«حولي ظلام دامس ولا أرى غير ضوء القمر وضوء كاميرا الجزيرة»، عبارة الزميل تيسير علواني الشهيرة التي قالها في كابول عشية الحرب الأمريكية على أفغانستان.
نجا تيسير في تلك الليلة من القصف ومن قطاع الطرق، وحقق نجومية لا يجهلها عربي. وحين غدرت به قوانين المدنية وحقوق الإنسان في إسبانيا، تجسدت تلك العبارة في حاله، فكان ضوءُ «الجزيرة» هو صوتَها المطالب به في كل لحظة، وكان ضوء القمر أملنا نحن وأهله وضمائر العرب في خروجه إلى فضاء الحرية.
مرت سنون طوال وضوء القمر على حاله، وضوء كاميرا «الجزيرة» أيضا على عداوته لمحاكم أمن الدولة في دول العالم الثالث، وفي كثير من دول العالم الأول.
ليلة السبت وأثناء الحفل السنوي بالذكرى الثامنة عشرة لانطلاق قناة «الجزيرة»، ذكرنا مدير القناة الزميل ياسر أبو هلالة بتلك العبارة مرة أخرى، في سياق حديثه عن مسيرة القناة من غرفة الأخبار الصغيرة إلى الشبكة، التي تملأ الدنيا وتشغل الناس. وقع لي حينما سمعت عبارة تيسير مجددا أنها بيتٌ من تلك التي يسميها الشعراء بيوت المعاني. وكأنها لا تتمثل حال «الجزيرة» الآن إلا بقدر ما تلبسها «الجزيرة» منذ انطلقت.
ضوء القمر وضوء كاميرا «الجزيرة» كانا هناك أوّلَ الأمر قبل ثمانية عشر عاما يوم كانت «الجزيرة» تغرّد وحدها خارج سرب القنوات الحكومية، معلنة بداية النهوض بالفكر العربي من سواد الإعلام الذي يحتكره الفرد الأوحد. وفي أفغانستان كان التجسيدُ الحرفي لمتلازمة الضوءين وكان السبقُ والانتشار، ثم ظل ضمير الضوءين مع طارق أيوب إلى أن تمت الرسالة باستشهاده، ومع سامي الحاج إلى أن عانق الحرية.
وفي ثورات الربيع العربي، كان ضوء القمر وضوء كاميرا «الجزيرة» أيضا وسط سواد واسع من المنع والاضطهاد، وأضواء مرتجفة تبيّن في ما بعد أنها لم تكن إلا خيالا وكذبا.
الشهداء حسن الجابر ومحمد المسالمة ومحمد القاسم وحسين عباس، كلهم آمنوا بأنّ ضوء القمر وضوء كاميرا «الجزيرة» سيضيئان مستقبل هذه الأمة وسينتصران على السواد المحدق، وعلى ذلك عملوا تدفعهم العقيدة والشرف والأخلاق قبل المهنة.
واليوم، سواد انقلابي دامس يحول بيننا وبين الزملاء باهر محمد وبيتر غريستي ومحمد فهمي القابعين في أقبية السجون المصرية.
وإذا سألت وائل الدحدوح وتامر المسحال عن عدم مجيئهما إلى الدوحة لحضور الحفل السنوي لـ»الجزيرة» وعن اقتصار مشاركتهما على الظهور عبر الأقمار الاصطناعية لجاءك الجواب: حولي ظلام دامس ومعبر مغلق ولا أرى غير ضوء القمر وضوء كاميرا «الجزيرة».
٭إعلامي سوري
محمد صالح