أدب الرحلة المغربية والروابط الروحية بين المشرق والمغرب

قال «الحسن الغشتول»: «الرحلة سيرورة تخاطبية تنصهر ضمنها وحدات الحكي ورغبات الأنا والآخر في نطاق تجربة أدبية، تحيل على العالم من غير أن تسقط في نمطية تسجيلية غير تناسبية».
يعد كتاب «خطاب الرحلة المغربية إلى الحجاز» لحسن الغشتول، مدخلا منهجيا ينحو منحى التأريخ لخطاب الرحلة المغربية، بوضعها في سياقها التاريخي، ثم الانفتاح على الظروف الاجتماعية، التي تحاول الكشف عن طبيعة المجتمع… مع بسط لطبيعة السرد الرحلي. ولم يقف الكاتب عند هذا الحد، بل حاول تقديم تفسيرات وتعليلات خاصة، بما هو ديني وفكري وسياسي واقتصادي، وكذا بيان خصائص بعض الاختيارات الأسلوبية التي التزم بها الرحالة أثناء الكتابة. يتكون الكتاب من أربعة فصول تتقدمهما توطئة:
الفصل الأول: تحدث فيه الكاتب عن المعين الذي تغترف منه الرحلة المغربية إلى بلاد الحجاز، والوقوف عند بعض المسالك التي كان لها الأثر في الرحلة.
الفصل الثاني: بسط فيه الكاتب محنة الرحالة وهو في طريقه.
الفصل الثالث: عرض فيه الكاتب صدمة اللقاء بالآخر، والمصالح التي كانت تترتب عنها الرحلة، خاصة التي كانت تشق طريقها إلى أوروبا.
الفصل الرابع: كشف فيه الكاتب عن الملابسات والخلفيات التاريخية عند بعض الرحالة، الذين أخذت كتابتهم منحى غرس قيم النهضة، والانبعاث والتجدد، وامتزج، عندهم، مفهوم الوطن بمفهوم الأمة.
الغرض من الكتاب، هو إثارة أهمية الخطاب الرحلي في الجانب الديني، والتاريخي، والجغرافي، والاقتصادي، والسياسي، والأسلوبي.. من خلال النبش في طياته وقراءته، بعين يقظة تسخر الرؤى المنهجية الدقيقة للكشف عن درر الخطاب وجواهره. ابتدأ الكاتب حديثه عن الوثائق البريطانية التي كانت دليلا على وجود روابط الاتصال بين المغرب والمشرق، وإدراك الفرنسيين ضرورة تقديم نظام تعليمي خاص؛ بغية تفادي صلات المغرب بالمشرق، الأمر الذي عجّل بفرض الحماية عليه.
في سنة 1916 نشرت صحيفة L’Afrique française تقريرا يفيد بأن المثقفين المغاربة، يتابعون في الحجاز ثورة الشريف حسين، لأن طبيعة الروابط بين المشرق والمغرب روحية، ولولاها لتبخرت الخصوصية المغربية لغةً وثقافةً وتاريخًا، كما أن هناك العديد من النصوص الرحلية التي تمثل الاتصال بين المشرق والمغرب، والتي تمثل وجها من وجوه التواصل بين الإنسان وأرضه وتاريخه وقيمه المشتركة. والناظر في هذه الروابط التي جمعت المغاربة بالشرق، يجدها آخذة لأبعاد سياسية وأيديولوجية استقرت في الوعي التاريخي لدى المغاربة.
حصر الكاتب دراسته في مرحلة تاريخية، تمتد من أواخر العصر السعدي إلى بداية القرن العشرين، مشيرا إلى أن تراجع قوة المسلمين، أدت بهم إلى وضع تنازلات أفقدتهم أراضيهم، وتغيرت معه لغة الخطاب السياسي المخزني بالمغرب، منذ أن تصاعدت حدة أزمة الغرب الاستعماري، وتم تغيير بعض المصطلحات، كي تتماشى والظروف السياسية، وكان هذا خلال حكم السلطان إسماعيل بن الشريف (1645-1727)، وهو ما نقلته لنا رحلة أبي القاسم الزياني (1734 – 1833)، «البستان الظريف في دولة أولاد مولاي الشريف»، مع وجود رحلات أخرى كانت شاهدة على اتصال المغرب بالحضارة الأوروبية الحديثة، بسلك أصحابها مسلك الإعلام بما شهدته الأعين، ومنها: «الرحلة الإبريزية إلى الديار الإنكليزية»، سنة (1276هـ-1860م) لسفير المغرب محمد الطاهر عبد الرحمن الفاسي.
