ليبيا تخلط أوراق النقاش السياسي التونسي وتزيد حرب الاستنزاف بين النخبة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

تدفق اللاجئين من ليبيا أدى زاد الضغط على الاقتصاد التونسي

لم تظهر آثار النزاع الليبي أكثر منها في الجارة التونسية، التي طالما تأثرت وعبر العقود من سياسات الزعيم الليبي المتقلب معمر القذافي، بين الرغبة في الوحدة التامة مع تونس ودعم المتمردين كما بدا واضحا في حادث قفصة في كانون الثاني/يناير 1980.

وتكرر الأمر بعد ثلاثة عقود تقريبا عندما حاول أكثر من خمسين متشددا عام 2016 احتلال بلدة بن قردان القريبة من الحدود الليبية وإعلان إمارة إسلامية تابعة لتنظيم “الدولة” الإسلامية.  ولخصت الحادثتان الدور الذي يمكن أن تلعبه ليبيا، تحت ديكتاتورية أو مقسمة بين حكومتين واحدة في الشرق وأخرى في الغرب بخلق حالة من الاستقطاب السياسي التونسي.

وانعكس هذا الوضع في الزيارة الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيد إلى فرنسا واجتماعه يوم الإثنين مع الرئيس إيمانويل ماكرون. وكانت ليبيا حاضرة في حديث الرئيسين، حيث حذر ماكرون تركيا التي باتت تلعب دورا بارزا في الشأن الليبي مما أسماه “اللعبة الخطيرة” في ليبيا فردت عليه تركيا بأنه يعاني من كسوف عقلي ومن فقدان للذاكرة ويتعامى عن دوره في منح الشرعية لأمير الحرب خليفة حفتر ودور فرنسا في الحرب الأهلية بشكل عام.  ورغم ادعاء الحياد في الملف الليبي والتأكيد على الحل السياسي للأزمة الليبية وضرورة مشاركة الليبيين أنفسهم بحل الأزمة بعيدا عن التأثيرات الخارجية، إلا أن الرئيس سعيد أدلى بدلوه بالأزمة عندما دعا عددا من ممثلي القبائل في ليبيا وحثهم على عقد “لويا جيركا” ليبية على غرار الأفغانية وكتابة دستور جديد للبلاد.

وفاق أم حفتر؟

فتونس من الناحية الرسمية تعترف بحكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتحدة، ولديها قنصلية صغيرة في العاصمة طرابلس، إلا أنها من الناحية العملية موزعة في الداخل بين دعم الوفاق وحفتر. فالجرحى في الحرب المستمرة يتلقون العلاج في تونس، سواء من جانب حكومة الوفاق أو من جانب حفتر، حيث يتم وضعهم في مستشفيات منفصلة. ويبدو واضحا الاستقطاب السياسي الليبي على الساحة التونسية، فمن ناحية تدعم حركة النهضة التي يتزعمها الشيخ راشد الغنوشي وائتلاف الكرامة حكومة الوفاق الوطني. بينما تؤيد المعارضة بقيادة الحزب الدستوري الحر، الذي أنشأه مؤيدو الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، حفتر. وأشار تقرير لموقع “المونيتور” (21/6/2020) إلى أن الصراع على ليبيا عمق الانقسام الموجود بين أطراف اللعبة السياسية وزاد عليه. بل ولم يعد الانقسام داخل البرلمان بل ويشارك فيه الرأي العام.

وأدى التدخل التركي إلى جانب حكومة الوفاق لرفع الحصار عن طرابلس وهزيمة قوات حفتر التي تراجعت مئات الأميال إلى سرت في شرق ليبيا. وفي الآن نفسه بدأت الولايات المتحدة تتململ من التدخل الروسي في البلد الجار. فإلى جانب المرتزقة التابعين لشركة “فاغنر” صعدت موسكو بنشر طائرات ميغ-29 وأس يو-24 المقاتلة دعما لقوات حفتر. وقد شجبت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا في سلسلة من التغريدات. وقال العميد الجنرال برادفور غيرنغ، مدير عمليات القيادة المركزية في بيان صحافي: “إن تدخل روسيا المستمر في ليبيا يزيد من العنف ويؤخر حلا سياسيا” واتهم روسيا بـ “الدفع نحو إيجاد موطئ قدم لها في الجناح الجنوبي لحلف الناتو على حساب أرواح الأبرياء الليبيين”. وعندما ظهرت الأخبار بأن البنتاغون سيرسل مدربين عسكريين إلى تونس، زادت التخمينات بأن أمريكا تخطط لإنشاء قاعدة عسكرية. ورد وزير الدفاع التونسي، عماد الحزقي قائلا: “نحن لا نسمح لأي قوات أجنبية أن تتواجد في بلدنا”. وتلعب أمريكا دورا مهما في مساعدة تونس على تأمين حدودها مع ليبيا ضد اختراق الجهاديين، فقد كانت البلد هدفا لسلسة من الهجمات الدموية من عناصر مرتبطين بتنظيم “الدولة” و”القاعدة” عبر العديد منهم من ليبيا. وبعد سقوط قاعدة الوطية في 18 أيار/مايو اتصل الشيخ راشد بالسراج مهنئا له وهو ما أثار استياء سعيد لأنه اعتبر المكالمة تعديا على صلاحياته الدستورية. وقال في خطاب تهنئة بعيد الفطر: “يجب على الجميع أن يدرك أن هناك تونس واحدة ورئيسا واحدا على مستوى الوطن والخارج”. وبنفس المثابة لام الاتحاد العام التونسي للشغل، والذي تصل عضويته إلى نصف مليون شخص، بالتظاهر ضد التدخل التركي في ليبيا وضد أي زيادة في التواجد الأمريكي، ولكن المتظاهرين لم يقولوا أي شيء عن التدخل الإماراتي. ودعت زعيمة الحزب الدستوري الحر المعادية للإسلاميين، عبير موسي، إلى عقد دورة استثنائية للبرلمان للتصويت على قانون يرفض كل تدخل أجنبي في ليبيا ويرفض استخدام تونس كنقطة انطلاق للعمليات العسكرية هناك. وتم رفض القانون خلال دورة ماراثونية استمرت 20 ساعة في 3 حزيران/يونيو، قامت خلالها المرأة البالغة من العمر 45 عاما بالضغط من خلال أسئلتها على رئيس البرلمان بتهمة تبعيته لتركيا وقطر. والغريب أن الإعلام السعودي والإماراتي نقل الجلسة البرلمانية على الهواء وبعنوان مضلل “مساءلة الغنوشي”. وكان الغنوشي قد سافر إلى تركيا في كانون الثاني/يناير والتقى الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان خلف أبواب مغلقة. وكان من الواضح أن تلك الزيارة كانت للتعويض عن عدم مقابلته لاردوغان عندما قام بزيارة غير مخطط لها في كانون الأول ديسمبر والتي جاءت حسب التقارير ليطلب من الرئيس التونسي أن تكون تونس نقطة انطلاق للتدخل العسكري التركي في ليبيا، حيث تم رفض الطلب. وأثيرت تكهنات حول منع سعيد لقاء بين اردوغان والغنوشي في تونس. ذلك أن العلاقة بين الغنوشي وسعيد ليست جيدة. وحاول الغنوشي ابتداء كسب سعيد. فقد ساعدت قاعدة النهضة سعيد على الفوز في الانتخابات الرئاسية العام الماضي. وعلى العموم فرضت المعارضة رؤيتها في رفض التدخل الأجنبي حيث استطاع حزب صغير ليس لديه سوى 16 مقعدا حشد 94 صوتا لصالح مقترحه. وصوت لصالحه أعضاء في الائتلاف الحاكم من حركة الشعب وتحيا تونس. وهو ما دعا الغنوشي للمطالبة بتعديلات في الحكومة. وردت المعارضة أن رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ هو من يقرر تغيير وزراء لا رئيس البرلمان.

حرب إعلامية

ويأتي الجدل والتناحر بين النخبة الحاكمة في تونس في ظل حملات إعلامية وبلغات متعددة من شبكات موالية للإمارات أو قطر وتركيا بما فيها شبكات في تونس. فمن ذلك زعم الصحف الموالية للحكومة في تركيا أن الإمارات تخطط لانقلاب يطيح بالغنوشي. بينما قام الإعلام المدعوم من الإمارات بنشر ادعاءات دون دليل بأن الغنوشي فاسد. ويجري هذا النقاش وسط أزمات اقتصادية ومستويات من البطالة وإحباط جيل ثورة الياسمين من التغيير، وهو الجيل الذي قرر معاقبة النخبة السياسية نفسها وصوت لرئيس بدون حزب أو قاعدة تقليدية، فيما تراجعت حظوظ الأحزاب التي تسيدت الساحة بعد خروج زين العابدين بن علي من الساحة السياسية. والمشكلة في تونس أن النزاع في ليبيا بين أطراف دولية وإقليمية فاعلة على الساحة التونسية وتقدم الدعم والعون للبلاد. وحتى لو قال التونسيون على اختلاف أطيافهم رأيهم بما يحدث من نزاع عسكري فلن تغير مواقفهم السياسة من ميزان الحرب. وما تحتاجه تونس هي حكومة مستقرة قادرة على حل الأزمات.

