الرباط ـ “القدس العربي”: حوّل مجموعة من الفنانين المغاربة فترة الحجر الصحي المرتبطة بجائحة “كورونا” إلى طاقة إيجابية، إذ لم يمنعهم قرار إغلاق المسارح والأروقة الفنية والمجمعات الثقافية (كإجراء احترازي لتفادي تجمع الناس) من ممارسة فنهم والتواصل مع جمهورهم العريض. ولهذا الغرض، استفاد الفنانون المغاربة من الإمكانات التواصلية الكبيرة التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة من خلال الإنترنت، حيث قدموا منتجات فنية حققت المتعة والفائدة، وساهمت في ضخ روح معنوية عالية لدى فئات كبيرة من المتلقين؛ وذلك على الرغم من الانعكاسات السلبية للجائحة على الأوضاع الاجتماعية والمادية لمجموعة من الفنانين المحترفين الذين وجدوا أنفسهم في ما يشبه البطالة طيلة فترة الحجر الصحي.
وهكذا، شهدت فضاءات التواصل الاجتماعي الافتراضية بث فقرات موسيقية مباشرة، شارك فيها فنانون من مدن مغربية مختلفة، وتوزعت تلك الفقرات ما بين الموسيقى العتيقة كالطرب الأندلسي والملحون وبين الموسيقى الغربية بأصنافها المتعددة. وعلى سبيل المثال لا الحصر: نُظمت دورة افتراضية للمهرجان الدولي للعود في مدينة تطوان، بإشراف الفنانة السوبرانو سميرة القادري، حيث كان الجمهور المغربي والعربي على موعد مع أكبر نخبة من العازفين والأسماء الوترية العربية وغير العربية الوازنة، والتي أضافت إليها هذه السنة أسماء مغربية شابة احتفاء بالمواهب الشابة في الساحة الفنية المغربية، كما عرف برنامج فعاليات المهرجان احتفاء افتراضيا بجائزة الزرياب، وعدة ورش تربوية وتثقيفية وتدريبية في صناعة وتعلم تقنيات العزف على آلة العود بإشراف نخبة من ألمع العازفين من المغرب وسوريا وإيران. أما عن برنامج الفعاليات التي وزعت على عشرين يوما متتالية فشارك فيها أكثر من 30 فنانا، من المغرب، فلسطين، اليونان، إيران، العراق، سوريا، الأردن، تونس، مصر، السعودية، الكويت وإيران.
ونظمت أيضا سهرة افتراضية عن بعد تحت اسم “موسيقى بالمؤنث: سماعي بياتي عن بعد، تكريما لروح المرحوم أحمد سليمان شوقي” بمشاركة كل من الفنانين: سعاد شوقي (على آلة القانون) محمد بن سليمان (على آلة العود) حسناء حمروش ولبنى بن سليمان (على آلة الكمان) كوثر نقاب (على آلة الرق) سناء فاضل (على آلة الأورك).
كما أحيى نادي الفنانين المغاربة حفلا فنيا عن بعد مع الفنانة المغربية سعاد حسن، تضمن طربا وغناء ونقاشا وحوارا ما بين المحتفى بها وباقة من الفنانين والمبدعين والإعلاميين. وفي السياق نفسه، شارك مجموعة من العازفين والفنانين من مدينة فاس في سهرة روحانية افتراضية حظيت بتتبع هام من لدن رواد شبكات التواصل الاجتماعي. وشهدت دار الثقافة بني ملال النقل المباشر لمجموعة من الحفلات، في إطار ما سمي “موسيقى لايف”.
وأدى 16 فنانا مغربيا من أماكن مختلفة من العالم عملا فنيا مشتركا، انصب على الصلاة على الرسول محمد (ص) وكان وراء المبادرة عبد السلام الخلوفي ورفيق الماعي، وشارك في العمل كل من: السينغالي مامادو درامي، والبلجيكي سيني، والتركي كولابي وكوبات نامور بلجيكا، وعازف الكمان عبد الرحيم السملالي، اوفربلط بلجيكا، محمد رشيد التسولي: طنجة/ المغرب، فيصل كريش من إسبانيا، محمد بنشقرون من طنجة، وعازف القانون أحمد الماعي طنجة المغرب، عود يونس فخار طنجة المغرب، تشيلو: عبد المجيد خليكان الدارالبيضاء المغرب ناي: السوري تمام رمضان، نامور بلجيكا كلارينيت: هيثم البشري الرباط المغرب ساز: التركي ياسين برلار :لاكن بلجيكا إيقاع: أحمد الخيلي من بلجيكا، عبد العالي الجزولي: بلجيكا، تنسيق وتسجيل وميكساج وتوضيب و مونتاج: رفيق الماعي.
في مجال المسرح، أشرف الفنان محمد البدري على تنظيم مسابقة التشخيص المسرحي عن بعد، نظمتها المديرية الجهوية لوزارة الثقافة والشباب والرياضة (قطاع الثقافة) بجهة الرباط سلا القنيطرة، بتعاون مع مجلة “نساء من المغرب”.
وفي إطار التنشيط عن بعد، وموازاة مع فترة الحجر الصحي، قدم الممثل الفنان رشيد العلوي خمس فقرات فنية، خلال خمسة أسابيع، تضمنت ما يلي: مشهدا ارتجاليا بعنوان “المغاربة أهل للكرم والترحيب”، مشهد وصف الموت من مسرحية “هاملت” لشكسبير، مشهد من مسرحية “الملك لير” لشكسبير، مشهد كوميدي بعنوان “بطاقة فنان”، تمثيلية اجتماعية بعنوان “تزوجت مرا صغر مني” بمشاركة الفنانة دلال منصوري ورشيد العلوي.
ونظمت دار الشعر في مراكش عبر قناتها على يوتيوب وصفحتها الافتراضية فقرة جديدة تحت اسم “حكواتيون شعراء” مع أحد رواد فن الحلقة بساحة جامع الفنا، الفنان عبد الرحيم المكوري المعروف بعبد الرحيم الأزلية وابنته الفنانة حجيبة، وإلى جانبهما الفنان المسرحي والسينمائي والشاعر السعيد بوخالد.
إنها لحظة شعرية وفنية استثنائية، حيث يلتقي خلالها التراث الشفاهي الإنساني بالشعر، بحسب بلاغ الجهة المنظمة. كما تشكل فضاء لتلاقي التعبير الإبداعي، في أرقى تجلياته، حيث يمتزج الشعر بالمسرح والأداء الفني والفرجة الشعبية بفنون القول الإبداعي. في ظل حرص دار الشعر بمراكش على تجسير التباعد الاجتماعي، بين الشعراء والنقاد والفنانين والمتلقي شعريا، عبر إطلاق العديد من الفقرات الشعرية والندوات النقدية، من بوابة منصاتها التفاعلية، لتواصل من خلال هذه البرمجة، فتح منافذ جديدة لتداول الشعر بين جمهوره، احتراما للتدابير والظرفية الاستثنائية التي يعيشها العالم اليوم. فقرة استثنائية، يلتئم خلالها أنماط القول الشعري والفني ضمن قوالب أدائية فنية، حيث يصبح فضاء دار الشعر بمراكش، ساحة جامع الفنا مصغرة، ومسرحا صغيرا للأداء الشعري الفني.
وإذا كان الفنان عبد الرحيم الأزلية، من الحكواتيين الذين كرسوا حياتهم لفن الحكاية، ولازموا فضاء ساحة جامع الفنا، والتي ألهمت العديد من الكتاب العالميين الكبار (خوان غويتيسولو) هذا التراث اللامادي الإنساني والذي كان يشكل مشتلا للعديد من الشعراء والفنانين المسرحيين والموسيقيين كما صنفته اليونسكو كتراث شفوي للإنسانية، فإن تجربته مع الشعر والنظم لم تفارقه، فأبعد من السير والحكايات، خاض الفنان عبد الرحيم المكوري تجارب عالمية مع فنانين، نذكر هنا تجربته مع الاسباني هكتور أورين، إلى جانب انفتاحه على تجربة الإبداع المغربي، كما فعل مع نصوص أحمد بوزفور وحسن نجمي وآخرين.
والى جانب الفنان عبد الرحيم الأزلية، تشارك الفنانة الحكواتية حجيبة، بمعية والدها في تجربة فريدة، حيث يعود عنترة بن شداد إلى جانب شعراء وشخصيات تاريخية ومتخيلة، لتنسج لنا الفنانة حجيبة من شعرية الحكايات والحس الأدائي الرفيع، لحظة شعرية وفنية رفيعة. ويأتي الفنان المسرحي والشاعر، السعيد أبو خالد إلى فضاء دار الشعر بمراكش. لكن، هذه المرة، سيستعيد صوت الشاعر الذي سكنه فترة زمنية طويلة، حين كان ينشر في الملاحق الثقافية للجرائد المغربية. الفنان السعيد أبو خالد، والذي شارك في عروض “بشار بن برد، عائد إلى حيفا، رحلة الرجل الطيب، ومنطق الطير” إلى جانب مشاركته السينمائية العديدة والمسلسلات الدرامية، اختار أن يكون الممثل الشاعر، في تناغم مع فقرة “حكواتيون شعراء”.
وحيث إن إعادة الاعتبار للحكواتيين في النسيج الثقافي ظل حلما يراود العديد من المثقفين والفاعلين الجمعويين والشعراء والكتاب والإعلاميين، فقد فتحت دار الشعر في مراكش نافذة على هذا التراث الشفاهي الغني إلى جانب إعادة الاعتبار لوظيفة الشاعر والفنان، داخل المنظومة المجتمعية.
من جانب آخر، وسعيا إلى المساهمة في التخفيف من الآثار السلبية لجائحة كورونا على الفنانين وعلى النشاطات الفنية في المغرب، أطلقت وزارة الثقافة والشباب والرياضة المغربية مبادرة جديدة لرصد الدعم المالي للفنانين والفرق الفنية في مجالات المسرح والموسيقى والفنون الكوريغرافية والفنون التشكيلية والبصرية؛ وذلك وفق شروط محددة في إطار “دفتر التحملات”، ووجهت الوزارة إلى علم عموم الفنانين وحاملي المشاريع المعنيين بإعلان طلبات عروض المشاريع الفنية أنه تقرر تمديد ٱجال إيداع ملفات طلبات دعم المشاريع الفنية إلى غاية 17 تموز/يوليو الحالي، كما تم إجراء تغييرات على “دفاتر التحملات” الخاصة بطلبات العروض هذه، وذلك على مستوى الوثائق المطلوبة من حاملي المشاريع.
وحرصت الوزارة المذكورة على مواكبة استئناف أنشطة القطاع الثقافي بإصدار دليل يتعلق بالإجراءات الوقائية التي تستهدف تدبير فترة ما بعد الحجر الصحي والعودة إلى ممارسة الأنشطة الثقافية؛ مذكرة بأن استئناف الأنشطة يجب أن يكون تدريجيا في احترام تام لقواعد النظافة والأمان، وكذا الأجندة المحددة من طرف السلطات العمومية المختصة.