بغداد ـ «القدس العربي»: استذكر العراقيون، أمس الثلاثاء، مرور الذكرى المئوية الأولى لثورة العشرين ضد الاحتلال الإنكليزي، وفيما استغلت الرئاسات الثلاث المناسبة، للتشديد على أهمية رفض المساس بسيادة البلد وفرض القانون ومحاربة الفساد، طالبت قوى شيعية نافذة، بجدولة الانسحاب الأمريكي من العراق، منتقدة ما وصفتهم بـ«المتباكين على هيبة الدولة فيما تصول وتجول القوات الأجنبية في الأراضي العراقية».
رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، قال في بيان صحافي أصدره بالتزامن مع المناسبة، «أهنئ شعبنا العراقي الأبي بذكرى مرور مائة عام على ثورة العشرين الوطنية الخالدة التي تحتل مكانة عزيزة في وجدان أبناء شعبنا، كأول ثورة تحررية في تاريخهم الحديث، كونها جاءت لكي يحكم العراقيون أنفسهم بأنفسهم، وهذا ما نطمح بعزم إلى تحقيقه اليوم عبر السعي لترسيـخ قِيَمِ المواطنة والحقوق الدستورية وحقوقِ الإنسان ورفض أيّ مَساس بسيادتِنا الوطنية».
وأضاف، أن «من أوجه عظمة ثورة العشرين، أنها كانت بحق ثورة كل العراقيين من أجل كل العراقيين، وهذا ما أكدته مشاعر التضامن العميق والشعور بوجود مصلحة مشتركة لكل الشعب بالانتصار».
منطلقات الثورة
وتابع: «من هنا تكمن أهميةُ التذكير بأسس ومنطلقات ثورة العشرين، وضرورة استلهام القيم والأهداف النبيلة التي بشرت بها لمواجهة التحديات والأخطار، وإبراز الدور الشجاع الذي وقفته مراجعنا الدينية، وكذلك عشائرنا الأبية وجماهير شعبنا في المدن والأرياف في تصديهم للاحتلال الأجنبي».
وأشار إلى أن «هذا يؤكد من جديد دورها الراهن كما يشير بقوة إلى أهمية العشائر العراقية لدعم الدولة والقانون والسلم الأهلي، إلى جانب تسخيـر جميع طاقاتنا لتوفير المستلزمات الصحية من أدوية ومعدات وأجهزة لدحر وباء كورونا الذي داهم العالم أجمع، ومنه العراق».
وأكمل: «هذه الذكرى تلهمنا الآن أيضا مزيدا من العزم لإطلاق خطط استراتيجية لبناء وطننا على أسس متينة تلبي لطموحات الشرائح الاجتماعية الواسعة بالحياة الكريمة، ولا سيما سكان المحافظات المحرومة والشباب والخريجون، وبما يضمن الإعداد لانتخابات مبكرة نزيهة، ولاستكمال بناء مؤسسات الدولة على أرضية صلبة تلبي طموحات شعبنا بتوفير الخدمات والإعمار والاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وتضمن محاربة حقيقية وعاجلة للفساد وتعزز مكانة العراق بين دول المنطقة والعالم».
كذلك، أشار رئيس الجمهورية برهم صالح، في بيان رئاسي، إلى إنه «نحتفل اليوم بمئوية الثورة ونستعيد في هذه اللحظة باعتزاز تضحيات الشهداء الأبرار، وبما قدمه البُناة المؤسسون، وبما رسخته النخب العلمية والثقافية والدينية والاجتماعية من قيم وأدوار ما زالت حية في وجدان شعبهم وتاريخهم الوطني العريق»، مشيراً إلى أن «الاحتفال بالذكرى المئوية هو احتفال بمئة عام من العراق الحديث بتاريخه الحافل والمتشابك، بإنجازاته و دوره المؤثر في الداخل وعلى صعيد المنطقة، وإخفاقاته معاً، فهناك مع الأسف أيضاً الاستبداد و العنف والإبادة والتمييز والفساد والحروب».
مسيرة بناء الدولة
وشدد على «ضرورة المضي قدماً لاستئناف ما انقطع في مسيرة بناء الدولة المقتدرة ذات السيادة الكاملة، القادرة على فرض القانون ومحاربة الفساد وحماية حق المواطن في الحياة الحرة الكريمة، دولة خادمة لشعبها في سلام وأمان مع شعبها ومع جيرانها».
وزاد: «لقد كانت ثورة العشرين نبراساً هادياً لبدايات تشكل الدولة العراقية، وكانت محطة أساسية في تكوين الوعي الوطني الحريص على استقلال العراق والمدرك لقيمة بلد حر مستقل»، منوهاً «لتكن ذكرى الثورة مناسبة لتعزيز الإرادة الوطنية الحرة الطامحة لمراعاة مصالح العراق وكرامة العراقيين في علاقاته بمحيطه الإقليمي وفي المجتمع الدولي ككل والاستناد الى مرجعية الدولة وقرارها السيادي».
وتابع: «كانت الثورة مثالاً في التضامن الوطني والتآزر الشعبي للتعبير عن رؤية الشعب بما يجب أن تكون عليه الدولة العراقية، دولة حرة ومستقلة وواثقة في سعيها الحثيث للبناء والتنمية والتقدم»، مؤكداً أهمية تحمّل مسؤولية المضي ببناء دولة «تعاملُ العالم والمنطقة بوصفها دولاً صديقة، لا عدوّة ولا مُتحكِمة، دولة تضبطُ السلاح المنفلت ويكون فيها القانون هو الفيصل».
تأكيد على رفض المساس بالسيادة… والصدريون يطالبون بجدولة الانسحاب الأمريكي
وواصل رئيس الجمهورية في بيانه قائلاً: «لتكن ذكرى ثورة العشرين مناسبة حية لتجديد حيوية وحدتنا وتضامننا في مواجهة جائحة كورونا، من خلال تكاتفنا وزيادة الوعي الصحي والالتزام بإجراءات الصحة والسلامة»، مؤكداً ضرورة أن تكون ثورة العشرين «منطلقاً لتعزيز رفعة بلدنا وكرامة أبنائنا وحسن علاقاتنا مع أصدقاء العراق وجيرانه على مبادئ المصالح المشتركة للشعوب واحترام سيادة البلدان واستقلالها وترسيخ مبادئ السلام والتعاون والمحبة ما بين الجميع».
في الأثناء، نوّه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، في «تغريدة» على «تويتر»، أن «الذكرى المئوية لثورة العشرين تدفعنا لاستلهام «دروسَ الفخر والشجاعة والتلاحم الوطني التي سطَّرها الأجداد من جميع مكونات الشعب؛ للذود عن سيادة العراق وصون كرامته».
وأضاف أن «اليوم يتحمَّل الأحفاد مسؤولية الحفاظ على منجزات هذه الثورة العظيمة بترسيخ الروح الوطنية، وتعزيز هيبة الدولة وسيادة الوطن».
سياسياً أيضاً، شدد حسن الكعبي، نائب رئيس البرلمان، القيادي في تحالف «سائرون»، الممثل السياسي للتيار الصدري في مجلس النواب، على «أهمية أن يتولى الوفد المفاوض في الحوار العراقي ـ الأمريكي، مسؤولية جدولة الانسحاب الأمريكي من الأراضي العراقية».
وقال، في بيان صحافي أصدره بالمناسبة، إن «هذه الثورة الوطنية الشعبية التي اختلطت فيه الدماء الزكية حبا للوطن، ودفاعا عن هويته الوطنية وسيادته واستقلاله، عندما استطاعوا أبناء البلد الواحد وبإرادة صلبة موحدة انتزاع استقلالهم الوطن، والمضي قدما لتأسيس دولة تخط بيدها نهاية لمعاناة طويلة مع الاستعمار المستبد».
وأضاف: «في هذه المناسبة الكريمة نستذكر قادة الثورة الشجعان والوقفات البطولية للمراجع الدينية وقادة وأبناء العشائر الحرة الاصيلة والرموز المثقفة والاجتماعية الكبيرة التي ساندت الثورة، لنستلهم الروح الثورية وقوة الإرادة والصلابة منهم، والتأكيد على رفض الظلم وتوحيد النسيج والموقف الوطني والوقوف سوياً ضد كل مخططات دول الاستكبار التي تحاول تمزيق وحدتنا وعزتنا وكرامتنا».
وأشار إلى أن «هذه الثورة التي باتت اليوم أيقونة لكل حركات التحرر في بلدنا بالأمس واليوم وغدا، وللتأشير نحو إرادة الاستقلال والسيادة، فهي ليست ذكرى سنوية نستذكرها ليوم واحد ونكتفي، بل هي تاريخا وامتدادا لمراحل حاضرة ومقبلة، تجعلنا نأبى أن تهان سيادتنا تحت أي ظرف»، مؤكداً أن «هذا المنجز الخالد يجعل أحفاد ثورة العشرين أكثر تمسكا بمبادئهم ورفضهم لأي محاولة لمحو هويتهم الوطنية ولأي وجود خارجي غير رسمي تحت أراضيه أو التفريط بذرة تراب من أرض الأنبياء والأولياء».
وتابع الكعبي: «هنا أود أن نذّكر مجلس الوزراء والفريق الحكومي التفاوضي مع أمريكا أن حواراتكم يجب أن ترتكز على سيادة البلاد وحفظ مصالح شعبه، وتضعون نصب أعينكم الثوابت الوطنية في موضوعة جدولة الانسحاب الأميركي ومنع أي محاولات لخرق أجوائه».
إخراج القوات الأجنبية
إلى ذلك، طالب رئيس تحالف «الفتح» هادي العامري، بإخراج القوات الأجنبية من العراق سريعا، فيما خاطب «المتباكين» على هيبة الدولة: «عن أي هيبة تتحدثون والقوات الأجنبية تسرح وتمرح».
وقال، في بيان صحافي، إن «هذه الثورة الوطنية التحررية التي قادتها المرجعية الدينية متمثلة بالميرزا الشيرازي قدس سره، جنبا إلى جنب مع شيوخ العشائر الكريمة وكل القوى والشخصيات الوطنية والاجتماعية في تلاحم وطني قل نظيره، كانت بحق صرخة مدوية أطلقها الشعب العراقي العزيز بوجه الاحتلال البريطاني وأثبت بشكل جلي وواضح أنه شعب تواق للسيادة وللحياة الحرة الكريمة ورافض لكل صنوف الاحتلال والعبودية».
وأضاف: «بهذه المناسبة العزيزة على نفوس كل الأحرار، فإننا مدعوون لاستلهام الدروس في تحقيق التلاحم الوطني الشامل وإخراج القوات الاجنبية من العراق سريعا لتحقيق النمو والاستقرار وإبعاد العراق عن كل الصراعات الجانبية في المنطقة سواءً الصراعات الدولية أو الاقليمية»، مشيرا إلى أن «قد آن الآوان لاستقرار العراق وإبعاده عن التدخلات الأجنبية، والشروع بالتنمية الشاملة وبناء العراق القوي والعزيز والمنتصر من أجل تأمين الحياة الحرة الكريمة والعزيزة لكل العراقيين».
وخاطب العامري ما وصفهم «المتباكين» على إعادة هيبة الدولة بالقول: «عن أي هيبة للدولة تتحدثون والقوات الأجنبية تسرح وتمرح في ارض العراق. أي هيبة للدولة والسيادة الجوية منتهكة بشكلٍ كامل والطائرات الأمريكية والإسرائيلية تجوب سماء بغداد وتستهدف أبناء العراق الغيارى والتي راح ضحيتها العشرات منهم بين جريح وشهيد، وفي مقدمتهم قادة النصر على الإرهاب الداعشي، الشهيدين الكبيرين الحاج المهندس والحاج سليماني، وتهدد بضرب كل من لا يدين لها بالولاء ويطالب بخروج قواتها البغيضة من العراق».
وختم بيانه بالقول: «نحن الذين قدمنا آلاف الشهداء من أجل إعادة هيبة الدولة وحفظ مؤسساتها ولا زلنا نقدم، ودمائنا لم تجف ولن نقبل بتضييعها على مذبح المصالح والأطماع ولن نتراجع عن مطالبنا بخروج جميع القوات الأجنبية من العراق وببسط يد الدولة والقانون في جميع مرافق الحياة ليعيش العراقيون آمنون كرماء في وطنهم يتمتعون بخيراته ويدافعون عن مقدراته».