فيلم «أحجار كريمة غير مصقولة»… رحلة في عقل إنسان معاصر

نيويورك، المدينة التي تعذّب شخصياتها، هي الملاحظة التي يسهل الوصول إليها عند مشاهدة فيلم للأخوين جوش وبيني صفدي. المدينة التي لا ترحم أحدا، وتستمر في الضغط على ساكنيها، فتدفعهم إلى مواجهات غير متكافئة مع القدر، مواجهات تنتهي في الغالب بالخسارة. مدينة تقدّم لك كل الخيارات المتاحة، وتسحب منك كل شيء في لحظة. وتضغط على الناس حد التجائهم إلى طرق قصيرة لبلوغ غاياتهم، بدون النظر إلى النتائج. يعود إليها المخرجان مرّة أخرى بالنيّة نفسها، أي التقاط قصّة نيويوركيّة جديدة، دراما نفسية لأحد الذين تلفظهم شوارعها ومبانيها الشاهقة.
تواجهنا النقاط السابقة في جميع أفلام صفدي، سواء أكانت شخصياتهما، ذكورا أو إناثا لا فرق، في فيلمهما «متعة السرقة» (2008)، يتعرضان لحياة ألينور المرأة التي تعيش وحيدة وتجد متعتها في السرقة، تخرج من مخفر الشرطة بتهمة السرقة صباحا، وتعود إلى الأمر نفسه في المساء. وفي فيلمهما «الجنة تعرف ماذا» (2014) نتعرّف على حياة الشابة هارلي (أورييل هولمز) التي تتقاذفها شوارع نيويورك، وأقصى طموح لها هو تأمين جرعة كوكايين. فتاة لا تكاد تنجو من مأزق حتى تجد نفسها أمام ورطة أكبر. ويستمرّ الأسلوب نفسه في فيلمهما «أوقات جيدة» 2017 وهو فيلم محدود زمنيا (أهم أحداثه تدور في ليلة واحدة)، عن شقيقين، «كوني نيكاس» أداء روبرت باتينسون، الذي يحاول تنفيذ عمليات سطو على بنك بمساعدة شقيقه الأصغر (نيك)، المضطرب نفسيا، لكن بعد فشل العملية تتحول مهمة كوني إلى جمع كفالة لتخليص أخيه من الحجز.


في كل هذه الأفلام، الشخصيات لا تحاول الوصول إليك بواسطة بطولتها، أو جمالها، بل بواسطة الخيبات المتوالية، شخصيات تحاول أن تقفز إلى الضفة الثانية من الحياة، بدون أن تصل، تتحمّل جزءا من فشلها، ويظل جزء معلّقا على جدران مدينة نيويورك. لا يخرج فيلمهما الجديد «أحجار كريمة غير مصقولة» (2020) عن النسق المعروف، لكن بقصّة أخرى أقوى، حملت أسلوبهما إلى منطقة أبعد، خصوصا بعدما توفّر على منصة نيتفليكس مطلع السنة، الفيلم كما في عادتهما خلق الحدث منذ صدور الملصق الرّسمي، نجوم كبار أثنوا على المصلق الدعائي كثيرا، حتى قبل مشاهدة الفيلم، ملصق كلّه أسود مع وجه مكبر لآدم ساندرلر وآثار اللكم بادية عليه، وفي زاويته العلوية اليمنى اسم الممثل وعنوان الفيلم بخط أبيض متوسط، هو ربّما أبسط وأجمل ملصق فيلم هذه السنة، وعلاقتهما بالملصقات قصّة أخرى، منها أن النجم روبرت باتينسون، اطّلع صدفة على ملصق فيلمهما «الجنّة تعرف ماذا»، الملصق حيث يبرز وجه الممثلة آريل هولمز بشكل عرضي مخفي وسط مستويات مختلفة من اللون الوردي، فكتب لهما في الحال رسالة تفصح عن رغبته الكبيرة في العمل معهما، وعندما كتبا قصة فيلم «وقت جيد» كان الدور يستحضر باتينسون منذ البداية.

بعد عقد من صناعة صفدي أفلام بالجماليات نفسها والهدف والخصائص نفسها، أفلام بتكلفة منخفضة ينظر إليها كثيرون على أنها رديئة ومزعجة وتسد النفس. يحملهما فيلمهما الجديد خطوات جديدة إلى الأمام للتخلص ـ على الأقل- من هذا الحكم؟

بالعودة إلى أحجار كريمة غير مصقولة تبدأ فوضى هاورد راتنر (آدم ساندلر) وهو تاجر مجوهرات في نيويورك، مدمن قمار إلى درجة غريبة، وفي كل مرة تكون حياته على الحافة، تعوّد الخسارات، كما تعوّد الربح، هكذا تطارده الكاميرا وهو يصرخ بألفاظ نابية، لا يأبه بمن حوله إذا كان الأمر يتعلق بالمال، يبحث عن الرهان الكبير، الذي سيخلّصه من مطاردات الدائنين ويعيد دفء علاقته الأسرية، للحظة بدا كأنه حصل على مراده باقتنائه حجرا كريما نادرا ومهربا من إثيوبيا، لكنه يفعل دائما ما يفلح فيه؛ يُفسد الخطط قبل أن تتم. وحتّى عندما اقترب من رهانه الكبير لم تسمح له القّصة أن ينجح في رهان حياته، كان كلّ على وشك الحدوث، الرهان تحقّق والأموال في الطريق، ولا يفصله عن إعادة التوازن لحياته المخرّبة سوى ثوان. لكن تعود تبعات أفعاله إلى ملاحقته، لم يستطع أحد دائنيه (فيل) أن يستسيغ فكرة أن هذا الغبي سجنه في مدخل المحل لمدة طويلة، رغم اقتراب استرجاع المال قرّر في لحظة إطلاق رصاصة مباشرة إلى رأس هوارد إلى عينه اليسرى بالضبط. هذا الفعل الصادم عبث بكل توقعاتنا عن عودة حياة هوارد إلى التوازن، الحقيقة التي لم يؤمن بها فيل قطّ ـ وربما- هي سبب قراره بقتله وليس فقط سجنه داخل صندوق زجاج..
تسلبنا أفلام صفدي النهايات السعيدة، إنها ترف زائد بالنسبة لهما، وهي إحدى خصائص واقعيتهما المتطرفة.
يعيد الفيلم تذكيرنا بالواقعيّة، ليس بقصّته فقط، ولكن بالأسلوب المقتصد، الذي يترك الحياة تمرّ أمام الكاميرا بدون كلفة، الأسلوب الذي يذكر بمعلمي الواقعية الكبار، الذين كان التصور الواقعي لديهم يبدأ من قصص الناس، وينتهي بانتقاء أدوات التعبير الملائمة. فشخصية هاورد هي امتداد لملايين الناس من حولنا، الفرق بينه وبين أي من هذه الشخصيات في الواقع أننا نعلم دوافعه، نتعاطف معه حتّى في خيانته وفي زلاته الكثيرة، لا نعلم أحيانا سبب هذا التعاطف، هل هو سذاجته؟ أم حبّه للمغامرة بكل شيء؟ في النهاية نلقي اللوم على المدينة، التي لا تعبأ بمن تناول وجبة العشاء، أو الذي لا يملك ثمن دفع الإيجار آخر الشهر، هكذا يصبح مصدر هذا التعاطف الغريب مع الشخصيات في كل أفلام المخرجين الشابين، لأن أسلوبهما وإصرارهما عليه هو تمثل دقيق للواقعية، أن يبرز الوجه البشع للحياة كما هي، بدون اهتمام بانعكاس ذلك على تغير أذواق الناس هذه الأيام، رغم أنه مسعى لا يساير المنطق الأمريكي الساعي إلى التوسع والانتشار، ولا يضعهما بالتالي في مكان مرموق بعد عشر سنوات من التجريب.
الفيلم يضعك في بؤر من الصراع والقلق، لا تكاد الشخصية تخرج من ورطة حتّى تجد نفسها في ورطة أخرى، حتّى الأماكن الحميمة بالنسبة لها تصبح متوتّرة بسبب تبعات ما تقترفه، ويعرضك الفيلم لكل مصادر الصوت التي يصل إليها بشكل طبيعي وغير طبيعي. مستويات صوت متعددة ومتزامنة تخترق السّمع وتصاحب كل حركات هاورد، فوضى حادة وكلام من كل الاتجاهات، صراخ وضجيج.. أضواء مختلفة تواجه العين حيثما ذهبت، إنها رحلة مرهقة في عقل شخص معتوه تعلّم كيف يفكر في كل شيء وفي الوقت نفسه، يبدأ مشروعات كثيرة بتزامن وينتهي منها بدون أن يبدأها.
بعد عقد من صناعة صفدي أفلام بالجماليات نفسها والهدف والخصائص نفسها، أفلام بتكلفة منخفضة ينظر إليها كثيرون على أنها رديئة ومزعجة وتسد النفس. يحملهما فيلمهما الجديد خطوات جديدة إلى الأمام للتخلص ـ على الأقل- من هذا الحكم؟ أو لنقل يحملهما فيلمهما الجديد إلى مرحلة جديدة من مسيرتهما تدعونا إلى النظر إليها باهتمام أكبر.

٭ ناقد سينمائي من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية