القاهرة ـ «القدس العربي»: تواصلت الإدانات لمنع قوات الأمن المصرية مجلس نقابة الأطباء في البلاد، من عقد مؤتمرهم الصحافي الذي كان مقررا له أمس الأول السبت، للرد على تصريحات رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، التي اتهم فيها الأطباء بالإهمال والتقصير والتسبب في زيادة حالات الوفاة بين مصابي كورونا.
يذكر أن نقابة الأطباء أعلنت أمس الأول السبت، عن تأجيل عقد المؤتمر الصحافي الذي كان مقررا عقده في النقابة لأسباب تقنية لحين إشعار آخر، فيما قالت مصادر إن قوات الأمن منعت أعضاء مجلس النقابة من دخول مقر النقابة إلا بعد إعلان تأجيل المؤتمر الصحافي.
الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء المصريين السابقة، انتقدت منع قوات الأمن أعضاء مجلس النقابة ونقيب الأطباء من دخول نقابة الأطباء.
وكتبت على صفحتها على «فيسبوك» تحت عنوان (قوات الأمن منعت المؤتمر الصحافي، ووضع الأطباء بين المطرقة والسندان) «أدين هذه التصرفات التي تمنع الأطباء في عز أزمة تفشي وباء كورونا من مناقشة مشاكلهم الخطيرة، والمطالبة بحلول لصالحهم ولصالح كل الوطن، وأذكر الجميع أن كتم المشاكل لا يحلها، ولكن للأسف يفاقمها لدرجات تهدد أمن وسلامة جميع أفراد الفريق الطبي وسلامة جميع المواطنين».
كارثة
وتابعت: «أعضاء الفرق الطبية يتعرضون لكارثة، حيث بلغت وفيات الأطباء وحدها حوالى 95 شهيدا بنسبة 3.5٪ من إجمالي وفيات المصريين، في حين أن وفيات الفريق الطبي في دول أخرى تتراوح ما بين 0.5٪ في انكلترا و1.3٪ في إيطاليا، بما معناه وجود مشكلة شديدة في توافر وكفاءة الواقيات وكل نظم مكافحة العدوى في المستشفيات، بالرغم من كل مخاطبات ومطالبات النقابة المتعددة».
وبينت أن «هناك انفلاتا متزايدا في نسب الإصابات والوفيات، حيث تضاعفت نسب وفيات الأطباء في العشرين يوما الأخيرة» .
وأضافت: «لم تتم الاستجابة لمطالب بسيطة وهامة جدا في هذه الفترة الحرجة، مثل توفير حماية شرطية للمستشفيات وإصدار تشريع بتشديد عقوبة الاعتداء على الأطقم الطبية، رغم أن هذه المطالب لا تكلف أي أعباء مالية، وهي مطالب أساسية لمنع الفوضى والمزيد من تفشي العدوى في المستشفيات، وتساقط الأطقم الطبية لتخلو منهم المستشفيات نتيجة الإصابة والوفاة وليس نتيجة التقاعس».
وأكدت أن «مطالبة النقابة بمعاملة شهداء الأطباء والفرق الطبية معاملة شهداء الجيش والشرطة من حيث التكريم الأدبي والتعويض المادي، مطالب لم تنفذ حتى الآن، رغم الكثير من التصريحات الجميلة التي ما زالت تنتظر وتحتاج وضعها على أرض التنفيذ بقرارات تنفيذية فورية».
وتابعت: «زاد الوضع سوءا التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء، والتي تلقي اللوم فيما يخص وفيات أهلنا مصابي كورونا على غياب الأطباء وتقاعسهم، ليتم تحميل الأطباء وزر الوفيات اليومية المتصاعدة، خاصة مع إلغاء الإجراءات الاحترازية أثناء تصاعد معدلات الإصابة والنتيجة المتوقعة هي المزيد من الاعتداءات، والمزيد من الإصابات والوفيات وسط الفريق الطبي، والمزيد من استفحال المشكلة».
وأضافت: «وسط كل هذا ما زال حوالى 7 آلاف طبيب شاب حديث التخرج ينتظرون قليلا من المرونة من وزارة الصحة، ليتم التوافق على حل مشكلتهم على حد أدنى مقبول لهم، ليتمكنوا من الانضمام للعمل في وزارة الصحة، لعلهم بعد تدريب وتأهيل جيد وسريع يساعدوننا في تغيير الوضع الكارثي الذي ننحدر له بسرعة».
تهديدات أمنية
وأضافت: «نجد أن من يحاول أن ينتقد أو يناقش المشكلة يتعرض لتهديدات ومضايقات أمنية، تصل لإلقاء القبض عليه، كما أوضحت مخاطبة سابقة موجهة من النقابة للنائب العام، ووصل الأمر لإلقاء القبض على أحد أعضاء مجلس النقابة».
مينا: من يحاول مناقشة المشكلة يتعرض لتهديدات ومضايقات أمنية
وتابعت: «ما زلنا نحتاج بالإضافة لاعتذار رئيس الوزراء عن التصريحات المحرضة على الأطباء، توفير واقيات مطابقة للمواصفات، وتوفير نظام يكفل الالتزام بإجراءات مكافحة العدوى، وتوفير تأمين شرطي للمستشفيات، وسرعة إصدار قانون لتشديد العقوبة، وإصدار قرارات تنفيذية لتكريم وتعويض شهداء الفرق الطبية، وحل مشكلة أطباء التكليف، مع سرعة الإفراج عن الزملاء تحت الاحتجاز بسبب مطالبتهم باساسيات لحماية أرواحهم وأرواح زملائهم». الكاتب الصحافي أحمد السيد النجار، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق، قال إن «هناك خطأ طويل الأجل في تقدير مكانة الإنفاق العام على الصحة في مصر»، مؤكدا أنها «الأدنى عالميا وإقليميا».
وطالب بـ«توفير الحماية للأجهزة الطبية والتمريضية والصيدلية والمحاسبة الإدارية للمقصرين منهم، بعيدا عن استهدافهم بالإدانة العامة التي يمكن أن تزيد التنمر الاجتماعي غير الإنساني في مواجهتهم في وقت تحتاج إليهم الأمة لحماية حياة أبنائها».
ضعف الإنفاق على الصحة
وقال في منشور له على «فيسبوك» تحت عنوان «غياب الأطباء أم ضعف الإنفاق العام؟»، إن «رئيس الوزراء، حمل مسؤولية زيادة الوفيات لغياب بعض الأطباء، ووجه المحافظين لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة ذلك. وهذا الخطاب مغاير لخطاب الرئيس الذي وجه الشكر للأطقم الطبية وطلب إطلاق أسماء شهدائهم على الشوارع والمدارس والمشروعات».
وأضاف النجار: «فهل تقع المسؤولية على الأطباء فعلا أم على ضعف الإنفاق الحكومي على الصحة الذي بلغت مخصصاته في موازنة عام 2020/2021 نحو 93,5 مليار جنيه أي ما يعادل 1,37٪ من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام المذكور، وهو أقل من ربع المعدل العالمي للإنفاق العام على الصحة، وأقل من نصف النسبة التي حددها دستور 2014 للإنفاق العام على الصحة (3 ٪ على الأقل)!»..
وتابع : «بالطبع يترتب على هذا المستوى من الإنفاق العام نقص في المستشفيات والتجهيزات والأدوية بما يجبر بعض المرضى للتوجه للقطاع الطبي الخاص بأسعاره التي لا توجد رقابة عليها ولا تتحملها غالبية الشعب. ويعاني العاملون في الجهاز الطبي والتمريضي والصيدلي لدى الدولة من ضعف الرواتب والبدلات مقارنة بفئات أقل تفوقا، ومقارنة باحتياجات الحياة الكريمة واللائقة».
وواصل النجار قائلا إن «هذه الظروف الملتبسة يمكن أن تدفع بعض الأطباء للابتعاد أو حتى الاستقالة أو التقصير الذي تجب محاسبتهم عليه، لكن الغالبية الساحقة صابرة وتؤدي واجبها الإنساني والوطني وتستحق الشكر العميق والتكريم بدلا من استنفار التنمر عليهم».
وزاد: «الإنفاق العام على الصحة في مصر يبلغ نحو 5.5٪ من إجمالي الإنفاق العام في الموازنة العامة للدولة لعام 2020/2021 التي تم إعدادها في ظل انتشار وباء كورونا، وهي نسبة تعتبر بين الأدنى عالميا وإقليميا. ووفقا لتقرير إحصاءات الصحة العالمية 2020 الصادر عن منظمة الصحة العالمية بلغت نسبة الإنفاق العام العالمي على الصحة عام 2017 نحو 10.2٪ من إجمالي الإنفاق العام العالمي، ونحو 7.2٪ في أفريقيا، ونحو 13.2٪ في الأمريكتين، ونحو 8.1٪ في جنوب شرق آسيا، ونحو 12.3٪ في أوروبا، ونحو 8.7٪ في شرق المتوسط، ونحو 9.6٪ في غرب المحيط الهادئ».
وحسب النجار « تزايدت تلك النسب بصورة قوية بعد انتشار الوباء، بينما استمر الإنفاق العام على الصحة في مصر كنسبة من الإنفاق العام ومن الناتج المحلي الإجمالي متدنيا كما هو واضح من البيانات الخاصة بالعام المالي 2020/2021 بصورة تعكس إصرار المالية العامة على استمرار خطأ طويل الأجل في تقدير مكانة الإنفاق العام على الصحة في جدول الأولويات».
وشدد في ختام منشوره على «ضرورة توفير الحماية للأجهزة الطبية والتمريضية والصيدلية والمحاسبة الإدارية للمقصرين منهم، بعيدا عن استهدافهم بالإدانة العامة التي يمكن أن تزيد التنمر الاجتماعي غير الإنساني في مواجهتهم في وقت تحتاج إليهم الأمة لحماية حياة أبنائها».
اعتقالات
في السياق، قالت «الجبهة المصرية لحقوق الإنسان» وهي منظمة حقوقية مصرية، إن «نيابة أمن الدولة العليا قررت حبس الطبيب النقابي محمد معتز منصور الفوال (39 عاما)، (مدرس في كلية الطب جامعة الزقازيق ورئيس قسم الأشعة في مستشفى الحوادث والطوارئ في الزقازيق) 15 يوما على ذمة التحقيق معه في القضية 558 لسنة 2020 أمن دولة، بتهم الانضمام لجماعة على خلاف القانون ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بعد يومين من القبض عليه لمطالبته رئيس الوزراء على صفحته على فيسبوك بالاعتذار عن تصريحاته ضد الأطباء».
وحسب المنظمة الحقوقية، ألقت السلطات القبض على الفوال في 25 يونيو/ حزيران الجاري من منزله في مدينة الزقازيق بعد يوم واحد من نشره هاشتاغ «الأطباء مش متقاعسين يا مدبولي»، بالإضافة لنشره بيانا موقعا منه وعدد من الأطباء بصفتهم النقابية يطالبون فيه رئيس الوزراء مصطفي مدبولي بالاعتذار عن اتهامه الأطباء بالتقصير، ما اعتبرته النيابة أدلة على الاتهامات الموجهة إليه، بعد تفحصها حسابه الشخصي على موقع فيسبوك.
ولفتت المنظمة الحقوقية إلى تعرض الفوال لعدد من الانتهاكات منها الإخفاء القسري عقب القبض عليه في مقر جهاز الأمن الوطني لمدة يومين.
وسبق لنقابة الأطباء أن أعلنت أنها خاطبت المستشار حمادة الصاوي، النائب العام المصري، بشأن الأطباء الذين تم القبض عليهم، عقب نشر آراء لهم على مواقع التواصل الاجتماعي متعلقة بجائحة كورونا.
وبينت النقابة في الخطاب أن المقبوض عليهم هم: محمد حامد محمود، طبيب عظام مقيم في مستشفى جمال عبد الناصر، وآلاء شعبان حميدة، طبيبة مقيمة في مستشفى الشاطبي في الإسكندرية، شمال مصر، حيث تم القبض عليها من مكتب عميد الكلية، وإبراهيم عبد الحميد بديوي، طبيب جراحة أطفال مقيم في مستشفى المطرية التعليمي في القاهرة، وهاني بكر علي، أخصائي رمد، وأحمد صبرة أحمد، أستاذ النساء في جامعة بنها في محافظة القليوبية.
يشار إلى أن نقابة الأطباء نشرت قائمة شرف بأسماء 93 طبيبا رحلوا بفيروس كورونا منذ بداية الوباء. وقالت النقابة في بيان لها إن فيروس كورونا ما زال يحصد أرواح جنود الصف الأول فى المعركة وهم الأطباء. وأضافت: «وصلت القائمة حتى كتابة هذه السطور إلى 93 شهيدا وهناك أسماء أخرى جار التأكد من بياناتها ستتم إضافتها للقائمة، بالإضافة إلى 950 مصابا أثناء العمل وهم عدد الأطباء الذين تقدموا للحصول على دعم النقابة حتى الآن».