لاحظ صناع السياسة الاقتصادية في بريطانيا أن تخفيف إجراءات الحظر الاقتصادي والقيود على التنقلات، لم تؤد إلى انتعاش ملائم للأنشطة في السوق، وأن توقعات حدوث انتعاش سريع تراجعت بسبب تردد المستهلكين وحالة القلق وعدم الثقة التي تسيطر عليهم، خصوصا فيما يتعلق بالوظائف وانتظام الدخل. وفي محاولة لتخفيف أثر هذا القلق، وإعادة الثقة إلى سوق العمل، وزيادة الإنفاق الاستهلاكي، أعلن وزير الخزانة البريطاني ريشي سوناك يوم الأربعاء الماضي، مجموعة من الإجراءات تقدم نموذجا جديدا لسياسات إنعاش السوق، من خلال زيادة الطلب الخاص الاستهلاكي والاستثماري، وزيادة فرص العمل لشباب الخريجين وطالبي العمل الذين يدخلون السوق لأول مرة. هذه الحزمة تتجاوز النموذج التقليدي الذي كان يهدف إلى تحقيق الإنعاش الاقتصادي من خلال تعزيز جانب العرض، أو بمعنى آخر زيادة الحوافز المقدمة إلى رجال الأعمال والشركات، بما يكفي لعدم توقف النشاط الاقتصادي. النموذج التقليدي لإنعاش جانب العرض كانت بريطانيا قد طبقته في اذار/مارس الماضي، وتبناه صندوق النقد الدولي في سياساته بشأن تحقيق الإنعاش الاقتصادي من وباء كورونا. ومع ذلك فإن بريطانيا في برنامجها الأول للإنعاش أخذت في اعتبارها المحافظة على استقرار سوق العمل وذلك عن طريق الإلتزام بدفع نسبة 80 في المئة من أجور العاملين لدى الغير، الذين يبلغ عددهم 8.7 مليون مشتغل، وكذلك العاملين لحساب أنفسهم الذين يصل عددهم إلى 4.9 مليون شخص، على أن يكون هذا الإلتزام مقيدا بالأرقام الرسمية للمشتغلين وأجورهم لدى مصلحة الضرائب حسب نهاية السنة المالية الأخيرة، وهو ما يكلف الخزانة حوالي 100 مليار جنيه إسترليني حسب تقديرات المكتب المستقل لتقييم الميزانية، بما يعادل ثلث العجز المقدر في ميزانية العام الحالي.
منهج جديد
وبما أن نظام التعويضات المالية للعاملين الذي أعلنته الحكومة من المقرر أن ينتهي العمل به في تشرين الأول/أكتوبر، فإن وزير الخزانة قرر إعلان حزمة مالية جديدة لتنشيط جانب الطلب بقيمة 30 مليار جنيه إسترليني، تمتد معظم بنودها حتى نهاية السنة المالية، وتهدف إلى إتاحة فرص عمل ووظائف جديدة في القطاعات المختلفة لخريجي المدارس والجامعات الذين تتراوح أعمارهم بين 16 إلى 24 عاما، وهم الفئة الأكثر تضررا في سوق العمل، كما تستخدم أدوات مبتكرة لتنشيط الطلب الخاص، وزيادة الدخل القابل للاستهلاك لدى قطاعات عريضة من المواطنين.
وترسم تلك الحزمة منهجا جديدا في التفكير الاقتصادي، يتوافق مع التغيرات الدرامية التي طرأت على السياسة الاقتصادية لحزب المحافظين منذ تولي بوريس جونسون قيادة الحزب والحكومة في شهر تموز/يوليو من العام الماضي. فمنذ ذلك الوقت أصبحت زيادة الإنفاق العام تمثل حجر الزاوية لسياسة جونسون الاقتصادية، وهو ما تسبب في صدام مع وزير الخزانة في حكومته الأولى ساجد جاويد أسفر عن الإطاحة به، ومجيء سوناك في شهر شباط/فبراير الماضي. ومن المعروف ان التقشف وتخفيض الإنفاق العام كان حجر الزاوية للسياسة الاقتصادية لحكومات المحافظين خلال السنوات العشر الأخيرة على الأقل.
وقد تبنت الحزمة المالية الجديدة مفهوما للتنشيط يختلف عن ذلك الذي تضمنته إجراءات اذار/مارس الماضي، ينتقل بالتدخل الحكومي من التركيز على جانب العرض، مع عدم إهمال الطلب، إلى التركيز على جانب الطلب الذي يعاني من ضعف ملموس، وتقديم الحوافز للعاملين والمستهلكين في القطاعات الاقتصادية المختلفة، خصوصا القطاعات الأكثر تضررا، مثل الفنادق والمطاعم والكافيتريات والعقارات، التي لم تستطع حتى الآن العودة إلى المعدلات التي كانت عليها قبل بدء القيود الإحترازية.
وتقدم حزمة تنشيط جانب الطلب درسا مهما يمكن أن يستفيد منه صناع السياسة الاقتصادية في الدول العربية. ذلك أن هذه الحزمة تتصدى لمجالات تم تجاهلها في بلادنا عموما، التي تعاني من ارتفاع معدل البطالة، خصوصا بين الشباب. بل إن السياسات التي يتم اتباعها عربيا تسبب أضرارا شديدة لجانب الطلب، بتقليص فرص العمل، وتخفيض القوة الشرائية لدى المستهلكين. ومن المفيد أن نقارن بين إجراءات التنشيط الاقتصادي الأخيرة في بريطانيا، وبين إجراءات التقشف وتخفيض الإنفاق العام في الدول العربية، لكي نتعرف على أوجه الإختلاف بينهما.
ففي بريطانيا خصص وزير الخزانة 30 مليار جنيه إسترليني، منها تسعة مليارات للمشترين الجدد للعقارات التي تقل قيمة الواحد منها عن نصف مليون جنيه إسترليني، في صورة إعفاء كامل من ضريبة الدمغة العقارية، حتى نهاية السنة المالية الحالية. كما تضمنت الإجراءات تخفيض ضريبة القيمة المضافة على خدمات قطاع الضيافة إلى خمسة في المئة من عشرين في المئة، باستثناء المشروبات الكحولية، بتكلفة تبلغ أربعة مليارات جنيه إسترليني، وتخصيص ملياري جنيه لدفع أجور المشتغلين الجدد في القطاع الخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و 24 سنة لمدة ستة أشهر، مع تخصيص موارد مالية كافية للتدريب على مهارات سوق العمل، وتقديم منحة للمتدربين بقيمة الف جنيه إسترليني للفرد، وزيادة مكاتب التدريب التحويلي، وتدريب معلمين جدد للقيام بمهام التدريب. وتضمنت كذلك التزام الحكومة بدفع مكافآت للمنشآت التي توفر وظائف جديدة للمشتغلين من الفئات العمرية المختلفة. وفي مجال تنشيط الاقتصاد الصديق للبيئة تضمنت الحزمة تخصيص ثلاثة مليارات جنيه إسترليني من أجل مساعدة ملاك المساكن على إجراء إصلاحات داخلية، تساعد في تطبيق معايير المحافظة على البيئة، خصوصا فيما يتعلق بالعزل الحراري للأسقف، والتحول إلى الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية. وفوق كل ذلك قدم ريشي سوناك هدية إلى كل راغب في تناول وجبة العشاء في مطعم مفضل في صورة خصم بنسبة 50 في المئة على قيمة الوجبة بحد أقصى عشرة جنيهات للفرد، في أيام الأسبوع من الإثنين إلى الأربعاء خلال شهر آب/أغسطس، وذلك للمساعدة على تشغيل المطاعم وعودة النشاط إليها.
الفكر التقليدي
وتعكس هذه الحزمة المالية فكرا اقتصاديا متقدما جدا عن الفكر التقليدي الذي تنتهجه معظم الدول الرأسمالية، الذي يكتفي بتقديم الحوافز لرجال الأعمال والمنشآت، على اعتبار أن صحة قطاع الأعمال هي العنصر الذي يقرر سلامة الاقتصاد. وظهر هذا الفكر التقليدي بصورة واضحة في السياسات الاقتصادية للدول العربية، التي ركزت على تقديم مساعدات مجانية للبنوك والشركات ورجال الأعمال، بغرض المحافظة على دوران عجلة السوق، مع إهمال حال المستهلكين أو جانب الطلب. وقد بلغت قيمة الإنفاق الحكومي على تنشيط الاقتصاد في مواجهة أزمة كورونا في العالم العربي حسب تقديرات صندوق النقد الدولي ما يصل إلى خمسة وستين مليار دولار، اتجهت النسبة الأعظم منها لتعزيز قدرات القطاع الخاص، وحماية رجال الأعمال من الإفلاس، ومساندة أسواق الأسهم. وعلى الرغم من ذلك فإن الصورة ما تزال قاتمة في دول مثل السعودية والإمارات، حيث أعلنت كل منهما إجراءات تقشف قاسية، تم فرضها على المستهلكين، وعلى ذوي الدخل الثابت، لغرض تخصيص حصيلتها لمساندة القطاع الخاص، وحماية رجال الأعمال من الإفلاس. كما اتجهت الحكومات العربية إلى الإقتراض من الخارج من أجل تمويل هذه الإجراءات. ولم يهتم صناع السياسة الاقتصادية في العالم العربي، باتخاذ إجراءات كافية لزيادة الطلب الإستهلاكي وتوفير المزيد من فرص العمل.
في السعودية على سبيل المثال أعلنت الحكومة تخفيض الإنفاق العام بنسبة 15في المئة، وذلك على العكس من كل الدول الرأسمالية التي قامت بزيادة الإنفاق العام. وبدلا من المحافظة على الوظائف، فإنها سمحت بفصل المشتغلين وتسريحهم. واتخذت معظم الدول الخليجية الأخرى إجراءات مماثلة. وألغت السعودية إعانة غلاء المعيشة للعاملين اعتبارا من شهر حزيران/يونيو، ما يعد تخفيضا للدخل القابل للإستهلاك، وفي الشهر الحالي قررت مضاعفة ضريبة القيمة المضافة ثلاث مرات مقارنة بما كانت عليه، لترتفع إلى 15 في المئة. كما أعدت خطة لزيادة الرسوم الجمركية، بنسب تصل إلى ثلاثة أضعاف ما هي عليه، بما في ذلك الرسوم على الخضروات والفواكه والحبوب والسلع الغذائية والأدوات والأجهزة المنزلية. وتحت غطاء تطوير الحكومة تقوم الإمارات بتخفيض قوة العمل في الدولة، بما في ذلك القطاع الحكومي، ودمج الهيئات والوزارات، وإلغاء مكاتب الخدمات الحكومية وتحويلها إلى منصات اليكترونية.
وفي مصر والجزائر والأردن والعراق والسودان وغيرها من الدول العربية، لجأت الحكومات إلى فرض المزيد من الأعباء على المواطنين، للوفاء باحتياجات تمويل الحوافز المالية المقدمة لرجال الأعمال ومستثمري القطاغ الخاص في البورصة. وتضمنت هذه الأعباء زيادات في الأسعار والضرائب والرسوم، بعضها تحت غطاء مبررات براقة مثل فرض رسوم إضافية على أسعار الوقود بحجة حماية البيئة، مما ترك المواطنين في وضع أسوأ ماليا، وهو ما يتناقض مع احتياجات الإنعاش الاقتصادي على ضوء التجربة البريطانية، التي يمكن أن تقدم درسا يستفاد منه في إنعاش أسواق العمل والعقارات والفنادق والأسواق التجارية في الدول العربية.