تمرُّ الكلمات والحروف أمام أعيننا، وننطقها دون توقف عندها، ولكنني توقفت مضطراً عند الهمزة قبل يومين، بعدما سألت صديقاً يعمل في مهنة التصوير عن تأثير الكورونا على عمله! فردّ متذمّراً بأن الجائحة وتأجيل حفلات الزفاف إلى جانب المنافسة الشديدة بين ممارسي المهنة، قلّصت عمله كثيراً، وبعدما كان العمل كثيراً مثل الزيتون الحامل بالثمار، صار مثل «البعارة»، حبة هنا وأخرى هناك، ثم أضاف: كل هذا مفهوم ومتوقع وعملت حسابه، أما أن أخسر نهار عمل وبضع مئات من الشواقل بسبب الهمزة، فهذا ما لم أحسب حسابه!
-بسبب الهمزة؟ رددتُ مستغرباً.
-أي نعم الهمزة، هذه التي يضعونها مرة على كرسي ومرة على الواو ومرة ظاهرة ومرة مختفية..؟
-وما علاقتك بالهمزة، وكيف سبّبت لك خسارة؟
صديقي هذا يصوّر أفواجاً من طلاب المدارس في نهاية السنة الدراسية، حيث يحصل كل طالب على صورة في إطار، تجمع الطلاب والمعلمين، يعلقونها في بيوتهم للذكرى.
المهم أنه حظي بمناقصة تصوير الطلاب وإعداد براويز التخرّج، وبعد عمل وتحضير عشرات البراويز، ذهب إلى المدرسة وهو مزهو بعمله المتقن، كي يسلّم البضاعة ويتسلم أجرته.
نظرت إحدى المربيات إلى واحد منها وهي تبتسم مسرورة من العمل، ولكن انقلبت سحنتها فجأة، وتساءلت مستغربة: شو هذا؟ من قال لك و«إختيار»، أنا أرسلت لك النصّ واضحاً «واختيار»، بدون همزة؟ ليش كتبتها (وإختيار) مع همزة! أنت تتحمل المسؤولية.
-مسؤولية شو؟
فتحت عينيها على وسعيهما – وإختيار بدلاً من واختيار؟ عزارة وبهدلة…
كان ردّه ببساطة: ما الفرق بين واختيار وإختيار؟ وهل سقطت خشبة من السماء؟
-سقطت خشبتان… ومش واحدة بسّ..
مُدرّسة اللغة العربية رفضت استلام البراويز، وطالبته باستبدال كل اللوحات بأخرى غيرها، ولكن من دون هذه الهمزة التي تكاد تسبب لها التقيؤ.
وقف صديقنا مرتبكاً في حيرة من أمره، بين الوصل والقطع.
-شو بدّي أعمل؟ أعدت العمل كله، ولم أربح شيئاً..
-الحق مع المعلمة، لأن هذه البراويز ستعلق في بيوت الطلاب، وهي للذكرى، وليس لائقاً وجود خطأ فيها، وخصوصاً أن مربية الصف مُدرّسةٌ للغة العربية، على كل حال، انتبه للهمزات في المرات القادمة، وتأكد من صحتها قبل طباعتها، أو استشر مُطّلعاً.
الحقيقة أن همزة الوصل والقطع مُربكة لكثيرين من الكتاب والشعراء، وليس فقط للناس العاديين، وسألت نفسي، يا ترى ماذا كان سيحدث لو بقيت و(إختيار)!.
الحقيقة أن طلاب المدارس يعانون من صعوبة القواعد العربية، وهذا محبط جداً، أشعر بأن هناك جداراً سميكاً ومرتفعاً بين الطلاب والقواعد، وأعتقد أن من واجب مجاميع اللغة، محلياً وفي الوطن العربي، البحث عن سبل لتبسيط وتيسير قواعد العربية، طبعاً دون المس بما هو أساسي وجوهري.
هذه النهفة العابرة نقلتني فوراً إلى الأستاذ الباحث اللغوي فاروق مواسي، الذي رحل إلى جوار ربّه قبل أيام قليلة، والذي عمل في تدريس اللغة العربية لمدة سبعة وخمسين عاماً، وكان ناشطاً جداً، إلى جانب إبداعاته وكتاباته الغزيرة في الشعر والقصة والسيرة الذاتية، كذلك على الفيس بوك، حتى قبل رحيله بأيام قليلة، فما كان يمرُّ يوم إلا وينشر مادة تتعلق في مسألة لغوية، يرفقها بدلائل وقرائن وبحثٍ جاد، وكثيراً ما كان يتطرّق إلى موضع الهمزة، إحداها كانت قبل شهرين تقريباً، نشرها في صفحته، أبدى فيها دهشته من أن الشاعر أدونيس كتب «سـيّ ء أن نعيش وجه الضرورة»- فكتب السين والياء المشدّدة وبعدها همزة منفردة، والصواب هو سـيِّـئ – الهمزة على ياء غير منقوطة مثل شاطئ. الياء المشدّدة مكسورة فيجب أن يكون بعدها ياء غير منقوطة».
وردّ عليه بعضهم مستنكرين بحثه عن خطأ مثل هذا لدى مفكر كبير مثل أدونيس، وكانت ردود الأستاذ فاروق مهذّبة، وأكد بأنه لم يقصد الانتقاص من أدونيس، وكتب عجز بيت شعر شهير لعلي بن الجهم «كفى المرءَ نبلاً أن تُعدَّ معايبه».
رحم الله الأستاذ فاروق مواسي، فقد خلف إرثاً زخماً من سبعة وخمسين كتاباً، وصفحة جادّة في الفيسبوك، يمكن زيارتها والاستفادة من المواد الكثيرة القيّمة فيها.
الهمزة قوية جداً، وهي الأقوى في اللهجات العربية المحكية، فعشرات ملايين العرب يلفظون القاف همزة، أنت ألت-قلت-، أرّب-اقترب، أرف-قرف، الأدس أو الئِدس-القدس، إلخ.
وعلى ذكر الهمزة، تنفرد قرية يركا في الجليل التي جميع سكانها من العرب الدروز في طريقة لفظ الهمزة في أول الكلمة، وحرف القاف، يقولون (ءْعُلت) بدلاً من (قلت)، في لفظة عجيبة يدغمون فيها الهمزة بالعين و(ءعن) بدلاً من أن، و(أُعرآن) بدلاً من قرآن.
في لقاء لي مع طلاب من هذه البلدة، استغربوا عندما أوضحت لهم بأن طريقة لفظهم للهمزة تُسمى (عنعنة تميم)، وأنهم بلا شك منحدرون من قبيلة عربية عريقة، وليس ما تحاول السلطة بتواطؤ البعض بثه بأن الدروز ليسوا عرباً، من باب سياسة فرق تسد.
خلال بحثي في النّت عن العنعنة، تبيّن أن هذه اللهجة مستعملة عند أهل دير الزور في سوريا، فهم يلفظون (عنين) بدلاً من أنين و(عن) بدلاً من أن، إلخ.
حدثني أحدهم بأن سلطة أحد سجون الاحتلال دسّت مخبراً سرِّياً من العرب الذين يخدمون في جهاز الأمن الصهيوني بين السجناء الفلسطينيين، ليتجسس عليهم، وكالعادة رحّبوا به، محاولين أن يعرفوا حقيقته، ونجح بأن يخفي هويته لبضعة أيام، فقد زعــــــم بأنه من قلقــيلية ولفظـــــها أول مرة (كلكيلية) وهذا صحيح، والبعض من أهل الشمال يلفظـــها (ألئيلية) ويلفظها البعض (تشلتشيلية) كفر قاسم مثلاً، لكنه ما لبث أن سها خلال حديث عابر معه، فخرجت من فمه: علعيلية، بدلاً من كلكيلية، فكشفوا أمره وقالوا: يا هلا ومية مرحباً بأهل يركا.