البرلماني اليمني شوقي القاضي: المشكلة الجنوبية صنيعة الإمارات والحل الجذري لها في يد السعودية إذا توفرت الإرادة السياسية

حاروه: خالد الحمادي
حجم الخط
0

عضو مجلس النواب اليمني (البرلمان) شوقي عبدالرقيب القاضي، الذي يعد من البرلمانيين اليمنيين القلائل الذين يتجرأون على قول الحقيقة بكل شفافية ووضوح على الرغم مما يحيط بها من مرارة وألم وتبعات ثقيلة، فتح صدره هذه المرة لـ”القدس العربي” في هذا اللقاء الذي لا يخلو من الشفافية ولا تنقصه الجرأة.

وضع القاضي النقاط على الحروف في العديد من القضايا العالقة بالشأن اليمني، والتي كانت تشوبها الضبابية وتحيط بها التناقضات لعدم الفهم والإدراك من قبل المتابعين لما يدور في أرض الواقع من حقائق مرة، جراء الاقتتال الداخلي والتآمر الخارجي، والتي دفعت بالمشكلة اليمنية إلى حافة التعقيد ومضاعفة التأزم.

تطرق لأسباب إطالة أمد الحرب في اليمن، وأماط اللثام عن أسباب تراجع الشرعية عن تحقيق أهدافها وكشف التدخلات الإماراتية في القضايا السيادية في البلاد ومنها السيطرة على الجزر والموانئ والمطارات وبتواطؤ سعودي أيضا، كقائدة لقوات التحالف العربي في اليمن.

وهنا نص الحوار:

*كعضو مجلس النواب من محافظة مدينة تعز، بداية ما هي أسباب وتداعيات الأحداث العسكرية الأخيرة التي وقعت في مدينة التربة، حاضرة ريف تعز؟

**بالنسبة للأسباب والتداعيات الأخيرة التي وقعت في مدينة التربة، بمنطقة الحجرية، وبعض المناطق الريفية غربي محافظة تعز باتجاه مدينة المخا، هناك سبب حقيقي وهناك أسباب إدارية، السبب الحقيقي انه بدأت تتواجد في هذه المناطق مجاميع مسلحة غريبة عن المنطقة وتخزين للأسلحة بطريقة مريبة، وهؤلاء الناس الذين كان ينبغي ان يتحركوا نحو تحرير مدينة الحديدة من الانقلابيين الحوثيين، لكنهم للأسف تركوا الحديدة جانبا واتجهوا نحو مدينة التربة ومنطقة الحجرية وكدّسوا الأسلحة فيها، وهناك بيوت مليئة بالأسلحة، حيث تستأجر بيوت بأسعار مرتفعة واستغلوا الوضع الاقتصادي للناس والفقر وحاجة الناس للمال، حيث تم ضخ أموال ضخمة بطريقة مريبة واشتريت معدات لا تنبؤ إلا بأن هناك تربّصا، واستقدمت شخصيات عسكرية كبيرة جدا موالية للإمارات، لا تعترف بالحكومة الشرعية ولا تواليها، ولاؤها للحوثي وبعضهم يفرون عندما يبدأ الشك حولهم، ويلجأون إلى حضن الحوثي بصنعاء. وهناك أيضا شخصيات عسكربة كبيرة لا تعترف بالشرعية مطلقا ولا بالجيش الوطني ولا بسلطاتها، وهناك سؤال كبير لماذا يتواجد هؤلاء في منطقة التربة والحجرية وما هو هدفهم من ذلك؟ علما بأن هذه المنطقة هي الشريان الوحيد لمدينة تعز المحاصرة من قبل الانقلابيين الحوثيين منذ 2015. فمدينة تعز ليس لها من طريق ولا من شريان يربطها بالمحافظات الجنوبية وبقية المحافظات والعالم الخارجي إلا طريق التربة والحجرية فقط، فالأمر لم يعد مريبا بل صار واضحا تماما بأن هناك شيئا ما يخطط له، يرتبط أولا بوضع مدينة وميناء المخا (الساحل الغربي لتعز) والمناطق المجاورة لها، بشكل سياجي منقوص، لا يرتبط بالسلطة الشرعية الرسمية بمدينة تعز، إما لإعلان شيء مستقبلي أو لجعلها خاضعة للنفوذ الإماراتي الذي حطّ عينه تماما على الموانئ والسواحل اليمنية وهذا أمر لم يعد مخفيا، وهذا حقيقة ذلك ان هناك تحركات مريبة تماما بالإضافة إلى وجود ميليشيات ومسلحين في منطقة التربة والحجرية لا ينتمون للمنطقة ولا للسلطات الإدارية في محافظة تعز ولا يأتمرون بأوامرها ولا يلتزمون بقراراتها وتوجيهاتها وإنما هي عبارة عن مجاميع يدعون أنهم يتبعون شخصيات عسكرية وسياسية، وصار الأمر واضحا ولم تعد تلك التحركات المشبوهة تنطلي على أحد، حيث أصبح جليا أن هناك شيئا يتم الإعداد له وهو ما استدعى مجابهة ذلك. الأمر الآخر هناك اختراق من ميليشيا الحوثي لهذه المجاميع المسلحة ولمعسكرات هذه القوات، ومن ضمنها ما يسمى بقوات حرّاس الجمهورية بقيادة طارق محمد عبدالله صالح (نجل شقيق الرئيس السابق علي صالح، مدعوم من أبو ظبي) وهناك قادة عسكريون كُثُر انتماؤهم لميليشيا الحوثي وهؤلاء هم الذين يتركون الطريق باتجاه مدينة الحديدة ويتجهون إلى التمركز في مناطق التربة والحجرية في الريف الجنوبي لمدينة تعز، ولهذا أصبح الوضع العسكري والأمني هناك خطيرا جدا. وأنا هنا أحمّل الرئيس عبدربه منصور هادي ونائب الرئيس علي محسن، ووزراء الدفاع والداخلية ومحافظ محافظة تعز المسؤولية الكاملة عما سيحصل هناك من أعمال مشبوهة من قبل هذه المجاميع المسلحة التي بدأت المؤشرات مؤخرا تتجه نحو ذلك.

*إلى أي مدى تعتقدون أن المقصود من السيطرة على مدينة التربة ومناطق ريف الحجرية من قبل بقايا عسكريي الحرس الجمهوري السابق بقيادة طارق صالح، الموالية للإمارات هو خنق مدينة تعز، بالتنسبق مع ميليشيا أبو العباس المدعومة من الإمارات أيضا المتمركزة في طريق التربة عند مشارف مدينة تعز؟

**أستطيع القول بصريح العبارة أن الشرعية والتحالف خذلا محافظة تعز، هذه من الآخر، وهي تصدق تماما فيما يقال، فمحافظة تعز كان ينبغي أن يستكمل التحالف والشرعية تحريرها من الانقلابيين الحوثيين منذ وقت مبكر، بحيث كان ينبغي أن تحرر من جهة الشرق بفتح طريق تعز عبر منطقة الحوبان إلى محافظة لحج، لأنه للأسف معسكرات الحوثيين وقناصتهم يتمركزون في طريق الحوبان بشكل مكثف، وبالذات في الجبال والتباب المطلة على مدينة تعز، والتي منها يقوم الحوثيون باستمرار بقصف الأحياء السكنية بمدينة تعز ويسقط جراء ذلك الكثير من الأطفال والنساء والمدنيين، ولهذا وبعد أكثر من خمس سنوات نرى أن الشرعية والتحالف للأسف خذلوا محافظة تعز، أولا لأنهم لم يستكملوا تحريرها ولم يدعموا جيشها لتحقيق ذلك، وما زالت ميليشيا الحوثي تهدد تعز وتشكل خطرا محدقا عليها، وثانيا خُذلت تعز لأن منتسبي الجيش الوطني فيها تمر عليهم بين أربعة إلى ثمانية شهور بدون أن يستلموا رواتبهم، وهم معتمدون اعتمادا كاملا عليها رغم تواضعها، وهم في الأخير جنود مرابطون في ثكناتهم، وثالثا لم يتم دعم الجيش الوطني بالأسلحة النوعية والحديثة، في الوقت يتم دعم ميليشيا أبوالعباس بشكل واضح من قبل دولة الإمارات بالأسلحة النوعية والدعم المالي الكبير، رغم أنها مصنفة لديهم بأنها فصيل إرهابي، وهذا شيء غريب ومتناقض ويحيّر العقول، خاصة في ظل الصمت على ذلك من قبل السعودية، ولهذا تصل ميليشيا جماعة أبوالعباس أسلحة نوعية وثقيلة ومصفحات ومدرعات إلى غير ذلك، بينما الجيش الوطني الذي يمثل الدولة يفتقر لأبسط المعدات والآليات العسكرية والذخائر. والتهديد لمحافظة تعز من قبل دولة الإمارات مستمر أيضا، حيث حاولت عدة مرات عندما كانت ميليشيا أبوالعباس متمركزة في قلب مدينة تعز القيام بانقلابات على السلطة الشرعية في المدينة، لكنها باءت بالفشل وأجبرها الجيش الوطني على الخروج منها وتمركزوا في ضواحيها الجنوبية، بعد ان اغتالوا المئات من الضباط والجنود ومنتسبي القوات المسلحة والأمن وعدد كبير من الناشطين وخطباء المساجد، وحملة الرأي وموجهي المجتمع، المناهضين لسياسات الإمارات، ولهذا أبو ظبي ما زالت “حاطة عينها” على مدينة تعز، بذرائع ومبررات عديدة من أجل خنقها وإجبارها على الاستسلام للميليشيا والقوات الموالية لها كما فعلت في محافظة عدن.