وهناك رحلات تترجم مواقف السلاطين، وهي: رحلة «التحفة السنية» لأحمد البوني (1101هـ)، وهي رحلة عبرت عن موقف السلطان الحسن الأول من انفتاحه على العالم الغربي، كما تعكس النوايا السياسية للاقتراب من المجتمع الإسباني. حاول الباحث كشف الحجاب عن الجوانب التاريخية والعلمية التي تتعلق بعلماء المغرب ومشايخه، ومن هذه الرحلات رحلة «ابن حمويه السرخسي» (ت642 هـ)، المسماة: «الرحلة المغربية»، وقد سرد فيها ابن حمويه أحوال رجالات العلم.. في المغرب والأندلس.
وتعد «الرحلة المغربية» مصدرا من المصادر التاريخية للحجاز، وخطابا خصبا لتقديم معلومات تاريخية عن كيفية اتصال المغاربة بالحضارة العربية، ومرجعا للمؤرخين قصد تشكيل صور للأماكن الجغرافية، وطبيعة البنية الاجتماعية، والخصائص الثقافية، والشعائر الدينية. إن كتاب «الرحلة المغربية إلى بلاد الحجاز» من الكتب التي استطاعت أن تهتك الحجاب عن الرحلة العربية المغربية، التي قام بها المغاربة لأهداف تتباين، كما وقف عند ذلك الكاتب الحسن الغشتول. وهذه الرحلات أخذت مسالك متعددة، سنصنفها في الآتي:
رحلات أخذت مناحي سياسية وهي:
البستان الظريف في دولة أولاد مولاي الشريف، لأبي القاسم الزياني؛ الرحلة الإبريزية إلى الديار الإنكليزية» سنة (1276هـ – 1860م)، لمحمد الطاهر عبد الرحمن الفاسي؛ إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار، رحلة إلى فرنسا، بلجيكا إنكلترا، إيطاليا 1876، لإدريس الجعيدي السلوي؛ رحلة الصفار إلى فرنسا 1845-1846م، لمحمد بن عبدالله الصفار التطواني.
الرحلة التي أخذت منحى تاريخيا وعلميا، وهي:
ما تبقى من رحلة ابن حموية المسماة الرحلة المغربية؛ (الرحلة المغربية).
الرحلات التي أخذت مناحي دينية، وهي:
الرحلة العياشية (1661-1663)، لعبد الله بن محمد العياشي؛ ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة، لابن رشيد السبتي؛ كتاب ناصر الدين على القوم الكافرين، لأحمد بن قاسم الحجري.
رحلة أخذت منحى استكشافيا طبونوميا، وهي:
المسالك والممالك، لأبي عبيد ابن خرداذبه.
رحلة أخذت منحى تعريفيا بأهم المناطق المغربية الضاربة في التاريخ، وهي:
خلال جزولة، لمحمد المختار السوسي.
اعتمدنا في التصنيف السابق ما ورد في متن الكتاب الذي أحكمت صناعته، وجزلت ألفاظه، وبلغت مادته المعرفية إلى القارئ البليغ، لأنه قدم بلغة عربية فصيحة قريبة من المتلقي المفترض.
إن عمل  الحسن الغشتول، جهد علمي حاول فيه أن يقدم إلى القارئ العربي كتابا نقديا صغير الحجم عظيم الفائـــــدة، لمن أراد أن يشكل نسقية التأليف الإبداعي للرحلة المغربــــية خلال العصرين السعدي والحديث، وبهذا يكون قد شيد للمتلقي جسرا يعبر من خلاله إلى رحلات مغربية قدمت ما اختص به المغاربة علما وأدبا وسياسة.. كما عكست أبعادا دينية إسلامية، وعلمية شرعية، وتاريخية، وثقافية.. الأمر الذي يجعل أدب الرحلة من الأجـــناس الأدبية العربــــية القديمـــة التي تقدم إلى القارئ معرفة عامة تجاه الإنسان وأحواله.. من زوايا مختلفة، تعينه على الوصول إلى مشاهد من تاريخ البشرية، تكون قد سقطت من المتاع، أثناء قيام الرحالة برحلات تقلبت في أزمنة وأمكنة مختلفة لدواع متفاوتة.

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية