الناصرة-“القدس العربي”: مر الموعد المحدد لتطبيق مخطط السلب والنهب الإسرائيلي المسمى بالضمّ لكن الجدل حياله داخل إسرائيل ما زال واسعا، وتندرج معظم المزاعم المؤيدة له وتلك المعارضة له ضمن معادلة الربح والخسارة لدولة الاحتلال ويكاد يفتقد الخطاب الأخلاقي. كما يتواصل الجدل حول دوافع هذا المخطط الذي طرحه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بين من يراه “فرصة تاريخية” وبين من يعتبره محاولة لصرف الأنظار عن تهم الفساد الموجهة له من شأنها أن تكون بداية نهاية الحلم الصهيوني، مثلما أنه يدور حول أسباب تأجيله الحقيقية ومستقبله واحتمالات تطبيقه أيضا. وينقل محرر الشؤون الحزبية في صحيفة “هآرتس” يوسي فرطر عن وزراء في “الليكود” قولهم بأنه لا يبادر هو نفسه إلى طرح موضوع السيادة بأي شكل من الأشكال. ويتابع مشككا ساخرا “الصمت الذي مر به الأول من تموز بدون أن يتم ضم أي تلة في الضفة الغربية من قبل نتنياهو وبدون انعقاد المجلس الوزاري المصغر حتى لو لجلسة رمزية، كان أمرا مدهشا. لم يتم سماع رفرفة أجنحة التاريخ في الشرق الأوسط، بل صوت المحاولات اليائسة لأوزة تجد صعوبة في رفع نفسها من البحيرة”. وبشأن سبب التأجيل يوضح أن الإدارة الأمريكية غير موجودة في المكان الذي كانت توجد فيه في كانون الثاني/يناير عندما طرحت صفقة القرن”. وينقل فرطر عن مصدر سياسي إسرائيلي قوله إن الحد الأعلى الذي يعتقد نتنياهو بأنه يمكن أن يعطيه، من ناحية سياسية، لا يصل الآن إلى الحد الأدنى الذي يطلبه الأمريكيون. ويضيف “نتنياهو والاعطاء لا يميلان للسير معا كما هو معروف رغم تشابه الكلمة باللغة العبرية. رئيس الحكومة هو من الذين يصممون على السفر بالمجان، وفي المحطة الأخيرة يقفون أمام السائق ويطلبون الباقي. وكل تنازل، مثلا مثل نقل مناطق من مناطق ج إلى مناطق ب سيواجه بمعارضة شديدة من قبل اليمين”. منوها أن “رجال ترامب عملوا ثلاث سنوات على الخطة بالتنسيق مع نتنياهو ورجاله وتقريبا نصف سنة بعد عرضها، ها هي تعود إلى طاولة الرسم وربما إلى سلة قمامة التاريخ “.
جدل واسع اعتباراته حسابات الربح والخسارة
ويقول إنه “الآن في الوقت الذي يتخلف فيه في الاستطلاعات وراء جو بايدن والكورونا تضرب الولايات المتحدة يصعب فهم دونالد ترامب وتوقع خطواته بصورة كاملة وإن تلال الضفة الغربية تصرخ طالبة البشرى، لكن تلة ترامب لا ترد، فاهتمام البيت الأبيض لا يتركز على إسرائيل، بل على كورونا والاقتصاد والمشكلات الداخلية والانتخابات وقد رحل الزخم”. كما ينقل عن وزراء “الليكود” قولهم إنه منذ مغادرة الأمريكيين يبدو نتنياهو كمن يتحدث معهم كشخص متشائم ومتشكك بالنسبة لاحتمالية الضم وهو ما زال يعتقد أنه يمكنه أن يخلص منهم شيء ما مهم ولكن العقبات كبيرة وإلى حين حصوله على إجابات من واشنطن، ومن يعرف متى، فهو لن يقوم باتخاذ أي خطوة.
وانضم أمس رئيس المخابرات العامة “الشاباك” الأسبق كرمي غيلون لزميله عامي ايالون وهو قائد لسلاح البحرية ورئيس للشاباك سابقا بالتحذير من تبعات الضم، بل اعتبر ان احتلال 1967 هو “أم الخطايا” معتقدا أن نتنياهو شخص سيء من أساسه وهو يؤمن بأن إسرائيل لا يمكن أن تكون دولة يهودية وفي نفس الوقت دولة ديمقراطية. ويصف غيلون بكلمات قاسية جدا عملية التدمير التي ينفذها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لإسرائيل ويتابع في حديث نشرته “هآرتس”: “نتنياهو شخص جبان ولا يقوم باتخاذ قرارات حاسمة في جميع الأوضاع: حماس، إيران. مثلا، قدرة تحمله في غزة. لقد تلقى صواريخ والجميع يضغط عليه من أجل تجريد غزة من السلاح ولكنه لا يسمح بذلك، ليس لأنه أقل منهم شعبوية، بل لأنه يخاف من اتخاذ قرارات صعبة ولذا لن يقوم بالضم. هذا سينتهي بربط معين لمعاليه ادوميم في القدس. ومثل معظم من تخرجوا من جهاز الأمن، تحول غيلون إلى معارض كبير للاحتلال والضم وحسب قوله هو كان هكذا دائما، مع معظم قيادة الشباك. ومع ذلك، يضحكه عندما يسمونه هو واصدقاؤه باليساريين ويقول “أنا أكبر رابيني (من رابين) يمكن أن يكون. رابين كان صقريا أكثر من جميع الصقور ولم يكن جبانا. وقد فعل أشياء لم يكن نتنياهو ليتجرأ طوال حياته على المصادقة عليها. يجب علي التذكير بأن الشاباك هو الذراع الذي يتولى العمل الأكثر سوادا للاحتلال. الشباك يستخدم ضد الفلسطينيين أساليب الضغط الأكثر قسوة. استغلال وضع المرضى، مثليون غير معروفين”.
ومبادرات الضم بالنسبة لـ غيلون “أمر غير معقول”: تضارب مصالح مطلق لجميع الأطراف. وبالنسبة له الوضع الراهن جيد لإسرائيل لأنها تحصل على كل ما تريده بدون مقابل”. وتابع “لقد كنت شريكا كاملا بصفتي ضابط استخبارات في اتفاقات اوسلو. ولم يتحدث أي شخص بمفاهيم سلام خارج الغرف. السلام هو شيء ما قاموا ببيعه للجمهور. نوع من الافيون. داخل الغرف تحدثوا عن مصالح، بالضبط هذه هي طريقة عمل طاقم ترامب. إسرائيل خرجت من اتفاقات اوسلو مع الاتفاق الأمني الذي خدمها جدا ضد الإرهاب ومع اتفاقات اقتصادية”. وفي معرض تعليله معارضة الضم يقول غيلون إنه يمكن للمخطط ان ينفذ لكنه يتقول لكن عندها ستطرح بالطبع أسئلة ديموغرافية لافتا إلى ان هذا لا يفيد اسرائيل. ويتساءل لماذا يجب علينا تحويل اليهود إلى أقلية في دولة كل مواطنيها؟ هناك من يؤيدون ذلك، لكنهم أقلية ضئيلة، ويتابع في تبيان منابع رفضه للضم “أنا اعتقد أن الأغلبية الساحقة تريد دولة يهودية وديمقراطية”. غيلون الذي يؤكد عدم إمكانية التوفيق بين اليهودية والديمقراطية في تعريف إسرائيل يقول إنه يفضلها دولة ديمقراطية على يهودية. لو أن إسرائيل بقيت في الحدود التي اقيمت فيها لكان لدينا هنا دولة ديمقراطية دون الحاجة إلى القول بأنها يهودية، تعيش فيها أقلية عربية. الاحتلال قام بتغيير الديموغرافيا. لقد تحملنا المسؤولية عن أناس لا يريدوننا. واستخدمنا أدوات وأساليب أفسدتنا”. وردا على سؤال هل الاحتلال سينتهي في وقت ما قال غيلون: “الآن أنا لا أرى كوكبة كهذه. إلا اذا كان لدينا رئيس حكومة مثل ارئيل شارون. جميعهم يتحدثون عن الانفصال عن غزة. ولكن الأمر الأهم الذي قام به شارون هو الاخلاء في شمال الضفة. بالنسبة للمستوطنين فان الاستيطان في غزة كان شيئا زائدا. فهي ليست من أرض الآباء”.
التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية متوقف
ويحذر المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هرئيل من مغبة الضم ويقول إنه خلافا لبعض التقارير في وسائل الإعلام، فإن القطيعة بالتنسيق المدني والأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل تكاد تكون مطلقة هذه المرة. يشار أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، قد أعلن عن وقف التعامل بالاتفاقيات بين الجانبين، في أيار/مايو الماضي، على خلفية إعلان نتنياهو عن مخطط الضم. ويعكس هرئيل قلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية المتحفظة من مخطط الضم بإشارته إلى أن توقعات الجيش الإسرائيلي قاطعة: أي خطوة ضم، حتى لو تركزت على منطقة صغيرة نسبيا، ستؤثر على الوضع الميداني. وتحريك حاجز على سبيل المثال، سيقابل بمظاهر مقاومة عنيفة من جانب الفلسطينيين. وبعد سنوات من اللامبالاة، ورغم القلق من كورونا والأزمة الاقتصادية، قد يخرج الجمهور في الضفة إلى الشوارع. وشدة الاحتكاك متعلق بمتغيرات عديدة، مثل عمق الضم، والتعبير العملي له ومدى استعداد السلطة الفلسطينية لتبادل الضربات مع إسرائيل.
أوروبا والضم
ويحذر وزير الخارجية العمالي السابق يوسي بيلين من الضم كونه سيدفع لعقوبات قاسية على إسرائيل وصورتها ومكانتها في العالم. في مقال نشرته صحيفة “يسرائيل هيوم” قال بيلين إن الضم الصغير من شأنه أن يدخل أوروبا إلى وضع تسعى فيه إلى الاثبات بانها لا تتصرف بتمييز تجاه ضم القرم وضم الضفة، وتقودنا إلى محكمة الجنايات الدولية بتهم غير بسيطة. وكل ذلك بسبب مسمار صغير وزائد. ويتابع معللا مخاوفه ومحاذيره تتردد دول الاتحاد الأوروبي في موقفها من ضم أراض في الضفة الغربية، من ناحيتها من شأن حتى ضم صغير أيضا أن يؤدي إلى ضم كبير، والحالتان – في نظرها – كالدنس في نظر من يحرص على الحلال: فلا إذنا باكل لحم الخنزير حتى ولا قضمة. كما يقول بيلين ان الفيل الذي في الغرفة هو العقوبات التي فرضت على روسيا في أعقاب ضم شبه جزيرة القرم. كل دول الاتحاد تواصل فيها، وفي محادثات الزعماء يطرح السؤال كيف سيكون ممكنا تبرير عدم فرض عقوبات مشابهة على إسرائيل في حالة الضم. وهذا ما تحذر منه أوساط أمنية إسرائيلية تعبر عنها مجموعة جنرالات في الاحتياط وتعمل في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب برئاسة القائد الأسبق للاستخبارات العسكرية عاموس يادلين. مقابل دعوات أوساط اليمين المتطرف والمتدين الداعي لاستكمال السيادة الإسرائيلية على “أرض إسرائيل” الكاملة يرى هؤلاء ان الضمّ سيؤدي لنتائج أمنية ودبلوماسية واقتصادية تشكل معا ضربة موجعة جدا لإسرائيل.
بوادر فاشية
ولا يكتفي رئيس حكومة الاحتلال السابق ايهود اولمرت بالتحذير من بداية نهاية المشروع الصهيوني بسبب الانتصار الديموغرافي الفلسطيني بسبب الضم كما قالت محذرة وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني منوها أيضا لخطورة سياسات نتنياهو الداخلية. على خلفية الحملات المتتالية على مؤسسات الدولة من قبل نتنياهو يحذر اولمرت من تزايد بوادر الفاشية فيها لدرجة القول في مقال نشرته “معاريف” أمس إن البوادر لم تضرب فقط جذور إسرائيل عميقا لها في أرض الواقع بل باتت تنبت فروعا آخذة في الانتشار بسرعة كبيرة. وتابع “قريبا سنقف متفاجئين عندما يتبين لنا بان الأساس الأكثر وضوحا الذي جعل دولة إسرائيل دولة قوية، مستقرة، مصداقة ومحبوبة رغم مواقع ضعف كثيرة ظهرت فيها، آخذ في الاختفاء من حياتنا الديمقراطية”. ويستعرض اولمرت مظاهر الفساد المستشري لدى “عائلة نتنياهو الحاكمة” واستخدام الأجهزة السرية لملاحقة المواطنين بذريعة الكورونا واستغلال الشرطة لقمع المتظاهرين والمحتجين على سياسة الحكومة. ويخلص للتحذير بشدة غير مسبوقة بالقول “نتنياهو ليس ضليعا بالتاريخ كما يدعي، ولكنه ضليع بما يكفي كي يعرف بان هذا سينتهي بشكل سيء. وان الوضع الحالي سيتدحرج إلى مطارح مواجهة مدنية وسفك دماء في الشارع الإسرائيلي. ومثل الكثير من المحتالين قبله، انتخب للحكم بطريقة قانونية ولكنه جعل القوة التي منحتها الديمقراطية له مطرقة تنزل على رؤوس معارضيه. ليس متأخرا بعد وقف هذا التدهور، ولكن من شأن هذه ان تكون الفرصة الأخيرة.