عندما يجري الحديث عن خطة الضم الإسرائيلية فالتركيز يظل على إسرائيل في وقت يجري فيه كما في الماضي تغييب الفلسطينيين وهم الضحية الحقيقية لكل خطوة تقوم بها إسرائيل أمام سمع العالم.
فالمعارضة لخطة ضم 30 في المئة من أراضي الضفة الغربية ووادي الأردن نابعة من خشية تحول إسرائيل لدولة تمييز عنصري، أو لأن الخطة لا تخدم الأمن الإسرائيلي أو لأن “الوضع الراهن” هو أفضل من خطوة أحادية لا تعني شيئا على الواقع.
وفوق كل هذا ظل دعاة حل الدولتين يكررون نفس الكلام الذي قالوه في الماضي عن المفاوضات وهم يعرفون ان عملية التفاوض ميتة منذ زمن وأن أوسلو كان غطاء للتوسع الاستيطاني على ما تبقى من فلسطين التاريخية. والغريب أن الأصوات المطالبة إسرائيل بالتعقل وعدم الإقدام على خطوة تترك تداعياتها الخطيرة عليها وعلى المنطقة هي نفسها التي وقفت صامتة أو دعمت بطريقة غير مباشرة في كل ما حدث. وبدت عملية الضم وكأنها عد تنازلي حيث صور يوم الأول من تموز/يوليو على أنه يوم الحسم الذي سيعلن فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن بدء العملية. وترك الأمر للتكهن، هل سيضم كامل المستوطنات، أي 200 نقطة استيطانية في الضفة الغربية أم سيكتفي بالكبيرة منها حول القدس؟
صحيح أن عدم المضي مرتبط بخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية خاصة تصريحات رئيس الوزراء بالمناوبة بيني غانتس، والذي لا يعارض عملية الضم بل يعارض توقيتها، فهو يرى أن التركيز على مكافحة فيروس كورونا الذي عاد من جديد ومعالجة الاقتصاد أهم من تركيز الجهود على الضم الذي حدث بالواقع وكما حددته خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي كشف عنها في كانون الثاني/يناير واشترطت على الفلسطينيين تنفيذ شروط معينة تؤهلهم لأن تكون لهم دولة، مفككة في هذه الحالة وبدون حدود أو سيادة بل مجرد تجمعات بلدية تمارس فيها السلطة الوطنية عليها الإدارة. وقال سفير أمريكا في إسرائيل ساخرا أن تأهل الفلسطينيين للدولة يعني أن عليهم أن يصبحوا ديمقراطية مثل كندا.
احتجاجات
وفي مقال للبرفيسور أفي شلايم بصحيفة “الغارديان” (22/6/2020) قال فيه إن الاحتجاجات ضد الضم انهالت على نتنياهو من الأحزاب السياسية اليسارية في إسرائيل ومن شبكة من المنظمات اليهودية في الشتات، وكذلك من مجموعة تتكون من 220 شخصية من الجنرالات السابقين ورؤساء الأجهزة الأمنية السابقين. والحجج الرئيسية التي تعتمدها هذه المجموعات المختلفة تقول إن الضم سيلحق ضرراً بالغاً بأمن إسرائيل وإنه سيكون صعباً ومكلفاً حراسة وتأمين الحدود الموسعة، وإنه يجازف بإشعال انتفاضة فلسطينية ثالثة ويشكل تهديداً لمعاهدات السلام مع كل من مصر والأردن. وسيقضي على فرص التطبيع مع بقية العالم العربي وسيحول إسرائيل “رسمياً” إلى دولة ابارتهايد.
وهي حجج تنم عن قلق بشأن مصلحة إسرائيل لا الفلسطينيين. ودعا شلايم حكومة بريطانيا التي رعت المشروع الصهيوني منذ عام 1917 أن تكفر عن خطئها وتعترف بدولة فلسطينية. فلم تعترف حتى الآن بالدولة الفلسطينية إلا حكومة السويد. وهو ما ذهب إليه المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكي إيلان غولدينبرغ، بمقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست” (2/7/2020) وقال إن خطة الضم ستكون بداية لعصر القرارات الأحادية ستؤدي إلى تحول في السياسة من الجانب الفلسطيني أيضا. ففي حالة حدث الضم، فإن حل الدولتين الذي وافقت عليه إدارة ترامب سيكون بلا معنى. وفي عالم كهذا فمن المهم اتخاذ خطوات لإحيائه وخلق وقائع على الأرض تؤكد مناخ حل الدولتين. وأفضل طريقة هي اعتراف رسمي بالدولة الفلسطينية. ويعتقد الكاتب أن الضم هو خطوة لا شك فيها من أن الإسرائيليين يبتعدون عن حل الدولتين. لكن تأثيره على الفلسطينيين لن يكون كبيرا خاصة أنهم لم يعودوا يؤمنون بإمكانية الحصول على دولة.
وتكشف الاستطلاعات في المناطق الفلسطينية أن الدعم لحل الدولتين في أدنى حالاته ومنذ أن بدأ الإسرائيليون والفلسطينيون يتفاوضون منذ عام 1993 وتوقيع اتفاقية أوسلو. والمعارضة لا تقوم على جوهر الاتفاقيات ولكن على غياب الإيمان في إمكانية تحقيقه بعد 25 أو أكثر من الفشل وتوسع المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي من المفترض أنها مخصصة لدولتهم الفلسطينية. ويرى غولدينبرغ أن الاعتراف بالدولة سيعزز من وضع السلطة الوطنية ويعطيها شرعية ويمنعها من الإنهيار. كما وسيدفع الشركاء الأوروبيين باتباع أمريكا.
وحتى لو لم تعترف الولايات المتحدة بالدولة الفلسطينية فإن التعبير عن عدم معارضتها لأي قرار من دولة أوروبية بهذا الشأن سيحفز موجة دولية للاعتراف وسيعزز لحظة الفلسطينيين اليائسين. وسيكون الاعتراف مناسبا لمواجهة إسرائيل التي عرضت خطتها الأحادية حل الدولتين للخطر. وفكرة الاعتراف بالدولة مناسبة للحزب الديمقراطي في جناحه المحافظ والمتطرف.
معضلة
والمشكلة في هذه التحركات الرمزية التي يدعو إليها الرافضون للضم أو المتعاطفون مع القضية الفلسطينية أنها لا تأخذ بعين الاعتبار التغيرات التي حدثت في الواقع الفلسطيني بسبب أوسلو وبسبب التوسع الاسيتطاني الشرس والذي تم بغطاء من أوسلو. فالاعتراف بالدولة هو مطلب السلطة التي ظلت معزولة عن مبادرة السلام الأمريكية ولم يتم أخذ رأيها، ذلك أن الجانب الأمريكي وبدعم من اسرائيل استبعدها لكونها “رافضة” و “ليست شريكا” في العملية السلمية. إلا أن حل الدولتين يظل سرابا، ولا يحل الاعتراف بدولة لا تعرف حدودها أو سيادتها من معضلة السلطة الوطنية التي أصبحت مع مرور الوقت أداة في تنفيذ سياسات الاحتلال وقمع شعبها من أجل الأمن الإسرائيلي. فالسلطة التي أصبحت مكونا عضويا في آلة القمع لا تستطيع حل نفسها لأنها وعلى مدى ربع قرن أقامت بيروقراطية باتت تعتمد عليها في حياتها اليومية. وحتى عندما تقرر السلطة التحلل من اتفافيات أوسلو ووقف التنسيق الأمني وتسليم سلاح الأجهزة الامنية، إلا أنها تعرف أن التنسيق الأمني يشمل قضايا عدة تمس حياة الفلسطينيين في المناطق المحتلة من العلاج والتصاريح وحرية الحركة والسفر إلى الأردن وغير ذلك. ومن هنا لم تكن السلطة الوطنية التي كان ضعفها سببا في استبعادها من مناقشات خطة ترامب (181 صفحة) قادرة حتى على تعبئة الأوروبيين والدول العربية التي بات بعضها يطبع علنا مع إسرائيل. وبهذا المعنى يظل قرار الضم الإسرائيلي يدور حول متى وكيف بدون أن يكون للفلسطينيين فيه رأي. وتكشف عملية الضم كما يقول طارق باكوني في “نيويورك ريفيو أو بوكس” (2/7/2020) عن المشاكل المتأصلة في التزامات اتفاقيات أوسلو لبناء دولة في ظل الاحتلال. وينقل عن مسؤولين فلسطينيين قولهم إنه لا خيار إلا مواصلة اللعبة وتحقيق حلم الدولة عبر التفاوض. وقال أحدهم “مستعدون للجلوس مئة عام أخرى”. ولكن ماذا سيفعل عندما لا يريد الطرف الآخر التفاوض؟ ومن هنا اتخذت السلطة خطوات ضيقة لمواجهة مشروع الضم مثل الحديث عن وحدة الصف الفلسطيني والتقارب مع حركة حماس. وطغى الخلاف بين فتح، كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وحماس على المشهد الفلسطيني منذ سيطرة الأخيرة على قطاع غزة عام 2007 وسط خيبة أمل من قدرة الجانبين ابدا على التصالح.
تفكير جديد
وفي ظل استطلاعات رأي تشكك من قدرة السلطة على تحقيق حلم الدولة. بل ويناقش بعض الفلسطينيين بمن فيهم القيادة أن السلطة تحولت لمتعهد أمني باتت هناك حاجة للتفكير خارج ثنائية فتح-حماس التي طبعت السياسة الفلسطينية منذ بداية القرن الحالي بل والبحث عن أسس جديدة للمقاومة. مثل التوقف عن حلم الدولة والتفكير ضمن إطار الدولة الواحدة التي يجمع معظم المعلقون أنها ستكون نتاجا لعملية الضم، ولكنها ستكون دولة عنصرية يحشر فيها الفلسطينيون في بانتوستانات ممزقة على طريق دولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
وتحتل فكرة الحقوق المدنية مركزا في هذا التفكير. ويرى الداعون لهذا الشكل من المقاومة أنه سيكون دافعا نحو التعبئة والوحدة. فمن خلال لغة حقوق الإنسان والحقوق السياسية يتم تحدي القمع وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الفردية والجماعية. وبهذه الطريقة يتم الوصول إلى حق تقرير المصير وتحقيق الحرية من خلال إنهاء الاحتلال والعدالة بعودة اللاجئين منذ 1948 والمساواة في إطار المواطنة داخل دولة إسرائيل. وهناك من يشكك في قدرة هذه الحركة على تحقيق طموحاتها في ظل دولة تنظر إلى نفسها كدولة قومية يهودية، تقتصر فيها الديمقراطية على اليهود أما البقية فهم مواطنون من الدرجة الثانية حتى لو حملوا جوازها. ويبدو أن التحول أو البحث عن تعريف جديد للهوية الفلسطينية نابع من الخيبة وفشل النخبة السياسية في تلبية طموحات الأجيال الجديدة من الفلسطينيين خاصة الجيل الذي ولد وترعرع في ظل مشروع أوسلو، فلغة الحقوق والمساواة عالمية. وتجد هذه الحركة دعما من حركات التضامن العالمية مع القضية الفلسطينية التي ازدادت قوتها في السنوات الأخيرة خاصة حركة العدالة من أجل فلسطين. وكما ظهر في تضامن حركة حياة السود مهمة مع الفلسطينيين. ويخشى البعض في المؤسسة الفلسطينية السياسية أن تؤدي المقاومة من أجل الحقوق للتخلي عن الحقوق الدولية، فبدون أوراق قوة لا يمكن للفلسطينيين العيش في ظل دولة واحدة. ولا بد والحالة هذه المضي في مشروع الدولة. فلغة حركة الحقوق المدنية قد تكون جيدة في شوارع نيويورك لكنها لا تتناسب مع واقع الاحتلال والاستيطان، فأي حركة تظاهر ستواجه قمعا وانتقاما يأخذ عدة أشكال. ومهما يكن فدعاة الكفاح من أجل الحقوق المدنية للفلسطينيين يرون أنه إطار بديل عن السياسة العاجزة والقيادة التي وقفت عاجزة أمام الاستيطان والاحتلال والضم.
سيد اللعبة
ففي الوقت الذي يناشد فيه قادة العالم (مثل بوريس جونسون) والدول العربية، وبمقالات في الصحف الإسرائيلية نتنياهو ألا ينفذ قرار الضم لا أحد يتحدث مع محمود عباس الذي يطلق التهديدات الفارغة وهو يعرف أن الماء والكهرباء ومعالجة المياه الصحية في مدنه تحتاج إلى إذن من إسرائيل. وكما يقول المفاوض الأمريكي السابق آرون ديفيد ميللر في مقال بمجلة “فورين أفيرز” (30/6/2020) فاللعبة هي بيد نتنياهو ويريد دفن العملية السلمية. وكان رئيس السلطة أفضل هدية له لكي ينفذ خطته “عباس كان حلما تحقق لنتنياهو، مستعد للتعاون مع إسرائيل في المجال الامني وتجنب العنف وطاولة المفاوضات. وعمل عباس الكثير لدعم حملة نتنياهو من أجل إغلاق الباب أمام ولادة دولة فلسطينية ذات معنى. وتنظر إليه إدارة ترامب كتجسيد لكل مصيبة حلت بالفلسطينيين وساعد على تحرير نتنياهو من ضغوط واشنطن. وهذا لا يعني أن لدى الرئيس الفلسطيني الكثير لتحسين وضع السلطة الوطنية. فقد نصحه البعض بتقديم خطة سلام، ولكن أي خطة؟ عباس عالق الإستسلام ومقترحات يرفضها نتنياهو وغانتس والرأي العام الإسرائيلي-مثل العودة إلى حدود 1967 وتبادل أراضي والقدس الشرقية كعاصمة للفلسطينيين”.
ووجد نتنياهو عونا من الدول العربية، خاصة دول الخليج التي ازدهرت علاقاتها معه في وقت واصل فيه بناء المستوطنات وقتل الآمال الفلسطينية. وهناك الكثير من الأسباب لاستمرار علاقاته مع السعودية والإمارات والبحرين، لأن القلق الحقيقي لها هو إيران والشعور بالتعب من القضية الفلسطينية والرغبة بتقوية العلاقات مع ترامب. وبدا الطرفان يبحثان عن طرق للحفاظ على العلاقات النامية، كما بدا في مقالات سفير الإمارات يوسف العتيبة في “يديعوت أحرونوت” ونواف عبيد في “هآرتس” وفيديو لوزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش في شريط للجنة اليهودية الأمريكية. وكلها وإن عارضت الضم إلا أنها أكدت على أن الخلافات السياسية لا تعني عدم التعاون. ثم هناك الولايات المتحدة التي أغدق رئيسها على نتنياهو الهدية بعد الهدية بحيث جعله يملك مفاتيح اللعبة، والسؤال لماذا يريد نتنياهو الإقدام على خطة يعرف أن الجميع يعارضها بالقول على الأقل؟ والجواب كامن في تأمين إرثه السياسي، فقريبا سيخرج من المشهد لكنه سيحمل معه لقب أطول زعيم حكم إسرائيل مع إضافة ألقاب أخرى مثل ضم الضفة الغربية وتطبيق القانون الإسرائيلي عليها ودفن حلم الدولة الفلسطينية. ولم يكن ليحقق هذا لو كانت هناك قيادة فلسطينية قوية ولم تتواطؤ أمريكا معه وتغمض الدول العربية عينها عن “النكبة” الفلسطينية الجديدة. لكل هذا فالبحث عن إطار للمقاومة بات ملحا، ويجب أن يكون هذا الإطار هو ضد اليأس.