لسان حال الجماهير: أن نكون أو لا نكون

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيل ‘أنا أمكم بَحْميكم..’ طالما أن الشعوب تحافظ على أفواهها مغلقة إلا عن فتات الأكل وطرطشات الماءالآسنِ (اللذين يوفرهما الحاكم أو بالأصح يلقي بهما الحاكم إلى الشعوب ليُطعم الفم على أمل أن تستحي العين) وأن تُبقيَ الأفواه مغلقة مُسكَّرةً إلا عن الكلام المباح أيْ الذي لا يدخل في السياسة ونقد سياسات الحكومة والأهم أن لا تغلق الشعوب أفواههاعن مدح الحاكم وسياسات حكومته بما فيه وبما ليس فيه أيْ تنافقه وترائيه وهو مع أنه يعرف ذلك إلا أنه يتلذذ به وإن كان لا يعترف به علناً بأنه نفاق ومُراءاة وخوف من أن يخسر الناس حتى النزر اليسير من قشور القشور وفتات الفتات. وما عساهم أن يفعلوا إزاء حكم القوي على الضعيف ولقمة العيش مرة والأولاد يريدون أن يأكلوا ويشربوا ويذهبوا إلى المدارس وطلبات المدارس لا نهاية لها وطبيعة الحياة في هجير الإستبداد ‘أفواهٌ وأرانب’ وحِملان وذئاب.

ومع أن حتى الأبقار والكلاب والقطط وأنَّ كثيرا من ذوات الكبد الرطب لها رواتب وامتيازات ومستحقات بل إن الأبقار في بلد كهولندا – مثلاً – يُخشى عليها من الإكتئاب في أثناء الحلْب ولذلك تُحلب على أنغام موسيقى (موزارت وبيتهوفن) وأما الكلاب والقطط ليس فقط في أوروبا وشمال أمريكا وغيرهما وإنما حتى في قصور الحكام ووزرائهم وأبنائهم وأفراد بطانتهم (إلا من رحم الله) وفي منازل ومجمعات الأجانب المرفهين المستوردين من أوروبا وشمال أمريكا وسواهما لحماية الحكام وتعزيز سلطاتهم تُصرف عليها أموال طائلة لا يصرف عشرة بالمائة منها على المواطن الذي يتضور جوعاً ولا يكادُ يجد طفله الغذاء والدواء والكساء، نقول ومع ذلك كله يتشدق بعض الأوتوقراطيين والمستبدين بالثروة والسلطة والأمن وبكل شيءٍ ملء أفواههم ‘أن الشعوب تُصرف لهم رواتب’. قال لي أحد المدرسين العرب: إن رئيس بلده إجتمع بالمدرسين ذات مرة على خلفية إنتقاد (اليونسكو) للسياسات التعليمية في بلده فجاء بإعلامه المسموع والمقروء والمرئي وهو لازمة أساسية للحاكم الفرد أو الديكتاتوري أو الأوتوقراطي لأنه يكرس وجوده السلطوي ليصوره على أنه المنقذ للتعليم والمجدد له غير أنه قال لهم غاضبا بالحرف الواحد: ‘إنني أدفع رواتب أربعة وثلاثين ألف حماراً..’ أيْ مدرساً. ولأن مَنْ ‘أمِنَ العقوبة أساء الأدب’ فالحاكم الفرد الطاغي لم يتورع عن قول ما قاله ولم يَرْعَوِ قطُّ ولن يرعوي أبداً طالما أن من حوله يفرعنونه ويُصيِّرون كل لفظة يتلفظ بها قرآنا منزَّلاً تنزيلا. ولأن الحدود منعدمة بين ميزانية الدولة وجيبه فلا فرق إذن بين ميـــزانية الدولة وجيـــبه فهو يدفع من جيبه للناس كما يزعم ولِمَ لا؟ فلا صحافة أو إعلام يجرؤُ على انتقاده ولا مجلس أمة منـــتخب أو (برلمان) يراقبه ويحاسبه ولأنه كان منفعلاً وفاقداً لأعصابه نسي أن إعلامه كان حاضرا فنقل الإعلام بالصوت والصورة قبح ألفاظه وتقطيبات وجهه وزَبَدَ فمه ولعابه الذي كان يتطاير من بين شِدْقيـــْهِ كالذباب، ولأن تصرفات الحاكم الغوغائية لم تكن متوقعة إلى ذلك الحد فقــــد باغتت الكاميرات ومكبرات الصوت أو الميكـــروفونات التي كانت تبــــث على الهواء مباشرة، فلم يتسنَّ للمسؤولين قطع البث وطَلَعَتِ الفضائح على الهواء ‘وعلى نفســـها جنت براقشُ’. إذن ‘أنا أمكم بَحْميكم’ ما دام الأبناء والبنات (أيْ المواطنين) أو الرعية (ومن إشتقاقاتها الرعاع) لا يتجرؤون على إلقاء الحجارة في بحيرة الحاكم الهادئة، ويرضون ويقنعون بما يتفضل به الحاكم السميع العليم البصير، وما داموا يتفرجون على جيشه ودباباته ومدافعه وطائراته ومدرعاته في (اليوم الوطني) مبتسمين ومعجبين ومصفقين ومكبرين ومهللين، ولا يسألون أو يتساءلون عن – مثلاً – لماذا كل هذا الإنفاق على الأسلحة؟ ولمن تُشترى؟ ولماذا يعتريها الصدأ في المخازن وتنتهي صلاحيتها فتتحول إلى ورش التدريب أو العبث (لا فرق) ثم يتم إبتياع أسلحة جديدة ومتطورة في وقتها وكسابقاتها تصدأ وتصبح قديمة ومتخلفة وهكذا دواليْك، فلا تُستعمل لمحاربة الأعداء كما يُفترض من وراء شرائها، والسواد الأعظم من الشعب لا يكاد يجد قوت يومه. وأحيانا يجيبهم بعض أفراد البطانة في ندوات عامة يتم التظاهر فيها بالديمقراطية والحوار لغرض الإستهلاك الخارجي والسمعة والبروباغندا وتلميع وجه الحاكم بكلمة حق يُراد بها باطل فيستشهدوا بآية من القرآن ليُخرسوا الألسنة ويقمعوا الرأي الآخر باسم الدين والدين منهم بُراء وليخرجوا الآية الكريمة عن سياقها الصحيح إلى خدمة مصالحهم: ‘ لا تسألوا عن أشياءَ إنْ تُبْدَ لكم تَسُؤْكُم’. وللأسف فإن علماء او لمعاء القصور ينضمون لجوقة البطانة فيُشهرون هذه الآية في وجوه الناس ليقنعوهم باسم الدين أن مساءلة (ولي الأمر) حرام، وليس مهما أن يغضوا الطرف عن معيارية (ولي الأمر) وأهم وجوهها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والمنكر هنا في مفهومه الواسع وليس ما يمس العبادات فحسب كالمنكر السياسي والإقتصادي والإجتماعي إلخ.. الأهم هو أن يقنعوا الناس بأن طاعة (ولي الأمر واجبة) أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو لم يفعل، لا يهم، وهو في الغالب الأعم لم ولن يفعل. ولكنْ… يتحول الحاكم فجأة أو يمكن أن يتحول فجأةً إلى ‘أنا الذئب باكِلْكُم’ حالما يتململ الشعب وتحتقن البلاد ويطالب الشعب بالحرية والعدالة والمساواة، فيخرج مناديا ‘الشعب يريد إسقاط النظام’. يقول متنبي العرب الحديث (أمل دنقل) عليه رحمة الله في قصيدة كتبها عام 1970، في هجوم الجيش الأردني على (مخيم الوِحدات) في عمَّان، وفيها تنبأ بأن الأمر نفسه سيحدث وقد حدث ويحدث هذه الأيام بعد أربعة عقود ونيف وكأن تاريخ (مخيم الوِحدات) يعيد إنتاج نفسه في سورية وليبيا واليمن كما أعاد إنتاج نفسه في البحرين ومصر وتونس وغيرها من ‘بلاد العُربِ أوطاني’: قلتُ لكم مِراراإنَّ الطوابيرَالتي تمرُّ.. في استعراضِ عيدالفطر والجلاءْ(فتهفُ النساءُ في النوافذِ انبهارا)لاتصنعُ انتصارا. إنَّ المدافعَ التي تصطفُّ على الحدودِ، في الصحارىلا تطلقُ النيرانَ.. إلاحين تستدير ُللوراءْ. إنَّ الرصاصةَ التي ندفعُ فيها.. ثمنَ لكسرةِ والدواءْ: لاتقتل ُالأعداءْلكنها تقتلُنا.. إذارفعنا صوتَنا جهاراتقتلنا، وتقتل ُالصغارا قلتُ لكم ذلك مِرارا.. لكنكم لم تسمعوا لهذا العبث وهكذا… تبقى الأغنية التي كانت أمي تغنيها لي ولأترابي على سطح منزلنا القديم في تلكُمُ الليالي الشتائية الطويلة حينما كنت طفلا صغيرا وجميلا ‘أنا أمكم بحميكم.. أنا الذيب باكلكم’ تتردد في الأجواء لتعبر الذاكرة من جديد، وكأنني ما أزال طفلا صغيراً وجميلا في صحبة أترابي في حضرة أمي، وإخالُ أمي أو كأني بها وقد اشتعل رأسيَ شيبا أنها كانت بحدسها الأمومي تحذرني وتحذر أترابي من واقع عربي أليمٍ ومؤلمٍ سوف يأتي ‘فلماذا وأنتِ في الغيبةِ وكأنكِ تشاركينَ يا أمي؟” كاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية