرة… اللهم تقبلهم شهداء سعداء.. ‘ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية