جوزيف ستيغلتز… ماذا بعد موت النيوليبرالية ودفنها؟

ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي
حجم الخط
6

تشيــــع في أيامنا الموبــــوءة بالجائحـــة الكورونية أفكار لا تعدو أن تكون تمثلات لفكر رغائبي Wishful Thinking يشيعه بعض أكابر أقطاب الفكر العالمي (اليسار الجديد مثالاً): انهيار الإمبراطورية الأمريكية، تصدّع التكتلات الكبيرة (الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال) وإعادة إحياء الدولة القومية المدعمة بصبغة دينية (على شاكلة الاتحاد الروسي). صعود الإمبراطورية الصينية كقطب أوحد بديل أو منافس للقطب الأمريكي، إلخ. قد يحصل شيء من هذا في السنوات أو العقود القليلة المقبلة، لكنه لن يتخذ سمة السردية الكبرى (على شاكلة نهاية التأريخ) بقدر ما سيكون انعطافة هادئة تمليها ضرورات براغماتية وليست أيديولوجية.
من الطبيعي أن تتعالى الأصوات المنادية بموت الرأسمالية عند كلّ أزمة وجودية تعانيها البشرية، ولعلّ هؤلاء المنادين بموت الرأسمالية، إنما يقصدون السياسات النيوليبرالية (أو الرأسمالية المتأخرة طبقاً لمصطلحات المنظّر الثقافي فريدريك جيمسون) ـ تلك السياسات التي هي بعض مواريث السياستين الريغانية والثاتشرية اللتين أطلقتا يد الأسواق الحرة المتغوّلة، وأعلتا شأن الاقتصاد الرمزي القائم على المشتقات المالية، بدلاً من عناصر الإنتاج الحقيقية. يبدو أن السياسات النيوليبرالية آن لها أن تنتهي، لكن السياسات الرأسمالية سيعاد تكييفها إلى حد قد تبلغ معه مرتبة الرأسمالية التشاركية. ستكون تجربة فريدة في نوعها، أن نستمع لرأي واحد من أكابر علماء الاقتصاد في عصرنا هذا عن موضوع السياسات النيوليبرالية، وهو جوزيف ستيغلتز، المؤلف غزير الإنتاج، والحاصل على جائزة نوبل، وأحد أفضل الخبراء الذين يتوفّرون على قاعدة ثقافية عريضة، تتيح له عرض المعضلات الاقتصادية في إطار سياقي واسع، مشتبك مع الفعاليات الإنسانية في شتى تمثلاتها الفاعلة. يسرّني أن أقدّم ترجمة لمقالة تحمل طاقة نبوئية مثيرة كتبها ستيغلتز في صحيفة «الغارديان» البريطانية واسعة الانتشار بتأريخ 30 مايو/أيار 2019. العنوان الأصلي لهذه المقالة هو:
Neoliberalism must be pronounced dead and buried. Where next?

التجربة الليبرالية

أيّ نوعٍ من المنظومة الاقتصادية هو الأكثر استجلاباً للرفاهية الإنسانية؟ ذلك هو السؤال الذي بات يعرّفُ الحقبة الراهنة، لأننا وبعد أربعين سنة من الممارسات النيوليبرالية في كلّ من الولايات المتّحدة وسواها من الاقتصاديات المتقدّمة، أصبحنا نعرفُ ما الذي لا ينجح في هذه الممارسات.
التجربة النيوليبرالية بكلّ خصائصها المعروفة: ضرائب أقلّ على الأغنياء، إزالة الضوابط الحاكمة لأسواق العمالة والمنتجات، شيوع المشتقات المالية بصورة متغوّلة، العولمة، إلخ، أبانت عن نفسها بكونها فشلاً صارخاً، فالنمو صار أقلّ من المستوى الذي كان عليه في ربع القرن الذي أعقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى هذا النمو المتضائل الذي تحقّق، إنما جاء لمصلحة قلّة قليلة من المتربّعين على قمّة ذوي المدخولات الأعلى بين الناس، وعليه فقد صار لزاماً إعلان موت النيوليبرالية ودفنها، خاصة بعد عقود عدّة من الركود – بل حتى الفشل- في تحقيق نموّ معقول في مدخولات هؤلاء القابعين أسفل قمّة النخبة الأكثر دخلاً في العالم. ثمة، على أقلّ تقدير، ثلاثة بدائل سياسية يطمح كلّ منها لخلافة المنظومة النيوليبرالية: النزعة الوطنياتية المنتمية لأقصى اليمين، النزعة الإصلاحية المنتمية لليسار الميّال إلى الوسط، ثمّ اليسار التقدّمي، الذي يحمل معه بعض المنتمين لليمين الميّال للوسط والذين يمثّلون بعض بقايا التيار النيوليبرالي الآفل. تبقى كلّ هذه البدائل الممكنة (باستثناء اليسار التقدّمي) ممثّلة لشكلٍ ما من الأيديولوجيا الغاربة، أو التي يتوجّبُ تنحيتها جانباً، واعتبارها فاقدة للصلاحية في عصرنا هذا.
يمثّل يسار الوسط، على سبيل المثال، النيوليبرالية معروضة بوجه إنساني، ويسعى هذا التيار إلى وضع السياسات التي انتهجها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، موضع التطبيق الفعّال في القرن الحادي والعشرين، وهي إذ تسعى في هذا الاتجاه فهي لا تتطلّع لفعل شيء سوى اجتراح بعض التعديلات المخفّفة للأنماط السائدة من النيوليبرالية، خاصة في شأن كلّ من شيوع ظاهرة المشتقات المالية والعولمة، في حين ينظر تيار الوطنياتية اليمينية باحتقار إلى العولمة، ويضعُ كلّ المعضلات الإشكالية التي تعانيها المجتمعات الغربية المتقدّمة في يومنا هذا على كاهل كلّ من المهاجرين والوافدين الأجانب، غير أن هذه النيوليبرالية في نسختها الأمريكية المعدّلة، وعلى النحو الذي تكشف عنه رئاسة ترامب، لا تبدي مثل سابقتها أي التزام نحو تطبيق نظام ضريبي متصاعد بحقّ الأغنياء، مثلما لا تبدي أي التزام تجاه مناقضة الاتجاه السائد في إزالة الضوابط الحاكمة للأسواق، أو تجاه تقليص أو إزالة برامج الحماية الاجتماعية.

الأسبقية الثانية: تكمن هذه الأسبقية في إدراك حقيقة أنّ «ثروة الأمم» إنما هي نتاج الفضول الناجم عن المساءلة العلمية Scientific Enquiry (أي التعلّم المستديم عن العالم الذي يحيطنا ونعيش فيه) إلى جانب إدراك طبيعة التنظيم الاجتماعي، الذي يسمح لجماعات كبرى من البشر بالعمل معاً، من أجل تحقيق الصالح العام.

على النقيض من الخيارين السابقين، ينافح أنصار الخيار الثالث عمّا أرغب بتسميته (الرأسمالية التقدّمية) تلك الرأسمالية التي تبشّرُ ببرنامج عمل (أجندة) اقتصادي مختلف بشكل متطرف عن سابقيه، ويعتمد هذا البرنامج على أسبقيات أربع:
الأسبقية الأولى: المحافظة على التوازن القائم بين الأسواق والدولة والمجتمع المدني. إنّ تباطؤ النمو الاقتصادي، واللاعدالة المتصاعدة في توزيع المداخيل، وفقدان الاستقرارية المالية، والتدهور البيئي، هي معضلات خطيرة خلقتها الأسواق، وبالتالي لن يكون منطقياً الاعتقادُ بأنّ في مستطاع هذه الأسواق ذاتها اجتراح حلول لهذه المعضلات، مستعينة بآلياتها الخاصة وحسب. الحكومات لها واجب خاص ملقى على عاتقها يتمثّلُ في تقنين دور الأسواق وتشكيلها بكيفية تضمنُ السلامة البيئية والصحية والمهنية، فضلاً عن أنماط أخرى من الضوابط الحاكمة لعملها، وكذلك فإنّ من واجب الحكومة عمل كلّ ما لا تستطيع الأسواق عمله، (أو لا تعمله الأسواق أصلاً لأنها لا ترى فيه شأناً يخصها أو يزيد أرباحها، المترجمة)، مثل الاستثمار الفعّال في كلّ من قطاعات البحوث الأساسية، والتقنية، والتعليم والصحة.
الأسبقية الثانية: تكمن هذه الأسبقية في إدراك حقيقة أنّ «ثروة الأمم» إنما هي نتاج الفضول الناجم عن المساءلة العلمية Scientific Enquiry (أي التعلّم المستديم عن العالم الذي يحيطنا ونعيش فيه) إلى جانب إدراك طبيعة التنظيم الاجتماعي، الذي يسمح لجماعات كبرى من البشر بالعمل معاً، من أجل تحقيق الصالح العام. الأسواق من جانبها مازال أمامها دور حاسمٌ تضطلع بأدائه، بغية تسهيل الشراكة الاجتماعية، لكن يجب دوماً إدراك أنّ الأسواق لا تخدم هذا الغرض بفعالية، ما لم تكن محكومة بضوابط القانون، وخاضعة للمراجعات التي يفرضها العيش في بيئة ديمقراطية، وبعكس هذا، يمكن لأفراد محدّدين أن يغتنوا اغتناءً فاحشاً، عبر استغلال الآخرين ومراكمة الثروة بطرق عدّة بدلاً من تخليق الثروة، عبر الأصالة الفكرية والانعطافات العلمية والتقنية. إنّ الحقيقة الصارخة اليوم تنبؤنا بأنّ كثيرين من فاحشي الثراء بلغوا ما بلغوه من عتبات الثراء الفاحش بواسطة استغلال الآخرين، وقد خدمتهم سياسات ترامب، خدمة لم يحلموا بها بعد أن جرى تعظيم شأن الثروات الناشئة عن المضاربات والسمسرة، على حساب تحطيم الأصول الحقيقية المفضية لتخليق حقيقي للثروة. تسعى الرأسمالية التقدّمية إلى تحقيق مقاربة مخالفة لهذا تماماً، وهو الأمر الذي يقودنا بصورة تلقائية إلى الأسبقية الثالثة.

عصر المعلومات

الأسبقية الثالثة: وهذه أسبقية تدفعنا إلى مساءلة المعضلة المتنامية الخاصة بتغوّل سلطة الأسواق. عمل استغلال الفوائد، التي جاء بها العصر المعلوماتي، فضلاً عن شراء الشركات المنافسة، على زيادة سلطة الشركات المهيمنة، التي باتت تستطيعُ الدخول في عمليات رأسمالية واسعة النطاق، قادرة على إلحاق أذى خطير بكلّ فرد منّا. إنّ التصاعد المتغوّل في سلطة الشركات مقروناً بالتضاؤل المتزايد في القدرة التفاوضية للعمّال هو الحقيقة التي بمقدورها تبيان السبب الكامن وراء تصاعد معدّل اللاعدالة في توزيع الثروات والانخفاض المريع في معدّل النمو الاقتصادي، وما لم تتخذ الحكومات أدواراً أكثر فاعلية، ممّا تفعل الحكومات المحكومة بالسياسة النيوليبرالية، فإنّ من المحتمل أن تتفاقم مفاعيل هذه المعضلات أكثر من ذي قبل، خاصة إذا ماوضعنا في حسابنا تأثيرات الروْبتة robotisation والذكاء الاصطناعي.

الأسبقية الرابعة: تقوم هذه الأسبقية في أجندة الرأسمالية التقدّمية، على تقطيع أواصر الصلة بين القدرة الاقتصادية والتأثير السياسي. لطالما تبادلت القدرة الاقتصادية وفاعلية التأثير السياسي، أدواراً عزّزت شأن الاثنين، وصلّبت من إمكاناتهما بصورة تبادلية، ويظهر هذا الأمر بأجلى صوره في الولايات المتّحدة، حيث يمكن للأفراد فاحشي الثراء، والشركات فاحشة الثراء الإنفاق على حملات الانتخابات، من غير سقف لحدود الإنفاق، حتى بلغ الأمر مبلغاً صارت معه الولايات المتّحدة تمضي حثيثاً في اتجاه أن تصبح منظومة غير ديمقراطية ، الأمر الذي قد يطيح بمبدأ التدقيق والموازنة بين المصالح المتعارضة، والذي لا يمكن – في غيابه – لأي ديمقراطية حقيقية أن تبقى راسخة، حينما لا يعود بوسع أي شيء لجم سلطة الأغنياء وتقييدها إلى حدود مقبولة. ليست هذه معضلة أخلاقية أو سياسية وحسب، فقد علّمتنا الخبرة الممتدّة أنّ الاقتصاديات التي تنطوي على قدر أقلّ من مظاهر اللاعدالة في مداخيل الأفراد، إنما تعمل بطريقة أفضل من سواها، وعلى هذا الأساس يتوجّبُ على الإصلاحات المنوطة بالرأسمالية التقدّمية أن تشرع بلجم التأثيرات المتعاظمة للمال في السياسة، بالإضافة إلى تقزيم مظاهر اللاعدالة في توزيع الثروة.
ليس ثمة من رصاصة سحرية يمكنها عكس تبعات التأثيرات التدميرية لعقود من النيوليبرالية، لكنّ خريطة عمل شاملة تتابع الخطوط التي أشرنا لها أعلاه، يمكنها أن تفعل هذا: يتوجّبُ على خريطة العمل الشاملة هذه أن تضع تركيزها الأعظم في قطاعات التعليم، والبحوث الأساسية وسواها من القطاعات التي تخلق الثروة الحقيقية، ويتوجّبُ على هذه القطاعات أن تحافظ على البيئة وتكافح التغيّر المناخي بذات العزيمة الهائلة التي يبديها مناصرو «الصفقة الخضراء الجديدة» في الولايات المتّحدة، وكذلك المتمرّدون على حتمية الانقراض المقبل في المملكة المتّحدة. إحدى المزايا المهمّة في هذه الأجندة التقدّمية هي ضرورة أن توفّر برامج مجتمعية شاملة تكفلُ عدم حرمان أي مواطن من المتطلّبات المعيشية الأساسية، الخليقة بحياة محترمة، وتتضمّنُ هذه المتطلّبات: الأمن الاقتصادي، ضمان العمل والأجور المعيشية الكافية، الرعاية الصحية، الإسكان الكافي واللائق، تقاعدا آمنا، تعليما ذا نوعية ممتازة للأطفال. ويمكن تحمل تبعات هذه الأجندة والنهوض بمتطلباتها بكيفية لائقة، وليس أمامنا من بديل ممكن سوى أن نفعّل هذه الأجندة بكلّ قدراتنا، إذ أنّ البدائل الأخرى التي يعتمدُها غلاة الوطنيين أو النيوليبراليين لن تكون أكثر من وصفة مؤكّدة لترسيخ الركود الاقتصادي ومظاهر اللاعدالة والتدهور البيئي والخديعة السياسية، وهذه كلّها مظاهر يمكن أن تقود إلى تبعات خطيرة لا نريد حتى تصوّرها. الرأسمالية التقدّمــــية ليســــت محض حذلقة لفظية، بل هي البديل المتاح الأكثر قدرة على الفعل من أيديولوجيا ثبــت فشلها بكل وضوح، ولكونها تمثل هذا البديل المتاح فإنّ الرأسمالية التقدّمية تمثّلُ الفرصة الأفضل المتاحة لنا للخلاص من حالة الوهن الاقتصادي والسياسي السائدة في أيامنا الراهنة.

٭ كاتبة وروائية عراقية تقيم في الأردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية