تأنيث البطولة في رواية «الراهبة الاسبانية» للبريطاني توماس دي كوينسي

يدعمُ عنصر الحدث دور الشخصية في الروايات المستمدة موضوعها من منجم السير، والشخصيات التاريخية، ولعلَّ عنونة الرواية باسم الشخصية أو اللقب أو الصفة التي عرفت بها مؤشرُ لما يقومُ عليه العملُ بأكمله، من تتبعُ حالة المدّ والجزر، التي تمرُ بها الشخصية الروائية حيثُ يتمُ التعامل معها وفق منطق أدبي، بعيداً عن المُحددات التاريخية، ولا تغيرُ الإيماءات التوثيقية من كون النص متخيلا يهدفُ إلى معارضة ما ورد في المتون التاريخية، من خلال الحفر في الدروب غير المطروقة، وإذا كانت البطولاتُ في الملاحم والأساطير غالباً ما تدمغُ بأسماء ذكورية، فإنَّ الكاتب البريطاني توماس دي كوينسي يختارُ في نصه الروائي الموسوم بـ«الراهبة الإسبانية» منحى مغايراً، إذ يتناولُ حياة شخصية نسائية تنهضُ من عثراتها وتصارعُ الأهوال إلى أنَّ تتخيلها كائناً خارقاً.
أكثر من ذلك فإنَّ الحدثُ لا يكون إلا مرتبطاً بحركة الشخصية المركزية في الرواية، وهي تجسدُ سلسلة من الأحداث التي تؤسسُ لبنية الحكاية، وهذا ما يكشفُ عن مقصد المؤلف، خصوصاً إذا أدرج عنصر الزمن في المسعى التأويلي. واللافت للنظر في صياغة هذا النص الروائي أنَّ صوتَ المؤلفِ يعلن عن نفسه بدون التقيد بتقنية الراوي المتخيل. وهذا الملمحُ يدركه المتلقي في الفقرات التي يجادل فيها المؤلف الآراء المضادة للصورة التي يقدمها عن «كيت» ومن الواضح أنَّ من يتحدثُ بهذه الصيغة هو الكاتبُ، بحيثُ لا مجال لافتراض وجود الراوي « إسمحوا لي ان أتوقف كي أغيظ أحدهم. هناك رجل فرنسي أساء تقدير كيت بكل أسف». كما يشركُ المتلقي بإطلاق الاحتمالات من خلال العبارات «يمكنك تخيل»، أو «دعونا ننهض من هذا النقاش»، ويضيفُ المؤلفُ صيغة منولوجية إلى توليفه السردي، إذ تسمعُ كيت متحدثةً بالضمير الأول. إذن يحققُ المؤلفُ تنوعاً أسلوبياً في بناء عمله.

الدرامية

يكتسي مفتتحُ الرواية طابعاً درامياً، وذلك يأتي بالاستناد إلى النمط الخبري في انطلاقة آلة السرد حيثُ يضعكَ المؤلف في الظروف التي ولدت فيها «كيت» وما يستتبعُ الحدثَ من المواقف المشبوبة بالتوتر، إذ يكون الأبُ مراقباً لأنَّ ما يقومُ به بعدما يعلمُ بأنَّ زوجته قد أنجبت بنتا، يعبرُ عن الرفض للوضعية، هنا تتواردُ التمليحات إلى أنَّ الرجل النبيل في سباستيان، قد أهدته زوجتهُ ثلاث بنات أخريات غير الرضيعة، وفي رأيه هذا عدد أكثر مما هو مسموح به. إذن ينفردُ النبيل الإسباني بالتصرف في مصير الوليدة، بدون أن يعارضهُ أحدُ من عائلته. فيبادر بأخذ الوليدة إلى دير القديس سباستيان، وهناك ترحبُ رئيسة الدير بالطفلة التي تُحرمُ من حنان الأسرة. وتوسمت منها أن تحل مكانها في المستقبل، ويرصدُ الكاتبُ في الوقت نفسه ما يبديه الأبُ من مشاعر الامتنان، وحنان متكلف لابنته، وما أن يمرُ أسبوع حتي ينساها بين جدران الدير.

اللافت للنظر في صياغة هذا النص الروائي أنَّ صوتَ المؤلفِ يعلن عن نفسه بدون التقييد بتقنية الراوي المتخيل.

يشارُ إلى أنَّ صاحب «أيام إيمانويل كانط» الأخيرة لا يفصلُ في ذكر كل المراحل التي مرّت بها الطفلة في كنف الراهبات، بل تهمه الإشارة إلى بوادر الاختلاف والتمرد في شخصية «كيت» بعبارة موجزة، «على مدار السنوات غالباً ما سألت القطةَ إذا كانت ستصبح قديسة فتجيبها، إنها ستكون كذلك إذا أعطاها القديسون ما تشتهي من الحلويات»، فكان وجود «كيت» أو القطة كما تسميها كبيرة الراهبات ينزعُ الهدوء من المكان ما تفتأ تكيدُ للأخوات، ولا تكفُ عن المشاكسة. تتلقى الصغيرة إسما معمودياً غير أن أسماءها تتعددُ من كيت إلى كاثرين أو كاتالينا، إضافة إلى لقب عريق دي إراوسو. كلما مضى الوقت تزداد شخصية كيت طيشاً وعناداً، وذلك ما أثار الذعر لدى الأخوات واعتقدنَ بأنَّ الاختيار، كان خطأً في تربية طفلة قد تصبحُ نمرةً شرسة. فكانت كيت لا تغتفرُ لمن يسيء إليها، فجمعت في شخصيتها الوداعة والشراسة في آن. وما زادَ من صرامة شخصية كيت هو الحكايات والقصص التي تُسمعُ حول البطولات، واكتشاف أقاربها لمماليك جديدة، وكل ذلك تحقق بأدوات بسيطة. يلجأُ الراوي إلى التلخيص لافتاً إلى ما يمرُ من الوقت قبل الوصول إلى اللحظة التي تغادرُ فيها كيت الدير، وبهذا تتوالى المغامرات، في رحلة كيت البالغة من العمر خمس عشرة سنة عندما تهرب.

التنكر

تتسللُ كيت من الدير، وعندما أدركت في اليوم التالي أنَّ ملبسها قد يشي بهويتها وجنسها، تنكرت في زي من حياكتها سروال ويلينغتون، ولا تقتات شيئاً سوى التوت البري خلال يومين إلى أنْ تقيمُ لفترة في بيت الدون الإسباني، ما يخدمها في هذا الموقف معرفتها لبعض العبارات اللاتينية عليه، فإنَّ تصريف الأفعال اللاتينية، خصوصاً أصعب أفعال خارج عن القاعدة، هو مصدر وحيد للتسلية لدى الشيخ، الذي كان ينكبُ على كتبه طوال النهار. سئمت كيت من أجواء البيت، ولم يعد هناك خيار غير الرحيل فتأخذُ قيمة من الفضة، واعتبرت أن ما أخذته تعويضا لمجهودها في الدراسة الميدانية، إذن تسلكُ طريقها من فيتوريا إلى بلد الوليد. وهناك يتهكمُ بعض الأشخاص على ملبسها ويرشقونها بالحجارة، ومن جهتها شجت رأس أحدهم بالحجارة، وعلى أثر ذلك يتمُ إلقاء القبض عليها، وفيما تعاني الراهبةُ من هذه التصرفات يراقبها فارسُ، ويعجبه سلوك كاتالينا، وأخيراً يتدخلُ لإجبار الدرك على إخلاء سبيل السجينة. وما لبثَ أن حدث ما هو غير متوقع إذ تصادف الهاربةُ بزيارة والدها لدون فرانسيسكو دي كارديناس، الذي حظيت لديه كيت بالرعاية والثقة. وتسمعُ الابنة والدها يخبرُ صاحب البيت بحيثيات هروبها. ومن ثمَّ يتضحُ بأنَّ الدون هو المسؤول وكفيل مؤسسة الدير. تقتنعُ كيت بأنَّ المدن الإسبانية لا تحميها، إنما يجبُ عبور المحيط الأطلسي، تتركُ بيت الشاب الإسباني وتمضي ليلةً في أحد الإسطبلات، وصادفت وجود شخصين في المكان تحدثا عن رحلة تنطلقُ إلى أمريكا، من أحد موانئ الأندلس. تنضمُ إلى الركاب وتبحر السفينةُ غير أن تبدل الأجواء والعواصف، يحول دون وصول السفينة إلى الوجهة.
تكتبُ لكيت حياة جديدة بعدما لقي الركاب حتفهم غرقا، بمن فيهم الربان. وما يؤكدُ حسن ظها هو اكتسابها لمئة جنيه، تختارُ كيت طريقها بناءً على ما تفهمه من لعبة رمي العملة. وفعلا لا يخذلها القدرُ وتصلُ إلى بايتا في بيرو حيثُ تبدأُ بالعمل لدى أوركويزا كاتبة، لكن هذا الهدوء لا يدوم، ولا يمر كثير من الوقت حتى تتورطُ كيت في جريمة القتل، هكذا تشهدُ حياتها صعوداً وهبوطاً، وما يزيدُ من شحنات درامية في حركة السرد هو وقوع المصادفات التي تأتي متناسقة مع المحتوى، بعدما تخسرُ وظيفتها عند تاجر الملابس، تتطوعُ مجندة في سفينة عسكرية قاصدة إلى «كونثيبثيون» يجمع القدرُ بينها وبين أخيها، بدون أن يعرف الأخير بانتسابهما إلى عائلة واحدة، بينما تتأكدُ كيت من خلال محادثتها مع الضابط، بأنَّ من لاحتْ على شخصيته الأناقة والكياسة ليس إلا شقيقها، لكن تتكتمُ على هويتها.
تعرفُ كيت نفسها باسم «بيترو دياز لدى السيدة المهجنة جنسيتها «كريول» وما يكدرُ صفوها في هذه المرحلة اتهامها بمراودة جوانا ابنة كريول، ولا يؤدي بها ذلك لكشف جنسيتها، وما يعمقُ أزمتها أكثر هو طعنها لأحد المقامرين فأردته قتيلاً. ويصدرُ عقب هذا الحدث قرارُ يقضي بإعدامها شنقاً، لكن تخرجُ من هذه الضائقة أيضاً، وتحوزُ بذلك كل الصفات والمآثر البطولية، ولا يتجاهلُ المؤلفُ ما أخذته كيت من مكانةٍ عالية في ذاكرة شعبها. وبهذا لم تُفكر في نفسها بوصفها موضوعة في مكان، إنما غامرت بتأثيث مكان غير ما حدد لها.

٭ كاتب من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية