د. لؤي منور الريماوي فوجئنا قبل عدة أيام بالحملة الشرسة من وسائل الاعلام الاردنية والتي استهدفت اداء الدائرة الاعلامية في الديوان الملكي متقصدة رأسها السيد امجد العضايله، مستشار الملك عبد الله الثاني لشؤون الاعلام. سبب المفاجأة هو انه في هذه الظروف الوطنية الحاسمة في الأردن يتوجب على الاعلام ككل ان يقوم برسالته بمنــــتهى الموضوعية في تأدية رسالة هدفها رفع سقف المسؤولية في طرح المسائل العامة وذلك خدمة للأردن ومواطنه البسيـــــط، فلا يعـــــقل ان ينتقل الاردن من التسلط البيروقراطي الى التسلط الصحفي.
فالحرية الصحفية التي يشهدها الأردن الآن هي نتاج الجهود والضغوط المخلصة للعديد من الشخصيات الأردنية والتي تبنت القضايا العامة بكل شجاعة وإيثار. ولكن أن نشهد مثل هكذا حملة بسبب استثناء أو عدم دعوة بعض الصحفيين إلى إفطار رسمي مع الملك وأن تعج بعض أقطاب الصحافة بمقالات تشغل الرأي العام وتؤلبه لتحقيق مكاسب شخصية متسترة ضمن عباءة الخدمة العامة فهذا ظلم لجهود الأردنيين الذين دافعوا عن حق الصحافة الأردنية وسقفها المطلق ضمن منهجية مسؤولة تحمل في جوانحها مصلحة الوطن والمواطن وقضايانا العامة وتبتعد كل البعد عن الشخصنة والتشهير.
وحقيقة من خلال معاملاتنا الرسمية فإننا نشهد وبكل موضوعية للتنظيم المحترف والتعامل الأمين للدائرة الإعلامية في الديوان الملكي بقيادة العضايلة والذي من خلال الحديث معه يذكرنا دائماَ بأخ أردني عزيز لم تشأ الأقدار له أن يكون معنا في عطائه ونقاء معدنه الأردني المرحوم الشاب عبد الله الحسنات المحرر الأسبق لجريدة الجوردان تايمز، فهذه هي طاقات الأردن التي صنعت نفسها بالانتماء والاعتزاز بالوحدة الوطنية بكل صدق ومسؤولية، فمن شدة إعجابنا بالأداء المحترف للعضايلة وطاقمه كنا قبل عدة شهور حتى قد بعثنا برسالة تقديرية لهم نوهنا فيها إلى أنه عند الحديث التليفوني مع موظفي هذه الدائرة كنا نشعر فعلاً أننا نتحدث مع أخوات أردنيات حقيقيات على مستوى عال من المهنية والاطلاع. مستوى الأداء المتميز للدائرة الإعلامية في الديوان الملكي، كنا كذلك قد ناقشناه وبتقدير شديد مؤخراً في حديث جانبي مع السفير الأردني في لندن، السيد مازن الحمود، والذي قدرنا فيه سعة الأفق والحرص على نقل الرسالة الحضارية في خدمة الأردن.
وبناء على ما تقدم، فإن الطرح الموضوعي الذي يجب أن يصب لصالح العمل العام يجب أن يكون نبراساً لنا في الأردن من حيث النهوض بالبلد من خلال مفصلية المعالجة التي يجب أن تعرض بكل إخلاص وتترفع عن الدوافع الخاصة. فالهدف الحقيقي من العمل العام أو الكتابة في الشأن العام يجب أن يكون فعلا للارتقاء بالأردن وغرس القيم الطيبة وتعزيزها بالعمل والجهد الدؤوب والذي لا ينتظر شكراً من أحد.
المسألة ليست مسألة تنظير بعيد كل البعد عن الواقع وتعقيداته، فنحن نتذكر أنه قبل عدة سنوات كنا قد ساهمنا مع نخبة من الزملاء الأردنيين أثناء دراستنا العليا في المملكة المتحدة في إنشاء اتحاد وطني للطلبة الأردنيين في بريطانيا وذلك بالتعاون مع سفارتنا الأردنية في لندن. وبالفعل وضع الجميع جهودهم ومالهم الخاص وكنا نجتمع وبشكل دوري في منازل بعضنا البعض كأعضاء في اللجنة التأسيسية في العديد من المدن والمحافظات البريطانية.
وأذكر أنه فور الانتهاء من إعداد دستور ديموقراطي كان لي رأي أنه حفاظاً على نزاهة ما قمنا به وتجسيداً لقيم الخدمة العامة الحقة فإنه لا يجوز لأحد منا أن يترشح للانتخابات لأننا نحن فعلاً من وضع الدستور وأنه يجب أن نقدم هذا العطاء هدية خالصة منا جميعاً للأجيال الأردنية القادمة. وبالفعل شاركني في هذا الرأي العديد من الزملاء الأردنيين ومن بينهم لاحقا الوزير الأسبق السيد أحمد الهنداوي، حيث أكدنا مع مجموعة من الزملاء في رسالة للسفير الأردني في ذلك الوقت، السيد فؤاد أيوب، على تمسكنا بأعلى درجات النزاهة وأن دورنا انتهى بمجرد تسليمنا مسودة الدستور للسفارة الأردنية، حيث أننا كلجنة تأسيسية لا يجوز لنا أن ننتفع من نصوص كنا نحن قد وضعناها. فخدمة الأردن أسمى وأكبر من أي منفعة خاصة على حساب قيم العطاء المجرد ونزاهة الطرح.
وبالفعل السؤال الحقيقي الذي يجب أن يسأله من يتدخل بالشأن العام الأردني، ما هي القيم التي يريد أن يزرعها. ففي هذا الوقت الأكثر حساسية في هذه المنطقة لابد من مسؤولية قصوى عند التعامل مع القضايا العامة حتى نزرع بذور الخير والأمل. فبالرغم من كل الإيجابيات والتي نعتز بها جميعاً نقول بأن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد وان هذه المعركة ستكون المفصل وأن الانتصار فيها سيكون انتصارا لكل الأردنيين ومن دونها سيكون كل الذي يجري ليس أكثر من شكليات.
فمعركة الأردن والأردنيين الحقيقية هي مع الفساد ومع كل أولئك الذين استغلوا مواقعهم وعلاقاتهم الخاصة والعامة لبناء تحالف وشلليات مصلحية لنهب أو التطاول على المال الأردني العام ومقدرات هذا الوطن، حيث حدث تزاوج مالي سياسي مستغلا السرية والتلاعب الإداري وضعف مقومات الرقابة الأمنية والمالية على قضايا الفساد. وإذ يتقدم الأردن بكل اقتدار لإرساء قواعد المحاسبـــية ضمن وحدة وطنية جامعة طاوياً صفحة قديمة بالية متطلعاً إلى المستقبل بأمل وثقة، فإننا نعتز بالنهج الوطني العام لصحافتنا الاردنية وندعوها ان تستمر على هذا النهج الذي هو محل تقدير كل الاردنيين المخلصين والذين ليس لهم أية اجندة خاصة او خارجية. فحدود صحافتنا هي السماء لها الحق المطلق بالكشف عمن تتطاولوا على المال العام وغيرهم من اعداء الوطن.
وحقيقة فإننا نتمنى لو أن كل مؤسساتنا الاردنية هي في مستوى التعامل المهني والمحترف والتي يقودها العضايله وزملاؤه في الدائرة الاعلامية في الديوان الملكي الأردني.
فالصحافة الاردنية المقروءة والالكترونية هي صمام الامان للوطن وكل صحفيينا هم الآن جنرالات الوعي والكلمة الحرة في معركة الأردن الوجودية والتي لن يكون النصر بدونهم ولن تتحقق رفعة الوطن بغير إسهاماتهم والتي يقاتل من إجلها احرار الأردن بكل شهامة ونبل وإخلاص. المسؤولية علينا جميعاً أن ننهض بهذا الأردن ونجعل منه منارة للمنطقة باسرها في إعلاء كلمة الحق والواجب خدمة لهذا الوطن الجامع ومواطنه الأبي. ‘ محاضر اردني زائر في جامعة كامبريدج و رئيس برنامج الماجستير في القانون المالي الإسلامي في جامعة BPP لندن