بيانيتش قطعة نادرة لترميم برشلونة أم مشبوه جديد؟

حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:  تباينت ردود أفعال مشجعي برشلونة، بعد الإعلان الرسمي عن صفقة آرثر ميلو وميراليم بيانيتش التبادلية، التي على إثرها سيرتدي الشاب البرازيلي قميص يوفنتوس بداية من الموسم الجديد، مقابل انتقال البوسني المخضرم إلى “كامب نو”، بالإضافة إلى حصول النادي الكتالوني على فارق القيمة السوقية بين اللاعبين، والتي قُدرت بنحو 12 مليون يورو بالاضافة الى المتغيرات.

 

علامات استفهام

لاحظنا سخط واعتراض شريحة عريضة من عشاق “البلو غرانا” على الصفقة برمتها، حتى أن البعض منهم يعتقد أن إدارة اليوفي وجهت الصفعة الثانية للرئيس جوزيب ماريا بارتوميو ومجلس إدارته، بعد خطف اليافع الهولندي ماتيس دي ليخت من أياكس أمستردام العام الماضي، رغم أن كل المؤشرات والتوقعات كانت تصب في مصلحة عملاق الليغا. وهذا العام، أكل البارسا طُعم سيدة إيطاليا العجوز، بترك موهبة في بداية العشرينات قابلة للانفجار في السنوات المقبلة، مقابل ضم لاعب على أعتاب كسر حاجز الـ30، والسؤال هنا: هل المشجعون على صواب في حملتهم الشرسة على الإدارة؟ قبل الإجابة على الطرح دعونا نستعرض الأسباب التي دفعت بارتوميو ومجلسه المعاون لإبرام الصفقة. أولا هناك اعتقاد سائد بأن آرثر لاعب غير ملتزم ويفتقر للانضباط المطلوب للمنافسة على مكان في تشكيلة برشلونة الأساسية، لرصده عدة مرات في حفلات وسهرات صاخبة قبل مباريات مهمة، بجانب عدم التزامه بالحجر الصحي في فترة تفشي كورونا. ثانيا وهو الأهم، لعدم ظهوره بالنسخة المتوقعة منه على مدار موسمين، كساحر برازيلي من المفترض أنه جاء إلى النادي ليحل محل الرسام أندريس إنييستا، مكتفيا بأربعة أهداف وست تمريرات حاسمة من مشاركته في 72 مباراة في مختلف المسابقات، ما جعل الإدارة تسمح له بالرحيل، على أمل أن ينجح الوافد الجديد، في حل صداع بطء وغياب حلول لاعبي الوسط بعد تقدم إيفان راكيتيتش وسيرجيو بوسكيتس في السن. والمفارقة، أن اليوفي تعاقد مع آرثر لنفس السبب، حيث يختلف أسلوبه عن باقي المتاحين في مركزه، أمثال أدريان رابيو وآرون رامزي وبليز ماتويدي ورودريغو بينتاكور، ومن يدري، قد ينجح يوفنتوس في إعادة اكتشاف الشاب البرازيلي، ويكون القطعة الأساسية التي يبحث عنها ماوريتسيو ساري في مشروعه مع أصحاب “آليانز ستاديوم”، بتوظيفه في مركز لاعب الارتكاز أمام رباعي الدفاع، للاستفادة من رؤيته ودقة تمريراته، كما استفاد من جورجينيو في نفس المركز مع تشلسي الموسم الماضي وقبلها عندما كان كلاهما مع نابولي، وذلك على حساب لاعب قدم كل ما لديه للفريق على مدار أربع سنوات، وهذا في حد ذاته، واحد من أهم أسباب غضب جمهور البارسا.

 

مدريدي ومفلس!

كان واضحا أن المشجعين لم يعترضوا على موهبة ولا جودة بيانيتش كلاعب وسط من الطراز العالمي، لكن مشكلتهم تكمن في توقيت ضمه واختلافه عن مواصفات مشروع برشلونة في مرحلة ما بعد ليونيل ميسي، وذلك بالتأخر أكثر من عقد من الزمن للتعاقد معه، بعدما كان بالإمكان ضمه وهو في ريعان شبابه حين كان لاعبا في صفوف ليون الفرنسي عام 2008، وبعد استنزافه في جنة كرة القدم طيلة عقد العشرينات في عمره مع روما واليوفي، أتى به إيريك أبيدال والمعنيين بملف الصفقات ومستقبل اللاعبين، وبالنظر إلى وجهة النظر هذه، سنجد أنها صائبة إلى حد ما، وذلك استنادا إلى مؤشر أرقامه. ولنفهم مدى أهمية مؤشر الأرقام، يكفي أن نعرف أنه كان سببا في تحول أنظار ليفربول اتجاه صلاح، بناء على ما رصده فريق التحليل بصعود أرقامه بشكل متسارع، بعد نجاحه في التغلب على كبوة تشلسي مع فيورنتينا وروما، وبالنسبة لميراليم، فمؤشر أرقامه في السنوات الماضية، فأقل ما يمكن قوله، إنه لا يبعث التفاؤل، بهبوط صادم في المنحنى، سواء في ما يخص الأرقام، بتسجيل 7 أهداف وصناعة 11 هدفاً في آخر موسمين، مقارنة بأرقامه في موسمه الأخير مع روما، سجل 12 هدفا وقدم 11 تمريرة حاسمة، وأيضا في أول موسمين مع يوفنتوس، سجل 19 هدفا وصنع 21، وكذلك الأداء، كما يظهر بوضوح في عروضه المخيبة للآمال، خصوصا في المباريات الفاصلة، لعل آخرها مباراة نهائي كوبا إيطاليا ضد نابولي، التي قدم خلالها واحدة من أسوأ عروضه على الإطلاق، وهو ما جعل المدرب يستبدله بفيديريكو بيرنارديسكي، لإعادة السيطرة على وسط الملعب، الذي هيمن عليه فابيان رويز ودييغو دييم طيلة الشوط الثاني بالذات. بجانب ذلك، لا تتوافر لدى بيانيتش لا الشروط ولا الوعود التي أطلقها بارتوميو أكثر من مرة، عن خطة النادي لبناء فريق قوامه الرئيسي من الشباب ليحمل الراية بعد البرغوث والقدامى الذين يقضون مواسمهم الأخيرة، نظرا لتقدمه لاعبيه في السن وانخفاض معدلاتهم البدنية، مما ينذر إما بكارثة أو تحقيق نجاح قصير الأجل. والكارثة تكمن في خطورة المجازفة باللعب بأكثر من 7 أو 8 لاعبين جميعهم تخطوا حاجز الـ30، ونتحدث عن جيرار بيكيه وخوردي ألبا وسيرجيو بوسكيتس وآرتورو فيدال وليونيل ميسي ولويس سواريز وأنطوان غريزمان وبيانيتش، الأمر الذي قد يعيد إلى الأذهان ما حدث مع ريال مدريد، في نهاية حقبة زين الدين زيدان ولويس فيغو ورونالدو الظاهرة، عندما تحولوا من فريق مخيف إلى كتيبة عواجيز تعيش على أطلال الماضي. أو قد تنجح الخطة، ويختتم هذا الجيل رحلته بنهاية سعيدة، وفي أفضل وأحسن الأحوال، ستكون صفقة بيانيتش أشبه بالمخدر قصير الأجل بحثا عن نجاح سريع لتعزيز أسهم الإدارة الحالية قبل انتخابات العام المقبل، وليس ذاك اللاعب المستقبلي الذي سيخدم النادي لنهاية العقد الجديد. أضف إلى ما سبق، الحملات الممنهجة التي تقوم بها الصحف المحسوبة على ريال مدريد، بهدف الوقيعة بين المسكين ومشجعي البارسا، بإعادة نشر ما قاله عامي 2008 و2013، عن عشقه وتعلق قلبه بالميرينغي ومدربه زين الدين زيدان، وهو ما صدم مواليد الألفية الجديدة، وضاعف حملة التشكيك في نجاحه مع برشلونة، تماما كما فشلت جُل الصفقات التي أبرمتها إدارة بارتوميو، بما في ذلك تاريخ الصفقات المشبوهة التي ضربت سمعة بارتوميو وإدارته في مقتل، ومن قبلهما الرئيس ساندرو روسيل عراب صفقة شراء نيمار جونيور من سانتوس عام 2013.

 

صفقة بطعم بارتوميو

يُفهم أيضا من ردود الأفعال السلبية على الصفقة، تعمد إحراج الرئيس بارتوميو ومجلس الإدارة، كرسالة واضحة، أن معظم الجماهير، تأكدت أن الأزمة الحقيقية ليست في المدرب ولا اللاعبين، بل في تخبط الإدارة وتعاملها مع الصفقات بطرق مثيرة للريبة، أشبه ما يكون بالمصطلح المصري الشهير “سبوبة”، وليس لمستقبل الفريق ولا لسد نقاط ضعفه. ولو عُدنا ثلاث سنوات إلى الوراء، سنتذكر ما حدث بعد هروب نيمار جونيور، بإبرام صفقة غير مفهومة حتى الآن، بإعادة باولينيو من الصين لمدة عام، وتبعه بإنفاق أكثر من 100 مليون يورو في لاعب مراهق مثل عثمان ديمبيلي، لم يكن قد تجاوز الـ20 عاما آنذاك، وبعد ستة شهور، ضحى النادي بحوالي 140 مليونا لإطلاق سراح فيليب كوتينيو من ليفربول، وفي الأخير، بدا وكأن الإدارة بعثرت المال في الهواء، للمحصلة المتواضعة التي قدمها الثنائي، الذي كبد الخزينة قرابة ربع مليار يورو، ناهيك عن مأساة أنطوان غريزمان، بضياعه بين ليونيل ميسي وسواريز، وصفقات أخرى باهظة الثمن لم تقدم إضافة حقيقية للفريق، ما بين سوء اختيار أو نحس أو عدم تأقلم مع أفكار المدرب، وأحيانا كانت الإدارة تتعاقد مع لاعبين في مراكز لا يحتاجها الفريق، كما حدث في صفقة غريزمان، في وقت كان وما زال يبحث فيه النادي عن رأس حربة منافس أو خليفة للسفاح الأوروغواني، وجاءت الضربة القاضية، بالدخول في عناد مع اللاعبين، بطرد المدرب الباسكي إيرنستو فالفيردي، على عكس رغبة وإرادة اللاعبين خصوصا الكبار. وفي تلك الأثناء، تم تسريب فضيحة اتفاق بارتوميو مع إحدى الشركات الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف تحريض الرأي العام على البرغوث والنجوم الكبار، مقابل التطبيل للرئيس وإدارته، ورغم تبرؤ الإدارة من هذا الاتهام في بيان رسمي، إلا أن التقارير الواردة من داخل النادي، تؤكد باستمرار أن اللاعبين ليسوا على وفاق مع الإدارة، اعتراضا على طريقتهم في إدارة ملف الصفقات، بتجاهل أو فشل في تلبية احتياجات الفريق، على غرار ما حدث، بإهدار الوقت في مفاوضات لا قيمة لها مع باريس سان جيرمان لإعادة الابن الضال نيمار جونيور، بناء على رغبة وطلب ميسي بشكل شخصي، كما أفادت الصحف الكتالونية آنذاك، ليجني بارتوميو ثمار تخطيطه وقراراته، بما في ذلك اختيار كيكي سيتيين لخلافة فالفيردي، بالحالة التي وصل إليها الفريق بعد عودة النشاط الكروي الشهر الماضي.

 

القادم أسوأ

دعونا نتفق أن بداية سيتيين لم تكن سيئة أو كارثية، كان يعيبه تفاوت الأداء والنتائج في مبارياته التي يخوضها في “كامب نو” مقارنة بمعاركه خارج القواعد، بجانب التأخر في إزالة الصورة القاتمة التي تركها فالفيردي قبل إقالته في يناير/كانون الثاني، لكن الأمر الصادم بالنسبة للمشجعين، ما حدث للفريق بعد كورونا، بتقديم نسخة أسوأ مما كان عليها مع المدرب السابق، لانخفاض تأثير ميسي وحلوله “الخارقة للطبيعة” في بعض المباريات، وبالأخص المباريات الثلاث التي خرج منها الفريق بثلاث نقاط أمام إشبيلية وسيلتا فيغو وأتلتيكو مدريد، كأفضل هدية لزيدان، ليبتعد ريال مدريد بالصدارة حتى إشعار آخر. وكالعادة لم يتمكن كيكي من إيجاد حلول في غياب لحظات البرغوث الإبداعية، مثل سابقيه، الذين واجهوا نفس المصير بدون حل فردي عبقري من ليو، ولو أنه، أظهر ملامح صحة وجهة نظر الشامتين والمنتقدين، بأنه لا يملك من “الكاريزما” من يكفي لتدريب فريق بحجم برشلونة، رغم أنه مع ريال بيتيس، كان يقدم كرة قدم ممتعة بعناصر أقل جودة وخبرة من النجوم المتاحة معه في قائمة البلو غرانا، ما يعني أن مشكلته لا تكمن في أفكاره، بقدر ما هي في شخصيته، كمدرب لم يفرض شخصيته على اللاعبين، ولم يضع يده على كلمة السر “السيطرة على غرفة خلع الملابس”، التي يقول عنها قائد الأعداء سيرخيو راموس “أحيانا تكون السيطرة عليها أهم من الأمور الفنية داخل المستطيل الأخضر”، وهو ما ينعكس على أداء وروح اللاعبين داخل الملعب، باللعب أحيانا بطريقة انهزامية، خاصة في الأوقات الصعبة التي تتطلب تدخل المدرب ولا يتدخل، أو يأتي بعد فوات الأوان، كما أهان الأنيق غريزمان أمام زملاء الأمس، بإشراكه في الوقت المحتسب بدل الضائع على حساب فيدال، وسبقها بخمس دقائق (الدقيقة 85) بإشراك أنسو فاتي بدلا من بوسكيتس، والنتيجة 2-2 مع الهنود الحمر منذ الدقيقة 62، ما عكس حالة التوتر والقلق التي يعيشها في الأيام الماضية، بسبب تدهور علاقته باللاعبين، على خلفية صدام مساعده سارابيا مع ميسي أمام سيلتا فيغو، الذي أثار جدلا على نطاق واسع، للطريقة التي تجاهل بها ليو مساعد المدرب، بعدم الاستماع إلى تعليماته، وقبله كررها جيرار بيكيه أكثر من مرة، لكن مع سيتيين نفسه في المباريات الرسمية والتدريبات، لكن بطريقة أكثر لطفا، وبطبيعة الحال، مع استمرار حالة الانفلات بين اللاعبين والطاقم الفني، لن يكون القادم أفضل، خاصة مع زحف زين الدين زيدان وكتيبته نحو لقب الليغا، وإن لم يثبت العكس في ما تبقى من مباريات الدوري الإسباني ودوري أبطال أوروبا، سيكون خير دليل، على أن الإدارة لم تكن صائبة في اختيار المدرب والمشروع بأكمله، بدخول في ما يمكن وصفه “مقامرة” مع مدرب لم يتعامل من قبل مع ضغوط الأندية الكبرى، بدلا من اللعب على المضمون، باختيار مدرب يتمتع بشخصية وتاريخ وغيرها من الأشياء التي تؤهله للسيطرة على غرفة خلع الملابس، كما يفعلها الآن زيزو مع الملكي.

 

خلاصة القول

بيانيتش لا يملك عصا سحرية ولن يكون الرجل المخلص الذي سيقود ثورة التصحيح ويُعيد أمجاد تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، لكنه قد يكون سببا في خروج شهادة ميلاد اليافع الهولندي فرينكي دي يونغ الحقيقية، لما يمتاز به عن إيفان راكيتيتش وفيدال، بقدرته على التحكم في الكرة وتمريرها لأطول مسافة ممكنة بشكل طولي في وسط الملعب، وهو ما كان يفتقده لاعب أياكس السابق مع راكيتيتش، المبرمج على تمرير الكرة لميسي، حتى لو كان دي يونغ في وضعية أفضل بتحرك أو هروب ناجح بين الخطوط، بينما في وجود ميراليم، سيجد من يساعده على تفجير طاقته بتسليمه الكرة في وضع جيد أمام منطقة الجزاء ليطلق تصويباته النارية كما كان يفعل مع عملاق الأراضي المنخفضة، أو يضرب الدفاع بلمسة سحرية للمهاجم أو الجناح الهارب من مصيدة التسلل. الشاهد، أن موهبة بيانيتش من الصعب الاختلاف عليها، ومؤهلاته تسمح له باللعب في أعلى مستوى تنافسي في كرة القدم، وإلا لما حجز مكانه في تشكيلة اليوفي الأساسية في أغلب فتراته مع عملاق تورينو، لكن عليه التعلم من الأخطاء التي تسببت في عرقلة كوتينيو وديمبيلي وغريزمان وعدم تكرارها، لعل أهمها التأقلم سريعا مع اللاعبين وتجنب لعنة الإصابات، وهذا لن يحدث، إلا باستعادة النسخة التي كان عليها في موسمه الأخير مع روما وبداية مع اليوفي، أما الانطباع التي تركه هذا الموسم، بتقديم مباراة بشكل جيد وأخرى للنسيان، قد يجعله مجرد رقم في قائمة الصفقات السوداء في عهد بارتوميو المسؤول الأول أمام الجماهير عما يحدث الآن، حتى لو نجح في تهدئة التوتر بين الطاقم الفني واللاعبين حتى نهاية الموسم، ولم يضطر لإقالته إذا ساءت الأمور أكثر من ذلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية