بغداد ـ «القدس العربي» ـ وكالات:أثار اغتيال الباحث العراقي البارز هشام الهاشمي، مخاوف من دخول البلاد في مرحلة مظلمة وعنيفة، مع وصول التوترات الحادة بين الفصائل الموالية لإيران والحكومة إلى مستويات جديدة، وفق محللين.
وفيما لا يزال المنفذون طلقاء، يلفت خبراء إلى أن عملية الاغتيال تؤشر إلى تحوّل مأساوي في العنف السياسي المتصاعد منذ انطلاق شرارة الاحتجاجات الشعبية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
بلقيس ويلي من «هيومن رايتس ووتش»، قالت: «القوات المسلحة من مختلف الانتماءات قتلت متظاهرين وغيرهم ممن هم على استعداد لانتقاد الحكومة والقوات المسلحة علناً، وأفلتت من العقاب».
وأضافت: «لكن قتل شخص في مكانة الهاشمي يشكل ضربة كبيرة في بلد يشجع الإفلات التام من العقاب فيه بعض الجماعات على ارتكاب انتهاكات جسيمة، فيتمكنون من قتل أي شخص من دون محاسبة».
ويعرف عن الهاشمي، وهو من مواليد بغداد، ظهوره المنتظم على القنوات التلفزيونية المحلية والأجنبية لتحليل أنشطة الجماعات الجهادية والسياسة العراقية، كما كان وسيطاً بين أطراف سياسية عدة لقربه منها جميعها، ما كان يضمن له مستوى من الحماية.
واتخذ الهاشمي موقفاً داعماً بشدة للانتفاضة الشعبية المطالبة بإصلاح شامل للنظام السياسي العراقي، والمندّدة بموالاة الحكومة السابقة للمعسكر الإيراني.
وخلال موجة الاحتجاجات التي استمرت ستة أشهر، اغتيل عشرات الناشطين أمام منازلهم بأيدي مسلحين مجهولين غالباً ما كانوا يستقلون دراجات نارية، ولم تتمكن السلطات من كشف الجناة.
في أيلول/سبتمبر الماضي، قبل بدء التظاهرات غير المسبوقة، هدّدت جماعات موالية لإيران على الإنترنت، الهاشمي و13 شخصية عراقية أخرى بالقتل.
وهوجم الهاشمي واتّهم مع آخرين بأنهم «عملاء» و«خونة الوطن» و«مؤيّدون لإسرائيل والأمريكيين».
الباحث العراقي عادل بكوان الذي عرف الهاشمي، بيّن أن «المعايير تغيرت منذ تشرين الأول/أكتوبر. كأن هناك أسلوب عمل جديدا وتحولا في المواجهة مع الفصائل الموالية لإيران».
ويقول خبراء آخرون إن نقطة التحول الحقيقية كانت في كانون الثاني/يناير عندما اغتالت واشنطن بغارة في بغداد الجنرال الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة «الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس.
وتعهدت الفصائل المتشددة داخل الحشد حينها، لا سيما منها الموالية لإيران ككتائب «حزب الله»، بالانتقام من الولايات المتحدة وحلفائها داخل العراق، مهما كانت التكلفة.
وكشخصية لها علاقات وثيقة مع حكومات غربية، كان الهاشمي يعتبر هدفاً محتملاً. وقد غادر بغداد لبضعة أيام في أواخر كانون الثاني/يناير، كما قال حينها.
وحسب الباحث ريناد منصور من «تشاتام هاوس» والذي عمل مع الهاشمي لسنوات عدة «كان هشام على علم بأن الأمور قد تغيرت».
وزاد: «مقتل أبو مهدي أطلق العنان لكل تلك الجماعات التي كان يحاول السيطرة عليها لجعلها خاضعة لقرار مركزي. وما زلنا حتى اليوم تحت وطأة ترددات الصدمة».
واتهمت كتائب «حزب الله» رئيس جهاز الاستخبارات حينها مصطفى الكاظمي بالتورط في عملية الاغتيال،
أمريكا وبريطانيا تدعوان لمحاسبة المنفذين… وإيران تستنكر
وعارضت بشراسة تسلمّه منصب رئاسة الوزراء في أيار/مايو الماضي.
وقدّم الهاشمي المشورة للكاظمي لسنوات طويلة. ووضعت هذه العلاقة الباحث السياسي في «خطر» عندما أصبح رئيس المخابرات رئيسا للوزراء، كما يقول مقربون منه.
وحسب بكوان هي «المرة الأولى منذ عام 2003 التي يكون فيها تحالف مقدس بين الحكومة ومجموعة مؤثرة من المثقفين. والآن، يتم استهداف الأشخاص الذين هم رموز للاحتجاجات والحكومة على حد سواء».
وزاد «قد يكون الهاشمي أول شخصية بارزة تغتال، لكنه لن يكون الأخير، هناك أسماء أخرى في هذه القائمة السوداء».
وتعهد الكاظمي بمحاسبة قتلة الهاشمي، وأقال على وجه السرعة قائد الشرطة في المنطقة التي اغتيل فيها الهاشمي، لكن الأمل بالمساءلة الحقيقية ضئيل.
وقبل أقل من أسبوعين، أمر الكاظمي باعتقال مقاتلين موالين لإيران بشبهة تنفيذ هجمات صاروخية ضد الأمريكيين، لكن تمّ الإفراج عنهم في غضون أيام لعدم كفاية الأدلة، بحسب متحدث باسم فصيل كتائب حزب الله، الذي تعهد بملاحقة الكاظمي قضائياً.
وقال ناشطون عراقيون إنهم يخشون منذ فترة استهدافهم بسبب كلام علني لهم ضد جماعات مدعومة من إيران.
المؤرخ عمر محمد الذي وثّق الفظائع التي ارتكبها تنظيم «الدولة الإسلامية» في الموصل قال «كان من الممكن أن يكون أي أحد منا. لقد تم إخطار أصدقائنا بمغادرة البلاد على الفور».
وزاد: «إذا لم يقم الكاظمي بخطوة قوية، فإن الحياة المدنية في العراق ستختفي. لكنني أخشى أنه لن يفعل ذلك. إنها مهمة انتحارية».
إلى ذلك، أدان عدد من البعثات الدبلوماسية في العراق، أمس الثلاثاء، بالإضافة إلى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، اغتيال الكاتب العراقي والباحث في شؤون الجماعات المسلحة الدكتور هشام الهاشمي، أمام منزله في العاصمة العراقية بغداد.
وأعربت بعثة الولايات المُتحدة في العراق عن «عميق حزنها جراء الاغتيال الجبان الذي طال الأكاديمي هشام الهاشمي».
وتقدمت السفارة الأمريكية في بغداد في بيان صحافي «بخالص تعازيها لأسرة الفقيد وللشعب العراقي للخسارة المأسوية لهذا الكنز الوطني العراقي». ودعت «الحكومة العراقية إلى الإسراع بتقديم المسؤولين عن اغتياله إلى العدالة».
كذلك أدانت السفارة الايرانية في بغداد جريمة اغتيال الهاشمي.
وذكر بيان للسفارة: «تلقينا ببالغ الحزن نبأ اغتيال المؤرخ الأكاديمي والخبير الاستراتيجي الدكتور هشام الهاشمي. إن سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تدين بشدة هذا العمل الإجرامي المتمثل باغتيال النخب، وإن الداعمين والمنفذين لهذه العمليات يهدفون إلى زعزعة العراق وإيقاع الفتن بين أبناء البلد الواحد واستعادة العنف إلى البلاد».
وأضاف البيان أن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية دائماً وأبداً تدعم الاستقرار والأمن في العراق وتقف ضد أي إجراء يمس بهما وتشجب هذه الأعمال بأشد العبارات. نسأل الباري عز وجل أن يلهم ذوي (الهاشمي) الصبر والسلوان وأن يتغمده الله بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته».
وغرد السفير البريطاني في العراق، ستيفن هيكي قائلاً، «لقد أوجعني وآلمني سماع خبر مقتل هشام الهاشمي. لقد فقد العراق أفضل رجاله المفكرين الشجعان». وأضاف: «لا يمكن لهذه الهجمات أن تستمر، إذ يجب على الحكومة العراقية وبدعم من المجتمع الدولي محاسبة الجناة».
في الأثناء، أدانت الممثلة الأممية الخاصة في العراق جينين هينيس بلاسخارت عملية اغتيال الهاشمي. وقالت في بيان «صُدمنا باغتيال الدكتور هشام الهاشمي»، مضيفة: «نُدين بشدة هذا الفعل الخسيس والجبان. تعازينا القلبية لعائلته وأحبائه». ودعت بلاسخارت «الحكومة إلى تحديد الجناة بسرعة وتقديمهم للعدالة».
إلى ذلك، أدان الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، اغتيال الهاشمي، حيث أفاد في بيان أن «الجامعة العربية تدعم بقوة الجهود التي تبذلها الحكومة العراقية والرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، مطالبة بالكشف عن مرتكبي حوادث الاغتيالات التي طالت الناشطين السياسيين مؤخرا، وتقديمهم للعدالة».