*ماذا تمثل محافظة تعز من أهمية للحكومة الشرعية، ولما تبقى من دولة في اليمن؟

**محافظة تعز بشكل عام تمثل العمود الفقري للشرعية وللجمهورية، فهي أكبر محافظة في اليمن من حيث التعداد السكاني، ينتشر أبناؤها في كل أرجاء اليمن، أغلب الأطباء في البلاد منهم، أغلب المدرسين والأكاديميين والمهندسين والتجار وقادة الرأي وقيادات الأحزاب وغيرهم منها، لذا تعز تمثل عصب الحياة والعمود الفقري للجمهورية وللدولة وللشرعية في اليمن، وعليه لو حصلت أي انتكاسة ـ لا سمح الله ـ لتعز بسبب الخذلان لها والتآمر عليها والغدر بأحرارها ومقاوميها فإنما ستكون طعنة في خاصرة الشرعية ووالله لن تقوم للشرعية بعدها أي قائمة، وأؤكد بالبنط العريض وأقول بأنه لن تقوم للشرعية ولا للجمهورية ولا لليمن الاتحادي قائمة، إذا خذلت تعز، لأنها تمثل العمود الفقري لليمن.

*إذا انتقلنا لمشكلة الجنوب، كما ترى أن اتفاق الرياض مات قبل أن يرى النور، والآن تحاول السعودية انعاشه عبر مقترحات بديلة والتي تبدو أنها تتجه لصالح المجلس الانتقالي الجنوبي على حساب مصالح الحكومة الشرعية، كيف تقرأون الأمور؟

**اتفاق الرياض جاء لحل مشكلة أصبحت حقيقية وقائمة في الجنوب، بسبب أن الشرعية والتحالف تركتا ميليشيات تتقوى وتتغوّل وتتواجد على الأرض، وعندما كبرت هذه الميليشيا ومنها المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، خارج إطار الشرعية والدولة وخارج إطار مؤسساتها الرسمية ووزارة الدفاع والداخلية، وبالتالي كبرت وتغوّلت وصارت مشكلة حقيقية. ووفقا لنائب القائد العسكري الإماراتي حيث قال إن عدد عناصر الميليشيا الذين دربتهم الإمارات في اليمن بلغ نحو مئتي ألف، وفي أقل تقدير لو أخذنا نصف هذا الرقم، وقلنا يبلغ عددهم مئة ألف فقط، وهم المسلحون بأحدث أنواع الأسحة والذين يغدق عليهم بالأموال السخية والمنتظمة، لذا نموا وترعرعوا وكبرت المشلكة ولهذا جاء اتفاق الرياض تحصيل حاصل في أن يتعاطى مع حقيقة على الأرض، ولهذا أشدنا ورضينا به، ووافقنا عليه لأنه خلاص ما عاد هناك أي حل آخر، حيث وجد كيان جديد ولا بد من التعامل معاه، ورغم ذلك للأسف حصلت أمور مريبة، حيث لم تفرض بنود تنفيذ اتفاق الرياض حسب ما وعدنا به، والأخوة في المملكة العربية السعودية الملتزمون بتنفيذ اتفاق الرياض والمشرفون على تنفيذه، تركوا الحبل على الغارب فتمدد المجلس الانتقالي كما هو معروف، ذهب باتجاه الجنوب الشرقي واحتل جزيرة سقطرى بدعم سعودي، أما الدعم الإماراتي فلا جدال فيه، حيث تأكد أن هناك تواطؤا سعوديا واضحا تماما، لأنه كانت هناك معسكرات سعودية في سقطرى مكلفة بحماية الجزيرة وتستطيع أن تمنع سقوطها في أيدي ميليشيا الانتقالي الجنوبي، لكن للأسف سلمتها، إما لتمرير أجندات معينة أو لدوافع سعودية أخرى. وعقب ذلك جاء الاتفاق الثاني، اتفاق الرياض اثنين، ويبدو أن مسلسل اتفاقات الرياض سيستمر ثلاثة وأربعة وخمسة وغيرها، لأن الجدية غير موجودة للأسف، ورغم ذلك أشدنا بما تم التوصل إليه. أننا نفرح بأي شيء يتم التوصل إليه من أجل وقف نزيف نزيف الدماء ونزيف الدولة والشرعية، من أجل ان يتحرر الناس وأن يتحولوا إلى معركتهم الحقيقية ضد ميليشيا الانقلابيين الحوثيين، التي تعد معركة اليمنيين الحقيقية، جنوبيون وشماليون، وشرقيون وغربيون، لأن بقية المكونات يمكن أن تصل معها إلى حلول، أما ميليشيا الحوثي فلا حلول معها لأنها استئصالية اجتثاثية، لا تؤمن أبدا بالآخر، إذا كانت مكرت بحليفها الاستراتيجي علي عبدالله صالح، الذي مكنها من كل شيء في البلد وسلمها الحرس الجمهوري وأغلب قطاعات الجيش، ومع ذلك عندما استغنت عن خدماته وعندما حان وقت تصفية الحساب قتلته شر قتلة، وتحتجز جثته إلى الآن منذ نهاية 2017 وترفض تسليمها لأهله لدفنها، يعني جماعة إرهابية سادية، اجتثاثية، لا تؤمن بالتعدد ولا بالتعايش ولا أن يكون للآخر أي وجود فيه كرامة، وتريد أن تحوّل جميع اليمنيين إلى عبيد لها، ولأن يكونوا حصالات نقود لها، وإلى دافعي الخُمُس (20 في المئة) لها، ولن تقبلهم إلا بهذه الصفة فقط، وكجنود محارق في معاركها، لكنها لا تقبل شركاء مطلقا، ونجدد أن معركة اليمنيين الحقيقية هي مع ميليشيا الحوثي، وعليه فرحنا باتفاق الرياض وأن الخلاف الآن يتمحور حول الأولوليات، وبماذا سيبدأون؟ حيث يصر الرئيس هادي على ضرورة تنفيذ كافة البنود المتعلقة بالجانب العسكري والإداري والسياسي بشكل متزامن، بينما تصر قيادة المجلس الانتقالي على البدء بالجانب الإداري والسياسي فقط وترفض إخراج القوات من محافظة عدن.

*هل من سبيل في رأيك للخروج من الأزمة العسكرية والأمنية والسياسية في المحافظات الجنوبية، في ظل هذا الوضع المعقد؟

**بالنسبة للأزمة أو المشكلة الجنوبية هي ليست صعبة وكبيرة وقد عمل لها مؤتمر الحوار الوطني حلولا جذرية، والمكونات الجنوبية حينها وعت هذه الحلول واقتنعت بها وبدأت بترتيب وضعها على ذلك الأساس إلى أن جاءت دولة الإمارات وأنشأت المجلس الانتقالي الجنوبي خارج إطار المكونات الجنوبية، وأقصت المقاومة الجنوبية التي قادت تحرير المحافظات الجنوبية من ميليشيا الحوثيين، وأقصت القيادات الجنوبية التي اشتغلت منذ وقت مبكر وأسست الحراك الجنوبي، منذ 2007 وقدمت تضحيات وفرضت القضية الجنوبية على الواقع، واعترف بها في مؤتمر الحوار الوطني وشاركت بفاعلية فيه، وتضمنت مخرجات الحوار ومشروع دستور الدولة الاتحادية الكثير من الضمانات والمكاسب للقضية الجنوبية، والتي كفلت للمحافظات الجنوبية ان تكون شريكة في السلطة والثروة، وفي كل شيء، لكن المجلس الانتقالي جاء وهو لا يحمل قضية منطقية ودستورية، جاء للأسف عبارة عن وكيل لما تريده دولة الإمارات، وموضوع حل الأزمة الجنوبية سهل جدا، أولا ان يتم تمكين القيادات الجنوبية ويعترف بها، صحيح أنها أقل تسليحا من المجلس الانتقالي لكن إذا أرادت السعودية أن تفرض وجودها تستطيع ذلك، وثانيا أن تضغط السعودية كقائدة للتحالف وكمشرفة على تنفيذ اتفاق الرياض، لأنها قادرة جدا على تطبيق ذلك وعلى حل الأزمة الجنوبية برمتها لكن لو تحققت الإرادة السياسية.

*هل تعتقد أن مشروع تعديلات اتفاق الرياض سيؤدي إلى حل الأزمة في الجنوب، أم أنه يأتي في إطار شرعنة سيطرة الانتقالي الجنوبي على مقاليد الأمور هناك، لفرضه كسلطة أمر واقع كما واقع الحال في الشمال من قبل جماعة الحوثي؟

**أي تغيير لبنود اتفاق الرياض وأي عبث به سيؤدي إلى مشاكل أكثر وأكثر لأن اتفاق الرياض هو الحد الأدنى من احترام الشرعية في اليمن وتمكين مؤسساتها التي بموجبها دخلت السعودية ودول التحالف إلى اليمن لإنهاء الانقلاب الحوثي وتعزيز سلطة الدولة الشرعية، ولهذا يعد اتفاق الرياض الحد الأدنى، فإذا ما حصل أي اختلال ببنود هذا الاتفاق فهو شرعنة لميليشيات أخرى لمنافسة الدولة ولإضعاف أداءها وستكثر الكوارث المحيطة باليمنيين.

*وفي الجانب الآخر، إلى أي مدى ترى أن القبضة الحوثية أصبحت صعبة التفكيك في ظل التقدم العسكري لها في العديد من المناطق الحساسة والهامة، والتي أصبحت تشكل خطرا وتهديدا حقيقيا على محافظة مأرب النفطية؟

**للأسف ميليشيا الحوثي أضعف مما يعتقد ويتصور وعندما تدخل التحالف عسكريا في آذار/مارس 2015 كادت هذه الميليشيا أن تختفي من وجه الأرض لكن للأسف بدأ التحالف جيدا وحقق في البداية الكثير من الانتصارات وأنهى موضوع الطيران كسلاح للحوثيين، مع احتمالية ارتكابهم حماقات وجرائم ضد المدنيين أضعاف أضعاف ما ارتكبوه ضدهم من جرائم، واستطاع التحالف أن يحجّمهم وأن يطردهم بدعم من الجيش الوطني من بعض المحافظات الجنوبية، وساند الجيش الوطني بغاراته الجوية في معارك جبال نهم ومشارف محافظة مأرب وبعض المناطق الأخرى، لكن للأسف بعد ذلك انحرفت بوصلة التحالف تماما فأوقف التحرك العسكري على مشارف جبهات نهم، وخذله بعد ذلك بعدم التسليح وعدم تسليمه العتاد والعدة، وتسبب ذلك في تراجع الجيش الوطني عن السيطرة على جبال نهم، ومن محافظة الجوف بعد أن كان يحكم سيطرته عليها، ومُنع الجيش الوطني كذلك من تحرير مدينة الحديدة واشغل بمعارك أخرى جانبية، ومنع من أن يعزز وجود الدولة في عدن، وقُصف بالطيران الإماراتي وقُتل فيه المئات وفتحت جبهات أخرى لمشاكل الجيش الوطني في محافظات حضرموت وسقطرى والمهرة، وهي بعيدة جدا عن الخطر الحوثي، مما جعل الحوثي يتغوّل ويتقوّى، وأؤكد هنا بأن استقواء الحوثي ليس بسبب قوته ولكن بسبب انحراف بوصلة التحالف عن الهدف الرئيس لتدخله في اليمن، ويساورني الشك في أن هناك توجها لدعم ميليشيا الحوثي بشكل أو بآخر من أجل أن تستقوي تسليحا وفي أن تستقوي مكانة، من هي هذه الأطراف الداعمة لها؟ ليست إيران فقط ولكن إيران أحد الداعمين لميليشيا الحوثي وهناك أكثر من علامة استفهام ودوائر حمراء حول بعض الأطراف الإقليمية التي تدعم الحوثي بصورة أو بأخرى.

*هل تعقتد أن هذه كانت الأسباب وراء تراخي الوضع العسكري من قبل القوات الحكومية في محافظة مأرب والجبهات المحيطة بها؟

**بالتأكيد بعد أن مُنع الجيش الوطني أولا من مواصلة تحرير جبال نهم ومحافظة صنعاء، ومنع غربا وجنوبا من تحرير مدينة الحديدة ومنع من تحرير مدينة تعز، البعض يستغرب ويتساءل كيف يمنع ومن الذي أوقفه عن استمرار ذلك؟ وأقول مُنع بما يلي: الأول منع بقرار سياسي من التحالف وهذا أمر لم يعد سرا، وثانيا منع لأنه لم تسلم له معدات عسكرية لإنجاز مهمة التحرير، حيث احتفظ التحالف بالمعدات العسكرية الثقيلة في أيدي قواته، وبيد قادة التحالف في اليمن، أما الجيش الوطني لا يمتلك سوى الحد الأدنى من الأسلحة الخفيفة للدفاع عن النفس ولا تصلح لتحرير مناطق ذات ثقل استراتيجي، حيث يمنع منعا باتا تحريك أي من المعدات العسكرية الثقيلة الا بأمر التحالف، وهذه معلومة وليست تحليلا، الأمر الآخر سلاح الطيران الذي يعد مهما وجوهريا والأمضى في المعارك العسكرية، هذا السلاح لا تملكه الشرعية ولا الجيش الوطني، وإنما تملكه دول التحالف فقط، ولهذا مُنع الجيش الوطني من تحرير صنعاء والحديدة وتعز وحُرم جنوده من استلام المرتبات، ورغم ذلك انه عندما كانت بعض وحدات الجيش تحاول التقدم في بعض الجبهات تقصف بالطيران من قبل المقاتلات الحربية التابعة للتحالف، وحصل هذا مرارا وسقط جراء ذلك العديد من القادة العسكريين والكثير من الجنود بهذه الغارات التي كانت مقصودة لمنعهم من التقدم. ولهذا تشكل ميليشيا الحوثي تهديدا حقيقيا وخطيرا، بعد أن وصلت إلى الجوف وإلى مشارف محافظة مأرب التي تعد المخزون النفطي لليمن، حيث أصبحت تطوق محافظة مأرب، ولو تمكنت ميليشيا الحوثي ـ لا سمح الله ـ من اقتحام مدينتي مأرب تعز فإنها ستتحرك جنوبا لامحالة، إلا اذا كانت هناك صفقة بين الإمارات وإيران.

*مجلس النواب كممثل للشعب اليمني، لماذا بدى وضعه هزيلا ولم يتخذ قرارات ومواقف حازمة بهذا الشأن تساند الحكومة الشرعية سياسيا، خاصة بعد فقدان العديد من المدن الجنوبية مؤخرا لصالح المجلس الانتقالي بدعم إماراتي؟

**مجلس النواب كان ينبغي أن يستفاد منه مبكرا لكن للأسف عندما جرى الانقلاب الحوثي في 21 ايلول (سبتمبر) 2014 وأعلنت ميليشيا الحوثي عن تعليق الدستور وإلغاء البرلمان وإلى غير ذلك، واضطر الكثير من أعضاء مجلس النواب إلى مغادرة صنعاء لأنهم ربما سيتعرضون للاعتقال وربما للتصفية الجسدية من قبل الحوثيين، ثم جاءت عاصفة الحزم التابعة للتحالف نهاية آذار (ماس) 2015 وظلت فترة والناس تائهون وباحثون عن مأوى آمن، ولكن للأسف الشديد غيبت رئاسة الشرعية دور مجلس النواب تماما، فتخيلوا انه من نهاية آذار (مارس) 2015 لم يدعى المجلس النيابي للانعقاد إلا في نهاية 2017 وعندما قتل الحوثيون الرئيس صالح تمكن من استطاع من نوابه الخروج من العاصمة صنعاء والإفلات من قبضة الحوثيين، وانضموا للشرعية، وحينها توفرت الأغلبية للمجلس، ولكن بعدها نام البرلمان، لأننا نعتقد أنه كان هناك استقصاد من رئاسة الشرعية وتعمد من قيادة التحالف في ألا ينعقد مجلس النواب، لأنه ربما سيشكل حرجا كبيرا لهم، لأنه صاحب صوت حر، حتى وان وجد فيه بعض الأعضاء لديهم منطق آخر، فهناك أصوات سترتفع وتعلوا وتخوض في مناقشة موضوع الفساد وموضوع انحراف بوصلة التحالف وإلى غير ذلك، ولم يتمكن مجلس النواب من الانعقاد إلا في منتصف نيسان (ابريل) 2019 في مدينة سيئون بمحافظة حضرموت، على أساس أن تلك الجلسة ستكون تدشينا لاستئناف انعقاد الجلسات، ولكنها للأسف كانت يتيمة حيث توقفت جلسات المجلس عقب ذلك رغم أننا كنا قد وعدنا شعبنا بأن لجان المجلس ستسنأنف عملها، وستفوم بالمهام المنوطة على عاتقها، وأصبح المجلس حاليا جاهزا لأي جلسة أو دورة انعقاد ولكن للأسف لم يرد له أن يقوم بمهامه التشريعية، وحُصر عمله حاليا بأنشطة هيئة رئاسة المجلس والذي أفقده دوره الفاعل والمؤثر.

*في ظل هذا الوضع الصعب والمعقّد في اليمن، إلى أين تتجه الأمور؟ وهل تعتقدون أن هناك بصيص أمل للخروج من هذه الأزمة؟

**فعلا الوضع صعب ومعقد، وهناك ضبابية كبيرة لا يستطيع المرء التنبؤ معها بمعرفة إلى أين تتجه الأمور، أو محاولة استكشاف واستشراف مستقبل اليمن، لأسباب عديدة، السبب الأول رخاوة الشرعية، حيث أصيبت باسترخاء قاتل، ومكونات الشرعية يمكن وصفهم بأنهم اخوة متشاكسون، والقوى الوطنية الداخلية ليست متراصّة وأهدافها ليست موحدة، ودخل المال القذر فمزّق ما تبقى من تقارب والتئام بين قيادات ووجهاء وأعيان، حيث استقطب العديد من هؤلاء الوجهاء والقادة بواسطة المال القذر فعقّد الوضع اليمني، كما أن مشاكل الوضع الإقليمي ضاعفت المشكلة، حيث انعكست الأزمة الخليجية بظلالها على اليمن وتسببت بإشكالات مضاعفة له، خاصة مع إصرار الإمارات على أن تلعب دور الامبراطورية في اليمن، وتستحوذ على السواحل والجزر والموانئ والمطارات، وهو ما عقّد القضية بشكل كبير، والتي تستخدم أموالها ومرتزقتها المحليين والدوليين لتحقيق ذلك، ولذا نرى أن الموقف العالمي للأسف الشديد خذل اليمنيين وخذل الشرعية، ومن ثم أصبحت المسألة اليمنية صعبة ومعقدة جدا، ولذا إلى أين تتجه الأمور؟ لا أستطيع تحديد ذلك، مع أن الأمل موجود، ولنا في رواندا مثال حي على ذلك، التي تجاوزت أكبر مشكلة عرقية وخرجت إلى طريق السلام بأمان وقبلها خرجت أوروبا أيضا إلى طرق بعد أن كان وضعها أشد تعقيدا من وضعنا.

*رغم هذه التعقيدات، ما هو بصيص الأمل الذي أشرت إليه من أجل التوصل إلى حل للأزمة اليمنية لانهاء الحرب وتحقيق السلام المستدام، خاصة في ظل استحالة تسليم الانقلابيين الحوثيين والانفصاليين الجنوبيين للسلاح والمدن التي سيطروا عليها؟

**أعتقد أن الحل الأمثل والأنجع والأدوم والأطول لمشاكل اليمن هو أن تنتصر الدولة وان تنتصر الشرعية انتصارا قويا، حتى تضعف أمامها كل الميليشيات، لكن الحلول السلمية وحلول المهادنة وحلول الترقيع ستبقي هذه الميليشيات بأسلحتها وبجنودها ومرتزقتها ومنتسبيها يتقاسمون وضع اليمن، فالدول التي خرجت بحلول سياسية لمشاكلها الطائفية هي أضعف الدول التي تعاني إلى اليوم انعكاسات ذلك، ولا داعي لذكر الأمثلة الحية لذلك، حيث نرى تعطل حكومات تلك الدول لسنوات، ولهذا فإن الحل الأمثل هو ان تنتصر الشرعية، وأن تهزم الميليشيات هزائم ساحقة، حتى تكون هناك حلول دائمة، أما في ظل بقاء هذه الميليشيات فإن كل الحلول انما هي ترحيل لأزمات وتأجيل لمعارك آتية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية