قبل دقائق فقط من انفعالات بعضهم الشخصانية والجهوية والفرعية كان الملك الاردني يتحدث لاعضاء مجلس النواب عن الديمقراطية وقبول الرأي والرأي الاخر وتعزيز هيبة البرلمان وسلطة التشريع .
قبل ساعة فقط من انتهاء فعاليات انتخاب رئيس مجلس النواب استمع الاردنيون لخطاب العرش الدستوري الذي يمكن وصفه بانه الوالد الشرعي الأهم للخطابات الملكية واهمها. ولهذه المرة حضر الخطاب ملغما بالمفاجآت الأساسية ومليئا بالملفات والقضايا الهامة جدا وموضحا اولويات الدولة وتحديات المرحلة الكبيرة .
ببساطة شديدة أظهر بعض نواب الاردن ميلا شديدا لتجاهل أهمية المناسبة وعمق الخطاب الملكي وحتى قبة البرلمان فلم تمض دقيقة واحدة فقط على اعلان فوز احد المرشحين برئاسة المجلس حتى علت الاصوات وبرزت مجددا تلك الجهوية المريضة وطفت حالة تخندق ذات بعد قبلي .
دقائق فقط واذا بالنواب يتداولون بعض تفاصيل ما حصل من انفعالات .. مرشح خاسر للانتخابات يبصق في اتجاه احد ابرز الزعامات الوطنية .. مرشح آخر خاسر ايضا يفضح الجميع ويتحدث عن الرشاوى وسلطة المال السياسي.. مرشح ثالث أخفق في تقبل حقيقة هزيمته الانتخابية في الصندوق فرفض توسلات رئيس الجلسة في الهدوء واستعادة طبيعته .
.. فوضى وارتباك وضجيج لا يليق ببيت الامة ثم اقرباء لبعض النواب يحطمون بعض المحتويات وصورة مؤسفة لنواب يوزعون فيها اتهامات الخيانة على كل من لم يصوت معهم رئيسا للبرلمان .
مشهد استمع له الاردنيون على الهواء مباشرة خصوصا بعد وقت قصير من انتهاء خطبة العرش التي يفترض انها تنتهي بتشخيص مرحلة وتحديد بوصلة لمرحلة لاحقة .
قبل ذلك اطلق نائب النار تحت القبة على زميل له، واطلق ثالث حذاءه باتجاه رابع وسمعنا اردنيين عشرات المرات تلك الالفاظ والعبارات النابية التي نسمعها بالعادة في الازقة والحواري واسواق الخضار مع تكاثر الاتهام بالتخوين والعمالة والاجندات الباطنية لمجموعة من النواب انتجت وللمرة الاولى في تاريخ الاردنيين برنامجا واضحا ومحددا .
موائد سياسية ولقاءات مزارع وفلل ونواب يحترفون اللف والدوران ويشاركون باجتماعات كل المرشحين ويصوتون خلافا لقناعاتهم .. للاسف هذا يحصل في البرلمان الاردني .
نائب مستجد حصل على مقعده بالصدفة او بغيرها وفي اللحظة الاخيرة يتصور بان الامة تحل مشاكلها والوطن سيصبح اكثر بهاء وجمالا لو طرح نفسه زعيما للجميع .. اعضاء يتاجرون بالامارة على حساب النيابة ونواب خدمتهم عمليات التلاعب بالاصوات في غرف العمليات يتصورون فجأة بان الملك والنظام والحكومة والشعب بحاجة ملحة لوجودهم على كرسي الرئاسة وفرص في القيادة تمنح من هب ودب وزعامات حقيقية بالمقابل أسست التجربة البرلمانية لا تجد مكانا في المنافسة وتكتفي بالمراقبة والتحسر والحياد .
للاسف الشديد هذه ملامح لا يمكن انكارها في التجربة البرلمانية الاردنية وان كان من غير الممكن تعميمها ايضا.
وهي متصلة وممتدة ولا تتعلق فقط بالمجلس الحالي ودائما كانت موجودة لكنها محدودة اما اليوم فهي تمثل الاغلبية والاكثرية، النواب حساسون للغاية وخلافا للمنطق الديمقراطي تجاه اي محاولة لانتقادهم وغالبا ما يلقون على اي رأي مستقل أو وطني او جريء علبة ضخمة من الاتهامات التي تستخدم لتخويف الناس والحفاظ على هيبة ينقصها الانجاز ويضخمها الالتزام بتفعيل الرقابة الدستورية والعمل التشريعي .
بعض النواب في بلادي هم اعداء هيبتهم وهم من يسيئون لانفسهم ولمؤسسة عريقة تجمعهم ثم يبادرون لاظهار الحساسية واللجوء الى القضاء عند اول جملة او مفردة تسعى للتشخيص او النصيحة او النقد .
حساسية في غير مكانها اطلاقا وغيرة في الاتجاه المعاكس والمفترض بكل الاحوال التوقف عن ترديد نغمة اتهام الحكومة والاجهزة بقصد تشويه سمعة مجلس النواب والانصراف برامجيا الى عمل وجهد كبيرين يحاولان او يسعيان لاستعادة الهيبة ومعالجة مظاهر القصور والخلل .
الحرص على مؤسسة التشريع والاحترام لغالبية رموز هذه المؤسسة هو دافعنا الوحيد للتشخيص والانتقاد والاصرار على انكار مثل هذه المشكلات ضرب من دروب الزيف والنفاق والتسحيج .
لا يوجد مبرر بان نقبل كأردنيين هذا الواقع باعتباره قدرنا كما يخطط بعض المراهقين الطارئين في مستوى الادارة للملف السياسي فالاردن بلد دستوري محترم يتمتع بالاستقرار وينشد الرخاء وتقاليده في الادارة والبرلمان عريقة ولسنا بصدد تمرير خصومات على حساب مبادىء وقيم هذه التقاليد .
قلنا سابقا ونعيد القول:اصل وجوهر الخلل في قانون الانتخاب اولا، وفي تلك الذهنية التي تقنع صاحب القرار بان الحاجة دوما ملحة لنوعية محددة من النوابز
وثانيا الاصرارعلى قانون انتخاب قاصر وسيىء ويمكن التحكم به امنيا يقود الجميع الى أسوأ المنتجات واداء النواب الانفعالي والشخصاني يعاني منه النظام الان قبل المواطن والدول التي تحترم نفسها تعزز التعددية الحزبية وتقفز بالرموز العاقلة البالغة الراشدة المثقفة سياسيا ووطنيا الى الواجهة في صناديق الاقتراع كما تؤمن بان التشريعات يمكن تطويعها لكي ينتهي الامر بممثلين حقيقيين للشعب يتمتعون بالحد الادنى من الثقافة السياسية وبصورة لا تجعل الحاجة ضرورية جدا لمدونة سلوك فردية .
قانون الانتخاب المؤسس على فلسفة ابعاد الاخوان المسلمين ومحاصرة التمثيل المكونات اصل الداء والبلاء فالمكونات كلها والاخوان جزء من النسيج الاجتماعي الوطني ومنظومة النزاهة التي تحدث عنها الجميع مرارا وتكرارا اغتصبت وبصورة علنية وبوضح النهار في عشرات المراكز الانتخابية وفي غالبية المواسم وبدون حتى قرار سياسي مركزي .
التزوير كان في بعض المرات فاضحا وعلنيا وشكل وصفة للادارة والاعتداء شمل مؤسسة دستورية وليدة انيطت بها مهمة ادارة الانتخابات .
اخيرا جرب الفصحاء في الدولة والنظام وصفات التزوير والعبث بالصنايق عدة مرات لكن حتى اللحظة لم تجرب ولا مرة واحدة وصفة الانتخابات النزيهة فعلا دون ان يعني ذلك ان علوم السياسة والاتصال والاجتماع تخفق حتى الآن في فهم او تتبع دوافع وخلفيات وآليات انحياز الناخب الاردني الذي تم افساده هو الآخر بصورة متكررة ومنهجية.
٭ مدير مكتب «القدس العربي» في الاردن
بسام البدارين