وظّف الروائي عبد الرحيم جيران، زخما متنوعا من التكنيك السردي في روايته الأخيرة «الحجر والبركة» (دار فاصلة 2019)، انسجاما مع الغايات الفنية والجمالية والموضوعية المصممة مسبقا، والمفكر فيها، مع سبق الإصرار والترصد، وهذا يُبرز درجة الوعي بالخصوصية، وتشكل الأنواع والأجناس الأدبية لدى الباث، وحرصه على التنويع، والتجديد، والارتقاء بممكنات الكتابة السردية، وفتح أفقها على أسئلة التفاعل والتعالق بين الأنواع المتجاورة.
لقد كانت غاية التوطئة التي صيغت باسم الراوي- الشخصية، وضع ميثاق القراءة بين الباث والمتلقي، على اعتبار أن الرواية صُممت على أساس مادة سير- ذاتية لشخص ورقي متخيل لا وجود له في الواقع، شخصية اجتهد المؤلف، طبقا لما أدت إليه التوافقات الناجمة عن مفاوضات متواصلة بين الكاتب وسرّاده، في هندستها، وتشييدها؛ انطلاقا من حيوات شخصيات كثيرة صادفها، أو قرأ عنها، وبث فيها كثيرا من روح تجاربه الشخصية، رغبة منه في أن كتابة سيرية مختلفة لجيل برمته، وليست لشخص واحد، مؤسسا إياها على المشترك، والمختلف بين الحالات الإنسانية المُمثلة، وساعيا في الآن ذاته، إلى ترك مسافة بينه وبين ذواته المُتعددة، وأناه الآخر، والابتعاد ما أمكن عن التدخل في الشخصيات، وتشكيل العوالم.
وظل هذا التحوط ساريا طيلة مفاصل الحكاية «حكاية سليمان الثنائي»، إذ يتوقف السرد في لحظات معينة، ليفكر السارد في إمكانيات الصوغ، واحتمالات التشكل، عبر إجراء حوارات وسجالات مع الشخصية، أو تقليب مذكراته القديمة الموثقة بالتواريخ لوقائع دالة في حياته (حيواته). ولئن اعتمد الكاتب مادة سردية، كراسة مذكرات، صورا فوتوغرافية، رسوما، أحداثا تاريخية، أسماء شخصيات ذات بعد مرجعي، أسماء فضاءات مغربية معروفة، بغاية إضفاء الواقعية والإقناعية على المسرد السيري الغيري، فإن الرواية الذاتية حرصت على أن تكون متخيلة، ذات بعد إيحائي، تلمح ولا تصرح، تحيل ولا تُفصح.
غير أن وجود الإحالات المرجعية لأزمنة وأمكنة مغربية محددة، لا ينفي تدخل السارد في تحوير الأسماء والملامح والهيئات، وشحن المحكي بالمحكيات والقصص والتجارب المتخيلة أو المقتبسة، من روايات أو مسرودات عالمية، إذ إن القارئ المغربي لن يستغرق وقتا طويلا لمعرفة أن المكان المرجعي الذي ولد فيه سليمان، وترعرع فيه في حضن والدته «لويز» وجده «بوشتى» و»سليفة» و»زليخا» هو «أزمور»، الذي صار في النص الروائي «الراموزة»، يتهيأ للمتلقي ذلك، من خلال المشيرات النصية الدالة مرجعيا، فهناك ـ الجديدة، مولاي عبد الله، ضريح الولي واهب المواليد، سيدي عبد الرحمن، النهر الكبير (وادي أم الربيع)، الاحتلال البرتغالي، صباغ الحمير، سوق سيدي إسماعيل ـ غير أنه، لكي يبقى الأمر ملتبسا، يُقحم الراوي أسماء أماكن وأعلام غير موجودين، ليضفي على المحكي ميزة الخيال: صفورية، الراموزة، قرية السحاحلة، زقاق الموزونات، محل الزناري، النهر الكبير (بهذه الصفة الغامضة)، مطعم السي الكدري، الولي الصالح مول البحر، هذا التحفظ في تحديد الأمكنة والأشخاص والأزمنة المرجعية يهيمن بشكل حاد، كلما تعلق الأمر بمحيط المنبت الأصلي لشخصية الثنائي (أزمور)، لكنه يزول بمجرد أن يرحل عنها، فتتحرر روحه، ويسكن العامل الذات إلى الفضاءات الواقعية في البيضاء والرباط، زمن الستينيات، حتى أن البيانات الإثنوغرافية الواردة في النص حول المدينتين تصلح لأن تكون وثيقة تسجيلية تصور ما وقع على الفضاءات والعوالم، من تغيير على مستوى الهندسة والتصميم والتسمية، كما أن المحكي يحيل إلى أماكن مرجعية فقدت هويتها الأصلية، أو لم تعد موجودة إلا في الذاكرة، ومراجع بعض المصورين الأجانب، مثل البحيرة، المسبح الكبير، 20 أغسطس، حديقة الجامعة العربية، شاطئ مريزيكة، عين الذئاب، دار أمريكا درب كوبا، سينما المغرب، الألفة، شارع غاندي، سيدي بليوط، وفي الرباط: الجامعة، سجن لعلو، شارع النصر، العكاري، القامرة، الحي الجامعي السويسي، دوار الكرعة، المحيط، الأوداية.
يدور داخل النص سجال ضمني بين السارد والشخصية، قد يطول أحيانا، حول آليات الصوغ، وتثبيت الأفكار والمواقف، وضبط مواقعها وتوقيتها، الشيء الذي يجعل المحكي يستضمر نصا واصفا موازيا للحكاية، يشكل وحده، لو تم عزله، مُنجزا نقديا.
أما عن اللغة المستعملة في المتن، فقد طغى عليها التنوع، حسب فئات الشخصيات الكثيرة التي أثث حضورها العالم الروائي، إذ نجد اللغة الواصفة التي تتيح للراوي مماحكة مسروده، من وجهة نظر نقدية واعية، كما نلفي اللغة العربية الفصحى، بوصفها لغة أساسية للحكي، تميزت بتدرجها بين التعبيرية والتقريرية، تماشيا مع تعدد طبقات الشخصيات والسراد، وانسجاما مع إيقاع التوترات اللحظية؛ وتفاعلا مع الوقائع والأحداث المستعادة من الذاكرة، ناهيك عن استعمال الدارجة في الحوارات، وبعض العبارات المسكوكة التي تكون أشد تعبيرية بالخطاب العامي.
ووعيا من الراوي بأهمية الخطاب البوليفوني في تنويع الأصوات واللغات داخل العالم الروائي، وترسيخ التعالق بين مكونات السرد، وعوالمه، وترهيناته، وخلق الاتساق بين مختلف أبعاد النسيج النصي، بفعالية مضاعفة، ودينامية تبادلية، فقد عمل على توظيف لغات أجنبية مثل الفرنسية والإسبانية في لحظات سردية معينة، رغبة من السارد العليم – الذي يعرف أحيانا، عن الشخصية أكثر مما تعرفه نفسها- في منح شخصياته فسحة للتعبير وفق قناعاتهم اللغوية ومرجعياتهم الثقافية، بما يعضد منطق التحولات والتفاعلات السردية داخل العوالم النصية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن التشعب الحواري الديالوجي في المحكي توغل إلى الأنواع الخطابية الموظفة لإثراء المتن، حيث اتسعت الرواية لاحتضان خطابات كتابية أخرى مثل المذكرات الموثقة زمانيا ومكانيا، التي كانت السند المرجعي لتحريك فعل التذكر واستعادة الأحداث والوقائع الشخصية والموضوعية، والرسائل المتبادلة بين الشخصية الرئيسة وبعض الشخصيات الأخرى، وتحديدا عشيقته نجية بلمعلم، والإعلانات التحذيرية، ملخصات أفلام سينمائية، تقارير مركزة عن بعض الروايات العالمية أو بعض اللوحات التشكيلية، قصصا ومحكيات عن أصدقاء مقربين من شخصية سليمان، أو أشخاص لهم علاقة قرابة به، فضلا عن المفتتح (الوصية)، والقفل (ملحق).
يدور داخل النص سجال ضمني بين السارد والشخصية، قد يطول أحيانا، حول آليات الصوغ، وتثبيت الأفكار والمواقف، وضبط مواقعها وتوقيتها، الشيء الذي يجعل المحكي يستضمر نصا واصفا موازيا للحكاية، يشكل وحده، لو تم عزله، مُنجزا نقديا، أو حاشية قرائية غنية حول العمل، فبينما كان سليمان قد اخْتار «رمية نرد» عنوانا أوليا لروايته، فإن السارد عمل على تعديله إلى «الحجر والبِركة»، اعتقادا منه أنه أدل وأدق، بحيث إن الحجر عندما يلقى في البركة يصنع دائرة تتسع وتكبر، ثم تتلاشى بحسب ثقل الحجرة، وحجمها، ودرجة قوة الرمية، وما تلك الحجارة سوى الحوافز المثيرة للحكي، أما الدوائر (عددها اثنتا عشَرة دائرة) فتشكل محطات متداخلة من حياة الشخصيات وعوالمهم الذاتية والموضوعية.
يتسم إيقاع السرد، على العموم، بالبطء الشديد بسبب عاملين اثنين على الأقل:
الأول، الإغراق في الوصف، وما يرتبط به من توقف فعل السرد، تماشيا مع الانشغال بتأثيث الفضاء، أو بناء هيئة الشخصية وسماتها الفيزيولوجية والنفسية، حيث كان السارد يقوم بذلك، بصورة دورية، كلما أقحم عنصرا جديدا داخل العالم الروائي، سواء كان شخصية أو حدثا أو مكانا، كما أن زمن السرد لم يكن يتخذ اتجاها واحدا، بل كان السرد متداخل الأزمنة (الماضي والحاضر والمستقبل) من خلال استغلال تقنيات (القفزة أو الفجوة، الوقفة، الفلاش باك، والاستشراف).
ونسجل، بهذا الخصوص، القدرة الكبيرة للسرد على التجسيد الكاريكاتيري، والتصوير الهندسي التفصيليين، حتى أن المشهد يكاد يبدو مكتملا في ذهن القارئ، ويتصل هذا الأمر تحديدا بتجلي الموهبة التي يتوفر عليها سليمان الثنائي في مجاليْ الرسم والتصوير الفوتوغرافي.
ويتعلق الثاني؛ بتضمين قصص أخرى ثانوية تكْسر الخط التصاعدي للسرد، وتخلق فجوات جانبية في جسد الحكاية، في حين أن الثالث؛ يخص إقحام ملاحظات وتأملات نقدية من قبل السارد العليم، تعمل على تقليب بعض الأحداث والمواقف والأساليب والصيغ على أوجهها (خطاب ميتاروائي)، أما الرابع؛ فيهُم الخطابات الحوارية المستعادة بين الشخصيات، يتبادلون عبرها الأحاسيس والمواجع والطموحات والانكسارات.
لم يسلم الفضاء النصي للرواية من التدخلات التجريبية، بما أنه صار في الأدبيات النقدية من العناصر الدالة إبان عمليتيْ التحليل والتأويل، وإعادة بناء الخطابات، ومن الملاحظات التي نسجلها هنا، أن الكتابة تنوع من بنط الكتابة لتميز بين الأنواع الخطابية المتضمنة في المحكي.
ولن يفُوت المتلقي الانتباه إلى ظاهرة الالتفات أو اللعب بالضمائر، إبان الحكي، إذ نوع السارد، على مستوى الحكي، بين ضمير المتكلم المفرد (أنا) يقول الراوي: (أشهد أنا الموقع أسفله سليمان الثنائي….)، وضمير جماعة المتكلمين (نحن) في قول السارد: (وعلى الرغم من يقيننا بمدى المحبة التي يخصك بها، لم نكن نعرف طبعه جيد)، وضمير المفرد الغائب (هو) في مثل قول السارد: (لم يكن يتلفظ بجمل مكتملة وواضحة، كما يفعل ذلك في ما يشبه الهمس…) ص. 387، وضمير المخاطب المفرد (أنت) في مثل قول الراوي: (أفقتَ صباحا، الساعة السابعة…)، وهي ضمائر؛ وإن كانت بمثابة مرايا متقابلة، أو وجوه لشخص واحد، فإنها تعكس، على مستوى الخطاب، تبدل وجهات النظر، وتغير زوايا التموقع في العالم السردي، غير أن الضمير المهيمن ضمن المحكي؛ هو ضمير المخاطب (أنت)، وكأن السارد يخاطب شخصيته الرئيسة، التي تتحول إلى مروي له في أحيان كثيرة، وهي تقنية صعبة يتفاداها الروائيون، في الغالب، خاصة في ما يتعلق بالرواية الذاتية أو محكيات السيرة، حيث يكون ضمير المتكلم هو حمار السرد، وقنطرة العبور السهلة، لأنه يحقق درجة التطابق بين السارد والشخصية والكاتب الفعلي، أو على الأقل يوحي بذلك. وقد وفق الروائي هنا، إلى حد بعيد، في جعل ضمير الخطاب ضميرا حيا، ومتغيرا قويا في معادلة الحكي، خاصة أنه ميّز، في شخصية «سليمان الثنائي»، بين فاعلين: سليمان المثالي، وسليمان الواقعي، كما أن ضمير الخطاب، جعل السارد يتصرف في عوالمه، متخذا مسافة معقولة من شخصياته، منتقدا حينا، ومتعاطفا أحيانا، وناقما أحيانا ثالثة، وبقدر قسوته الجلادة للعامل الذات في المحكي، فقد كان أيضا، محايدا في تحليل السياقات، التي خاضت فيها الشخصيات معاركها الطاحنة مع تحديات الداخل والخارج، فبدا، وكأن هذا الجيل لم يكن محظوظا البتة، على الرغم من تضحياته الجسام.
لم يسلم الفضاء النصي للرواية من التدخلات التجريبية، بما أنه صار في الأدبيات النقدية من العناصر الدالة إبان عمليتيْ التحليل والتأويل، وإعادة بناء الخطابات، ومن الملاحظات التي نسجلها هنا، أن الكتابة تنوع من بنط الكتابة لتميز بين الأنواع الخطابية المتضمنة في المحكي، خاصة ما يتعلق بخطاب الترسل، وخطاب الإعلان، وخطاب العناوين، وخطاب الأرقام العددية، وخطاب الحوارات، من أجل تمييزها عن خطاب السرد المهيمن، وتوجيه القارئ إلى التعامل معها، على أساس استحضار خصوصيتها، وأهدافها داخل العالم السردي. غير أن الأمر المثير للانتباه هو شح المساحات البيضاء التي تريح العين، وتضاؤل عناصر الضوء بين الفقرات والمفاصل الكتابية، حيث تم دمج الوحدات النصية، وتكثيفها في مساحة كل دائرة. وسواء كان ذلك الأمر بتوصية من المؤلف، أو بتدخل شخصي من الناشر، فإن ذلك سيكون مدعاة لإشراك المتلقي في التمييز بين الحدود والفواصل، وإعادة التفكير في صياغة خاصة لتصميم الفضاء النصي، كي تنسج إيقاع القراءة، ولعله لن يجد أدنى صعوبة في ذلك، بالنظر إلى الحرفية العالية التي رقمت بها المحكيات (علامات الترقيم). وتبقى لهذا الشكل البصري دلالته الرمزية نفسيا، حيث إن تعب الشخصية مما صادفته في حياتها من مصائر منهكة، ونوء السارد، معها أيضا، بهذا الثقل الذي رماه الكاتب والشخصية معا على عاتقه، كان لا بد أن يتمظهر على مستوى انبثاق المداد على بياض الورق، حتى ينخرط المتلقي هو الآخر في هذا الإحساس منذ أول وهلة، ويتهيأ لتقبل مادة لن تكون سهلة المضغ والبلع عليه، بما فيها من قلق وجودي، وشعور بالضيم، وتماه مع قهر الشخصيات ومآسيها، وتوغل في حالات انكسارها ونكساتها الموجعة.
٭ ناقد وروائي مغربي