تسييس المعجم الجنسي!

حجم الخط
0

خيري منصور

حين درست ظاهرة الحب العذري في التاريخ العربي قدمت تلك الدراسات نماذج ومقتربات لقياس منسوب الوعي لهذه الظاهرة، فما كتبه صادق العظم مستفيدا الى حد ما من الفرنسي دنيس دو رجمون كان صادما لمن اعتادوا على مقترب نقدي واحد، يعزف على الوتر الرومانسي الرّث. فالشاعر العذري تبعا لما قاله العظم يسعى قاصدا الى التوتير، وافتعال العقبات التي تحول دون الوصال، بحيث اوشك الحرمان ان يتحول الى مهنة واصبحت له مباهجه المضادة، وان كان الطاهر لبيب قد عثر على مقترب آخر سوسيولوجي في منهجه، وكانت رؤيته العلمية للظاهرة قد احالتها الى اسباب اجتماعية واقتصادية في شبه الجزيرة العربية. واذكر انني اقترحت على الطاهر لبيب بعد ان التقيته لأول مرة ان تكون لمفهوم العذرية دلالات اخرى تتمدد خارج الحب والعاطفة، ومن هذه الدلالات العذرية السياسية، والتي تجلت في احزاب ومعارضات عربية لجأت الى الاسلوب ذاته بعد اضافة جرعة من الماسوشية، وهو افتعال عقبات تحول دون العمل على تداول السلطة، للحفاظ على طهرانية وهمية للمعارضة او فرارا من اختبار برامجها. وكما ان العذرية تقبل الهجرة من سياق الحب الى سياق السياسة واحيانا الثقافة برمتها، فإن هناك سلالة من المصطلحات التي بدت من صميم السايكولوجيا والمعجم الجنسوي تقبل مثل هذه الهجرة ايضا. ومنها المثلية والسادية والفيتيشيا وحتى ما يسمى في معجم امراض الشذوذ الجنسي النكروفيليا، وهو اغتصاب الموتى بعد ان يتحولوا الى هياكل عظمية. والمثلية السياسية قد يعبّر عنها ببساطة مثل أمريكي يقال عن التابع الذي يلتصق بالجنرال هو ‘البراون نوز’ وله دلالاته بالطبع، رغم انه يستخدم في سياق سياسي، وكلتاهما المثلية الجنسية والسياسية محكوم عليهما بالعقم، او حذف أهم وظيفة للتواصل الجنسي وهو الانجاب، وفي السياسة كما في الجنس ايضا، هناك الايجابي والسلبي واحيانا ‘الباي’ او ما يجمع بين الاثنين، وأخطر ما في الامر ان المثلية او اللواط السياسي بقي خارج مدار الادانة الاخلاقية، لأنه اولا ذو بعد تجريدي وليس له معادل حسي في الواقع وعلى المستوى العضوي، ولأنه ثانيا عومل بأدبيات ما سمي اطاعة اولي الامر حتى لو كانوا اولي القهر.* * * * * * * * * *قد تكون حرب الخليج الثالثة والتي انتهت باحتلال العراق النموذج التاريخي الطازج لما نسميه الفيتيشيا السياسية، فقبيل احتلال العراق رسم وجه الرئيس بوش الأب على مدخل فندق في بغداد كي يدوسه الداخل والخارج، وبالمقابل تعامل الامريكيون مع تماثيل صدام في مختلف الساحات العراقية على نحو فيتيشي، فكيف اقترنت واحدة من اهم حروب ما بعد الحداثة مع رموز طوطمية، ومفاهيم بدائية، فقد ذكرني رسم صورة بوش على مدخل الفندق بما كان يفعله الانسان البدائي الذي يرسم وحشا على جدار الكهف ويطعنه ليقتله رمزيا… تماما كما ان الامريكيين الذين حطموا التماثيل او ساعدوا غيرهم على تدميرها، لم يدركوا انها تتألف من معدن وانجاز ازميل وملامح، قد يكون هذا المنجز بمقياس نقدي رديئا او غير ذلك، لكن صدام في كل الحالات ليس موجودا داخل تمثاله.

انها اذن فيتيشيا سياسية هاجرت من عالم الجنس، ففي الجنس تنوب القرائن عن الجسد سواء كانت مقتنيات او ثيابا داخلية او حتى زجاجة عطر فارغة.

الأنثى ليست موجودة في تلك القرائن حتى لو كانت مسروقة عن حبل غسيل يخصها لكن المصاب بالفيتيشيا لا يهمه ذلك، لأنه ربما بسبب انحراف سايكولوجي مبكر او بسبب فائض الحرمان قبل بهذا الاستبدال على طريقة المثل العربي الشعبي القائل رائحة الزوج خير من عدمه! وحين تفشت في الاونة الاخيرة ظاهرة ضرب صور الرؤساء المخلوعين او المدرجين على قائمة الخلع بالاحذية، او بالبصاق او تمزيق الورق الذي يحمل الصور، فذلك له دلالة اخرى غير الدلالة التقليدية التي تتلخص في تصفية حسابات ثأرية او ما يشبه ذلك، هذه الدلالة هي ايضا فيتيشية بامتياز، فالصورة تنوب عن الاصل، لكن تمزيقها او ركلها بالقدم او حتى البصاق عليها لا يحقق اشباعا حقيقيا، تماما كما هو الحال في فيتيشيا الجسد، ويشذ عن هذه القاعدة احراق الاعلام، فهو غالبا ما يحدث لأعلام اعداء او غزاة ونادرا ما يحرق شعب علمه الا في حالات كالتي حدثت في ليبيا لأن العلم الاخضر اقترن بالقذافي، فكانت العودة الى علم ليبي آخر من زمن ما قبل القذافي هي مبرر هذا الحرق.* * * * * * *الثنائية المركبة لما يسمى ‘ساد ومازوشت’ تجلت في السياسة على نحو فادح من حيث الانتقام والاقصاء المتبادل، وفاضح من حيث حذف الحدود بين التلذذ بتعذيب الاخر واستمراء تعذيب الذات، وهنا اذكر طرفة يتداولها المشتغلون في الحقل النفسي عن ماسوشي سجين وعده سجانه باحضار سادي يقاسمه الزنزانة، فسال لعاب الماسوشي بانتظار من يعذبه ويجلده على مدار الساعة، لكن ما ان احضر السادي حتى وقف بعيدا وبكل هدوء معتذرا عن مس زميله اللدود بأي أذى. ومغزى الطرفة هو ان السادي ادرك بان امتناعه عن تعذيب الماسوشي هو تعذيب مدفوع الى اقصى التنكيل، وفي الواقع السياسي العربي توفرت لعدة عقود وربما لعدة قرون اسباب كافية لانضاج هذه الثنائية المركبة، فثمة من عذبوا انفسهم رغم اعتقادهم بأنهم يعذبون الاخرين، والعكس صحيح ايضا، وهنا لا بد من التذكير بدراستين لتاريخ التعذيب، احداهما لميشيل فوكو حول تعذيب المسيو دميان والاشراف الطبي على جسده لابقائه حيا لأن الموت انعتاق، والثانية لهادي العلوي عن التعذيب في تاريخنا العربي، وان كانت المفارقة هي في حالتنا ان من اخترعوا اساليب وادوات للتعذيب جربت فيهم في النهاية.

الزعيم او الجنرال الذي اختلط عليه الأمر فظن انه اغتصب الناس اضافة الى السلطة، يتحول بمرور الوقت الى سادي حتى لو لم يكن كذلك، فهو يشعر في داخله ان بقاء فرد واحد خارج الطاعة يهدده، وهذا ما يفسر نسب التسعة وتسعين وتسعة اعشار بالمئة من نتائج الاستفتاءات الكوميدية، يصبح ساديا لأنه يريد الاجماع ولأن المتسلط او من يسطو على السلطة بالقوة سواء كانت دبابة او عشيرة او مالاً عومل وفق ثقافتنا العربية كمغتصب جنسي، فقد مرّ وقت اكتفت فيه الشعوب بغرض الزواج المعلن عليه، اما كونها عادت لتخلعه فتلك مسألة اخرى.* * * * * * * * *يبقى اكثر المصطلحات بدائية وعضوية واستفحالا هو مصطلح الرّجولة، بحيث تكرس حتى الاناشيد الوطنية هذا المفهوم، وسيبدو هذا المصطلح مثيرا للسخرية وقدر من الاشفاق بعد ان خلع من سياقه في ادبيات الفروسية، فهو الان مصطلح عضوي يجب ان لا يتجاوز ملفات الاحوال المدنية، لكنه يتصدر خطاب الحرب والسلام، وقد لا نحتاج الى اعادة التذكير بالقرد العاري لموريس. وحالات التأنث التي يلوذ بها المذكور عندما ينافقون سادتهم، فهذا الذكر المزهو بقامته وصوته وقوته، سرعان ما يحاول اخفاء هذه الصفات امام سيده، بل يغمدها كما يغمد القط مخالبه تحت قدمي صاحبه.

هؤلاء، بتصنيف عضوي رجال، لكنهم ذكور يحيضون في اقاصي ذكورتهم، لكنه حيض عقيم ايضا ولا صلة له بوظائف الانوثة!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية