هل يمكن أن نعدّ التأويل استئنافا لفاعلية الفكر ولتنوع اشتغالاته؟ وهل يمكن للتأوليات أن تتحول إلى فضاء حر لتداول الأسئلة؟ ما هي مرجعيات هذا التأويل؟ وكيف يمكن عزله عن الأيديولجيا والسلطة والدين؟ وهل ثمة علاقة عضوية ما بين التأويل والاجتهاد؟ وهل هناك إطلاقية في ممارسة هذا التأويل؟ هذه الأسئلة الحادة يمكن أن تثير جدلا مفتوحا، قد يدفع نحو خيارات تضع النص في مجنة القراءة، أو قد تستفِز الدوغمائية العربية، أو ربما ستدفع باتجاه مقاربات تخص الدراسات الثقافية، التي تعني حفرا في الأنساق الحاكمة للنصوص التأسيسية أو المؤلَفة، وما يمكن أن تستشرفه من حدوسٍ تخصّ فاعلية النظر في هذه النصوص، وفي تداوليتها على مستوى النظر إلى السلطة والخطاب والتاريخ، أو على مستوى قبولها بمفاهيم التجديد والتنوير والنهضة والتقدم، بوصفها ديناميات مؤجلة لمواجهة عقدة «الثابت» في الفكر العربي والإسلامي.
لقد بات ضروريا المجاهرة بالحاجة إلى إثارة «حديث التأجيل» واستدعاء التأويل بوصفه ممارسة واعية، في قراءة المحنة، وفي التعاطي مع ضرورات التجديد والتغيير، وفي النظر إلى أسباب العطب الحضاري، والفشل الدولتي، لاسيما وأن تداعيات الفشل السياسي العربي، انعكست بشكل كبير على سيرورات الدول والمجتمعات، وعلى مستويات القراءة التلقي والتواصل، مقابل ما كرسته صور مُعتِمة للاستبداد والعصاب وللدوغمائيات الطائفية والدينية والشعبوية، وحتى الأيديولوجية، وحتى ما يُثار من لغطٍ حول ربط أطروحات الليبرالية والتقدمية والعلمانية واللائكية، بفاعلية التأويل، سيكون من منطلق تكفيرها ورفضها، لأنّ تلك الأطروحات سوف لن تكون بريئة، وأن أسئلتها تعني المقاربة مع مرجعياتها الأيديولوجية، وقيمها الغربية ذات السياق التاريخي المعروف، وأن فعل التأويل- فيها- سيخضع في هذا السياق إلى توصيفات تضغط باتجاه تحديد فهم معين للنصوص، ولطبيعة الأفكار التي يمكن أن تحملها، ومدى صلاحية تداولها، فضلا عن ما تستدعيه من حفرٍ معرفي أو تاريخي، أو سياسي في ما هو مُضمَر من أنساقها..
التأويل والتمرد
مشكلة التأويل الرئيسية هي التمرد على ما في ظاهر النص، والنزوع للاقتراب من حمولاته الرمزية، أو من إشاراته وشيفراته، التي قد يدخل فيها الأيديولوجي، والسحري، والمثيولوجي، والسياسي والطائفي، وحتى الاستشراقي، وهذا ما يجعل الموقف من التأويل خاضعا إلى حكمٍ يشتبك فيه الشرعي مع السلطوي، والثقافي مع السياسي، والسردي مع التاريخي، وبالاتجاه الذي يجعل القبول به أو التمرد عليه، خاضعا إلى قياس ذلك الحكم، والى طبيعته في التعاطي مع التابوات والمقدس، ومع خصوصية القبول بالمختلف، وبالتعدد والتنوع، وفي النظر إلى الآخر الذي قد يُهدد مفاهيم قارّة في ظاهر النص وفي أحكامه. الحديث عن التأويل ليس بعيدا عن طبيعة الأفكار التي يمكن تأويلها، والتي هي مثار خلافٍ دائم، لاسيما ما يتعلّق بمفاهيم الحاكمية والجماعة والسلطة/ ولاية الأمر، التي تملك الأرجحية في ما هو نسقي في ذلك النص، ومع ما يصلح منه للنقل، أو مع طبيعة تموضعه في سياق التاريخ، أو في سياق المقدّس، وهي قضايا إشكالية قد تُبيح أو تمنع القبول بالتأويل، بوصفه ممارسة فاعلة في الاجتهاد.
إن خطورة هذا التأويل، والتمرد على «اجتهاداته» ترتبط بعلاقته برهانات العقل، ليس بوصفه نقيضا للنقل، بل بطبيعته الوضعانية من جانب، وبجرأته في الانفتاح على «المسكوت عنه» وعلى ما خفي من المضمرات النسقية، والمحذوفة من جانب آخر، والتي عادة ما تسترها السلطة والجماعة، بوصفها عللا، أو عيوبا، مقابل فرض مفهوم الظاهر، والحكم به بوصفه المثال الشرعي، والمجال الصياني، والأقرب إلى النص والنقل منه إلى العقل والجدل، وهذا ما يجعل القبول بالتداول التأويلي أكثر اشتباكا مع أنساق الحكم، ومع مشكلاته الشرعية والتوصيفية، وحتى التاريخية، وأنّ التمرد عليه سيعني مروقا وزندقة وكفرا وخروجا عن الملّة والجماعة.
النظر إلى التأويل في سياق الشك المعرفي بخطابه، يدفع باتجاه مراجعة كثير من المهيمنات والمركزيات الحاكمة، التي ارتبطت بنصوص مركزية، وبسرديات كبرى، أنتجت بعضها السلطة، والبعض الآخر ارتبط بالجماعة.
وبقدر ما يعنيه التأويل من انفتاح على جملة من القضايا والإشكالات المتعددة والمختلفة، فإن القوى الرافضة له، أي قوى السلطة تسعى إلى وضع التمثّل الفكري لتلك القضايا خارج إطارها المعرفي، ولا تنظر إليها بوصفها جزءا من تاريخ الافكار، بل تتعاطى معها بوصفها جزءا استحقاق الحكم، ومن أصول النص، ومن هيمنة الأيديولوجيا، أو المُغيّب منها، وهو ما يجعل التأويل أكثر قربا لفكرة ذلك المحذوف الذي تنتجه الجماعة المقهورة أو المطرودة من نسق الحكم.. لكن خطورة ما يتصل بالتأويل من فعاليات سجالية، يكتسب حضورا عميقا من خلال ارتباطه بـ»السرديات» المؤلَفة، والتي سرعان ما تتحول إلى ممارسة في تقويض التأريخ، والاحتفاء بالجماعات المتمردة، في سياق «علم الكلام» أو في سياق التوصيف الأيديولوجي، وتحت يافطات خلافية تدعي أن التاريخ تُنتجه القوة الحاكمة، وأن السرد تنتجه القوة المطرودة أو المُهمَّشة، لذا من الصعب الركون إلى الكامل إلى هذه الثنائية، لا إلى سرديات التأويل، ولا إلى أحكام السلطة، لأنهما يؤسسان أطروحتيهما على فرضية القوة الغالبة والغاشمة، أو القوة التعويضية، حيث تتبدّى عبرها الأفكار وكأنها أسئلة أفلاطونية، أو منطقيات سقراطية، أو قياسات لها طاقة استنباط الحكم الذي تؤلفه تلك الجماعة، وهذا ما يجعل الآخر عند السلطة، وعند التأويل محكوما بالتكفير، أو الزندقة، أو الاستعانة بسرديات الغنوصيات والإسرائيليات.. الحديث عن» السرديات الجامعة» محض وهم، وتعويل على وجود سند وتقويل تُبرره مهيمنة القوة والحكم، والغلبة والكراهية، ووفق حاجةٍ تجعل من التأويل نقيضا ومُسفّها للتاريخ، ونقيضا للقياس، وله علاقة ملتبسة بـ»الحداثة»، حيث أطروحات قيم للتجديد والتنوير والتقدم، التي جعلت من ثنائية العقل والنقل مجالا ليس للخلاف فقط، بل للصراع، وللطرد، وللغلو، بدءا من أطروحات المعتزلة إزاء الأصوليين، وليس انتهاء بأطروحات الغزالي ضد الاجتهاد الفلسفي، التي وجد فيها ابن رشد مجالا للحديث عن « تهافت» الغزالي، وعن إشكالية النقل، وإلى حديثه في «فصل المقال» عن أهمية عقلنة الحكم والنظر إلى الاجتهاد، وإلى فعل المصلحة العمومية، وفعل الحرية، الذي يعني أساسا امتلاك قدرة التجاوز، والقدرة على التعاطي الآمن مع المشكلات القارة، مثل الاختلاف والتفكير الحر بعيدا عن أي رقابة أو مرجعية أو ضغط كما اقترح ذلك كانط في مرحلة لاحقة.
التأويل والتاريخ
إن مساءلة التأويل تعني أيضا مساءلة التاريخ، لأن فعل المساءلة يعني توسيع دائرة الأفكار، وتغليب فاعلية النقد والجدل على التسليم والقبول بالمنقول، وباتجاه مواجهة أزمات كبرى بدأت تستفحل اليوم، بدءا من هيمنة مظاهر العنف والكراهية والتكفير والهجرة، وتغوّل مظاهر الإسلام السياسي، وانتهاء بفشل الدول العربية في التعاطي مع قيم الحرية والسلم الأهلي والديمقراطية والتعددية والحداثة والعلم.. كما أن النظر إلى التأويل في سياق الشك المعرفي بخطابه، يدفع باتجاه مراجعة كثير من المهيمنات والمركزيات الحاكمة، التي ارتبطت بنصوص مركزية، وبسرديات كبرى، أنتجت بعضها السلطة، والبعض الآخر ارتبط بالجماعة. التأويل في هذا السياق سيكون قراءة مقصودة للمعاني، أو تتبعها عبر الحفر في الأنساق اللغوية والفقهية والأيديولوجية، وبما يجعل الكشوفات التي يهتدي إليها الباحث تتجاوز نفسها، وتنخرط في ممارسات ثقافية تقوم على تفكيك ما هو مغلق في النصوص، بعيدا عن الالتزام بسردية مفهوم الحقيقة، لأن الحقيقة هنا ستتحول إلى نص مغلق، أو تصنع لها سردية كبرى لها مريدوها وجماعتها.. تفكيك المركز نقد التاريخ، والانسداد الفكري الذي تصنعه الجماعات، مثلما هو مجال لتفكيك السلطة، وللمجال الذي تسيدت من خلاله تلك الجماعات، بوصفها أنموذجا للجماعة المعيارية، التي تسندها قوة النص في سياقه النقلي، مثلما تسنده الفاعلية السياسية للنص في سياق فهم الحاكم والفقيه، التي تحولت طوال قرون إلى مؤسسات ومراكز، وإلى جامعات ومراكز بحوث فرضت سلطتها على مجتمعاتنا المثيولوجية، حيث كان ضحاياها الكثر بقدر عدد أحكامها، منهم فرج فودة، وشكري بلعيد، وحسين مروة، ومهدي عامل، ونصر حامد ابو زيد وغيرهم..
٭ كاتب من العراق