ما بعد كورونا

وكان تعامل البلد مع وباء فيروس كورونا محلا للثناء، ومن هنا اقترحت ورقة للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في ورقة بحثية نشرها في حزيران/يونيو 2020 إلى الاستفادة من تجربة مواجهة فيروس كورونا والبدء بإصلاحات بنيوية. فرغم ما أحدثه الوباء من متاعب اقتصادية وتباين اجتماعي، جهوي ترافق مع غياب في العناية الصحية وعدم استقرار سياسي، إلا أنه قد يكون فرصة لإعادة تشكيل أولويات البلاد ومعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تنتظر منذ عام 2011. فالتأخر في تشكيل حكومة الفخفاخ وعدم منح الثقة للحبيب الجملي، كشفا عن صعوبة بناء اجماع سياسي أبعد من مصالح القوى السياسية.  وفي مرحلة ما بعد فيروس كورونا هناك على ما يبدو اجماع حول ضرورة إنهاء حرب الاستنزاف بين القوى السياسية والتشارك في تحمل أعباء الإصلاح. وحتى تتوصل النخبة إلى تسويات فإنها قد تؤدي إلى إضعاف عملية التحول الديمقراطي، وهي الوحيدة بين دول الربيع العربي، وبالتالي تأخير جديد لتحقيق أحلام جيل الثورة. ولن يتم هذا بدون حكومة قوية ومستقرة تستطيع مواجهة التحديات الاقتصادية والصحية. ورغم الخلافات في الهوية والبرامج للأحزاب التونسية في البرلمان والمشاركة في الائتلاف إلا أن الوحدة التي بدت بينها في مواجهة الوباء قد تكون أساسا للتوافق على أولويات الإصلاح. وهذا يعني مشاركة كل الأطراف بخطة الإصلاح وتنسيق الجهود بين الرئاسة والحكومة والبرلمان.

العامل الليبي

وتظل ليبيا مهمة في الإصلاحات الداخلية، فكما يقول فردريك ويهري بورقة نشرتها وقفية كارنيغي للسلام العالمي في آذار/مارس 2020 فليبيا عامل مهم في التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي. ونسب البنك الدولي التراجع بنسبة 24 في المئة من الناتج المحلي العام في الفترة ما بين 2011- 2015 للاضطرابات في ليبيا. وكان تراجع تحويلات العاملين التونسيين الذين عادوا إلى بلادهم بسبب العنف في ليبيا حادا، حيث انخفض بنسبة 32 في المئة وذلك في الفترة ما بين 2010 2014. ومن تبقى من التونسيين هناك يتعرضون لتهديدات الفصل من العمل أو الانتقام حالة اعتقلت السلطات التونسية ليبيين. وفوق كل هذا أدى تدفق اللاجئين من ليبيا إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد التونسي. ورغم عودة معظمهم إلى بلادهم إلا أن تونس تحضر لموجة أخرى نظرا لاستمرار الحرب. وفي غياب حكومة مستقرة في الجارة فإن القلق على تأمين الحدود بين البلدين يظل مستمرا، وهذا بخلاف الوضع مع الجزائر، حيث شهدت المنطقة الحدودية تمردا خافتا، وتظل الجزائر شريكا مستقرا لتونس مقارنة مع الوضع في ليبيا الذي تتحكم بحدودها مجموعات مسلحة يضطر الجيش التونسي التعامل معها في تأمين الحدود. وخلقت عملية حفتر في نيسان/إبريل 2019 ضد طرابلس وضعا معقدا لتونس. فقد جلبت العملية معها أسلحة متقدمة مثل جافلين وكورنيت ومرتزقة روس وطائرات مسيرة صينية الصنع وتركية. وكانت تونس موزعة في موقفها “المحايد” بين حكومة ضعيفة وجنرال لا يحترم الديمقراطية. وطالما استمر النزاع في ليبيا فستظل تونس تتأثر به أمنيا واقتصاديا وعسكريا. وهي مضطرة لتأمين حدودها ومكافحة التسلل والتهريب ومنع الإرهابيين من العبور لتنفيذ هجمات على الأراضي التونسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية