القاهرة – «القدس العربي»: للسينما لغتها الخاصة، التي يستطيع بها فنان الفيلم التعبير عن رؤيته، وللسينما تعريفات كثيرة، ولكن معظمها يؤكد على أنها هي فن الصورة «فن وصناعة إنتاج الصور المتحركة»، لذلك فإن الصورة، تلعب الدور الأساسي في اللغة السينمائية، وتعد وحدة لغوية صغرى في الخطاب السينمائي، فهي التي تشكل اللقطة والمشهد، وبالتالي تشكل المعنى العام للفيلم، فالسينما بدأت صورة وبعد أن استقرت تشكيليا من خلال النقد وصولا إلى التنظير.
وفي كتابه «قراءات خاصة في مرئيات السينما»، يعيد الدكتور ناجي فوزي قراءة المرئيات في عدد من الأفلام، التي كتبت فيها مئات المقالات حتى يظن البعض، أن هذه الأفلام لم يعد بها جديد يمكن الحديث عنه، ولكن ناجي فوزي بعين الناقد المتمكن والباحث المخلص العاشق للسينما، يفاجئنا في كتابه بقراءة جديدة من زوايا مختلفة لكل فيلم من الأفلام السبعة التي تناولها في كتابه.
«بداية ونهاية» للمخرج صلاح أبو سيف
وخصص الكاتب الفصل الأول، لفيلم «بداية ونهاية» للمخرج صلاح أبو سيف، وأطلق عليه عنوان «مرئيات التراجيديا السينمائية المحكمة بين الفيلم والنص الأدبي»، فالفيلم كما هو معروف مأخوذ عن رواية بالإسم نفسه لنجيب محفوظ، الذي وصف ناجي فوزي الأدب الخاص به بأنه من نوع الأدب الزاخر بوصف المرئيات، مما يحفز السينمائيين الذين يعملون على الأفلام المأخوذة عن أعماله الأدبية على تجسيدها في أقصى طاقة بصرية ممكنة، وهو ما تحقق بالفعل في فيلم «بداية ونهاية»، وبرأي الكاتب مدللا على ذلك بمرئيات الفيلم بداية من الافتتاحية، مشيرا إلى المفردة المرئية التي لم يفطن إلى دلالتها أحد وفيها يبدو حسنين علي مبعدة بين براثن المطرقة والحديد، الذي تشكله، حيث استشف منها تعبيرا مرئيا مكثفا عن هضم المجتمع لحقوق هذه الطبقة المعدومة، التي ينتمى إليها حسنين بشكل عام، وفي الوقت ذاته يدلل على المصير الذي ينتظر حسنين في نهاية الفيلم، رغم كل طموحاته وتطلعاته المستميتة طوال أحداثه.
فيلم «المومياء» للمخرج شادي عبد السلام
أما الفصل الثاني من كتابه فخصصه ناجي فوزي لفيلم «يوم أن تحصي السنين – المومياء» للمخرج شادي عبد السلام بعنوان «حقيقة مرئيات البعد الرابع».
وركز الكاتب في دراسته، على دور الإضاءة واللون في تأسيس المسافة الزمنية بين المشاهد ومحتويات الشاشة، مشيرا إلى أن هذه المسافة هي محصلة لجميع الأدوات الفنية التي استخدمها شادي بمهارة، لافتا إلى أنه لجأ إلى نوع من التغريب المقصود لخلق هذه المسافة الزمنية، بداية من استخدام اللغة العربية الفصحي المبسطة، وأسلوب الآداء الصوتي لأبطاله.
وهو يرى أن من أهم ما يميز الفيلم ذلك الثراء الفني في استخدام الإضاءة والألوان، فبجانب الاستخدام المتعمد لأسلوب الإضاءة للسينمائية والألوان، يبدع فنان الفيلم في طريقة استخدام أشعة الشمس المباشرة ذاتها في الفيلم، وكسر القوعد الأكاديمية للتكوين لغرض فني محدد، والحل الإضائي لتأكيد خلود آثار المصريين القدماء، والمقابلة بين أنواع مصادر الضوء، والتعبير الفني عن انتهاء المعاناة النفسية لبطل الفيلم، وكذلك إبراز المدلول الحضاري الخاص لباخرة البعثة الحكومية، بالإضافة إلي ما تعنيه ألوان ملابس الشخصيات من ارتباط بأفعالها وأفكارها معا، وهكذا.
ثم يبدأ الكاتب بعد ذلك في استعراض مفصل لهذه العناصر، مشيرا إلى أن الإضاءة غير المباشرة كانت مناسبة لأحداث الفيلم.
ولم يغفل الكاتب الإشارة إلى شيء مهم في فيلم «المومياء»، وهو طريقة تعامل فنان الفيلم مع الظروف الضوئية.
ويشير الكاتب إلى عدد من المقابلات الضوئية، التي حققها الفيلم، ومنها المقابلة بين مصابيح البعثة كوسيلة اضاءة مستحدثة، وبين مشاعل أهل القبيلة كوسيلة بدائية، وهي غير ثابتة، مما يمثل نوعا من الترديد المرئي لوجهة نظر ونيس وشقيقه نحو تصرفات أهل الجبل مع جثث الموتي.
ويرى أن فيلم «المومياء» يقدم مفهوما جديدا لبعثة المومياوات المصرية القديمة، وهو المفهوم الذي يعني التعرف على هذا الجانب من الوجه الحضاري للمصريين القدماء متمثلا في معتقداتهم الدينية وفي تقدمهم العلمي المذهل، الذي يتبدى جانب منه في حفظ الأجساد لبشرية على هذا النحو من آلاف السنين.
وفي نهاية دراسته يشير إلى أن الفيلم اتسم بنوع من التنميط في ملابس الشخصيات، وكان هناك ارتباط للون الخاص بالملابس بشخصية معينة أو شخصيات معينة، مدللا بملابس رجال القبيلة السوداء وملابس رجال بعثة الآثار البيضاء.
فيلم «الشوارع الخلفية»
وفي الفصل الثالث عرض الكاتب لقراءته لفيلم «الشوارع الخلفية» في 46 صفحة» تحت عنوان «الفنان التقليدي يخوض تجربة الخروج على المألوف»، ويرى ناجي فوزي أن تميز فيلم «الشوارع الخلفية»، يعود إلى مواصفات الشكل السينمائي، الذي يصب فيه كمال عطية رؤيته السينمائية للمضمون الروائي للقصة، بحيث يمكن القول إنه قام بتحويل الشوارع الخلفية من رواية أدبية طويلة إلى حالة سينمائية خاصة تجمع بين الإتجاه الفكري للأديب واتجاه الفنان السينمائي، من خلال لغة سينمائية خاصة، تمثل نوعا من تجربة الخروج عن المألوف، ليختلف الفيلم عن كل ما قدمه كمال عطية.
ويدلل ناجي فوزي على رأية من خلال تحليل الفيلم، ويرى أن الفيلم يعبر عن حالات خاصة للشخصيات بأكثر مما يقدم من وقائع للأحداث، مشيرا إلى عدة ظواهر يمكن ملاحظتها على أسلوب إخراج هذا الفيلم، منها تقديم معظم مشاهد التخيل من خلال مصاحبة المؤثرات لصوتية دون حوار، إضافة إلى صفة التكتل التي تغلب على لقطاته الجامعة لعدد من الشخصيات، واستخدام المنظر السينمائي الكبير.
كما يميل المخرج، كما يقول الكاتب إلى الإخراج من العمق، وذلك من أجل وضع شخصياته الفيلمية في علاقات شكلية ذات ملامح واضحة، كما جمع بين التسلسل الزمني التقليدي، وبين ذلك الاتجاه السينمائي الحديث في ذلك لوقت «نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات» في الكشف عن المشاعر المستبطنة بعدد من الوسائل السينمائية، كما يشير الكاتب إلى أهمية دلالات الأشياء التي استخدمها مخرج الفيلم.
ويعنون ناجي فوزي الفصل الخاص بفيلم «زوجتي والكلب» بـ«درس خاص في الشكلية الخالصة لتقنيات التصوير السينمائي»، مشيرا إلى أن فنان الفيلم ينحو بشدة نحو تقديم مرئياته من خلال طبقة إضاءة منخفضة، ويلفت إلى عناصر مرئية أخرى ساهمت في دعم هذا النوع من الشكلية البصرية، مثل اختيار مكان التصوير وأداء الأشياء، ويتحدث بعد ذلك عن تأثير الإمكانيات التقنوية لآلة التصوير السينمائي، ثم عرض لدور عدسات التصوير السينمائي، واستغلال زوايا التصوير استغلالا طيبا في كل اتجاهاتها ومستوياتها الفرعية.
ثم يبدأ الكاتب في تحليل مرئيات فيلم «ليل وقضبان» للمخرج أشرف فهمي في الفصل الخامس بعنوان «التطرف في تباين المرئيات»، حيث يشير إلى أن الفيلم يقدم شخصياته الأربع الرئيسية أحادية الجانب محصورة بين اللونين الأسود والأبيض، ليكرس نوعا من التباين يصل إلى حد التطرف، موضحا أن هذا التطرف لا يتصل بفكرة التباين الضوئي فحسب، بل يتصل بأغلب العناصر المرئية المؤثرة في الصورة السينمائية، فيسري على الحجوم وزوايا التصوير وحركة الممثل في بعض المشاهد، ووهو يرى الكاتب أن أشرف فهمي نجح في التعبير مرئيا عن سطوة الجبل على مشعر الشخصيات في الفيلم، كما أكد عليها من خلال الإلحاح الصوتي في الحوارات.
ويرجح ناجي فوزي أن إنتاج الصورة السينمائية في فيلم «ليل وقضبان» بالفيلم الأسود أبيض هو اختيار حر لفنان الفيلم، ليتناسب مع اتجاهه نحو التطرف في التباين.
أما الفصل السادس من الكتاب، فتم تخصيصه لفيلم «العصفور»، بعنوان «درس في الحركة»، حيث قام بتحليل مكونات الكادر واتجاهات شخصياته، وقد قام الكاتب بتحليل الاتجاهين الرئيسين في الفيلم وهما اتجاه نحو يمين الصورة «من وجهة نظر المتفرج» الذي اتخذه فنان الفيلم رمزا لكل شيء يراه إيجابيا، وعلى العكس اتجاه اليسار»من وجهة نظر المتفرج ايضا ورمز به للشخصيات والأحداث السلبية، تبعا لأحداث الفيلم، وأشار الكاتب إلى الإيقاع اللاهث الذي تميز به الفيلم، كما لفت لحركة بهية في نهاية الفيلم والتي كانت تشبه حركة العصفور المحلق.
وخصص الكاتب الفصل السابع والأخير من الكتاب، لفيلم «شفيقة ومتولي» للمخرج علي بدرخان، ويقارن فيه بين الطابع الملحمي الشعبي للحكاية، والطابع الملحمي البصري للفيلم، والذي بدا بوضوح منذ مشهد البداية، ويشير كذلك إلى التكتل العددي الذي إستخدمه فنان الفيلم بتعدد الوحدات داخل إطار الصورة، والذي يمنحها صفة التلاحم، مستعرضا أمثلة للتكتل العددي في الفيلم، العنصر الثاني من عناصر ملحمية الصورة برأي الكاتب هو «التراكب الموضوعي»، الذي استخدمه فنان الفيلم، أما العنصر الثالث فهو الاقتراب الحميمي، إضافة لعناصراخرى مساعدة تشترك في تحقيق هذه الملحمة البصرية، مثل المسطحات المائية، والحركة العنيفة، والعراك المتلاحم، والاستغلال الفني لفكرة المبالغة في المنظور.