كورونا تدفع الناس للانخراط الكلي في التكنولوجيا

جلال حجاز
حجم الخط
0

لم يعد خفيا أو حتى موضوعا قابلا للجدل حجم التغيير الذي أحدثه وجود وانتشار فايروس كورونا في حياتنا. عادات جديدة وأنماط حياة وسلوكيات تكاد تتشابه إلى حد التطابق بين شعوب لم تتشارك إلا في ما ندر سابقا. هزة جدية سببها فايروس لنا لنعيد النظر في تقديرنا لحياتنا الاجتماعية، ونقيم تصرفاتنا مع أهلنا وجيراننا، وخصوصا من قطعوا مع السنين رحلة طويلة أو كان من ضحايا الأمراض المزمنة وأمسى في دائرة المستهدفين من هذا القادم الغريب.
وقد أسهم ذلك في انتشار العديد من المبادرات الفردية والجماعية لمد يد العون لهم في التسوق اليومي، وتأمين الدواء من أجل مساعدتهم ودعمهم للبقاء في المنزل من أجل حمايتهم.
وفي ظل غياب أي دواء أو عقار أو لقاح لدحر هذا فايروس المستجد، كان التباعد الاجتماعي والعزل والحجر المنزلي هي أدواتنا الأقوى لمواجهته، وهي إجراءات كنا نعتبرها وسائل تعذيب في  زمن قريب جدا.
وعلى صعيد العمل، أسهمت إجراءات العزل والحجر الإجبارية في توسعة وترسيخ فكرة أدائه من المنزل والتي كانت تلاقي تمنعا من بعض أصحاب رؤوس الأموال ومديري الشركات.
أما اليوم، وبعد هذه التجربة الاستثنائية الإجبارية، فقد تقبلوا هذا النهج بل أصبح كثير منهم دعاة لترسيخه. خاصة مع التوفير الكبير في الموارد من مكاتب وكهرباء وقرطاسية وما شابه، وللنجاح والنتيجة الطيبة التي أحرزوها في جودة الأداء. لم يكن لهذا النجاح أن يحصل لولا توفر التكنولوجيا الحديثة والعديد من البرامج والتطبيقات التي سهلت التواصل وساهمت بشكل أساسي في جعل العمل من المنزل تجربة ناجحة. من هذه التطبيقات سأذكر على سبيل المثال لا الحصر تطبيقات التواصل مثل «واتس آب»
و«سكايب» و«زووم» وتطبيقات تخزين مشاركة المستندات والملفات مثل «غوغل درايف» و«دروب بوكس».
وتطبيقات المساعدة في تنظيم الوقت والأعمال والأفكار مثل «تودويست» أو «ريسكيو تايم» أو «ورك مود».
وعلى الصعيد الصحي، شكل الوباء فرصة مثالية لكل شخص متكاسل في العالم لزيادة الوعي بأهمية الرياضة وأثرها الإيجابي من الناحية الجسدية والنفسية أيضا. وفي ظل إغلاق النوادي الرياضية وصعوبة التدرب مع محترفين، باتت تطبيقات الرياضة المنزلية دليلنا الأسهل والأقرب، حيث إنها تقدم الميزات التي تساعد على بناء نمط حياة صحية يتيح لنا خططا مخصصة للوجبات والتمارين الرياضية. وجاءت هذه التطبيقات من جهود عمل فرق عديدة من الأطباء وعلماء النفس وخبراء التغذية والمدربين الشخصيين، لتوفر لنا أساليب تغيير السلوك بفاعلية من خلال المقالات اليومية والتحديات التفاعلية، التي تهدف لتعليمنا المهارات التي نحتاجها ومن هذه التطبيقات «فيرتشوال ترينير برو» و«سكس باكز إن 30 دايز» و «نووم».
أما للمساعدة على الاعتناء بالصحة العقلية والتخلص من القلق وبناء المرونة العقلية والتغلب على الشكوك، وهو ما يساعد في تعزيز آليات التصبر والتحمل في مواجهة الأخبار المزعجة والخسارات التي سببها الوباء في الأحباب والأموال، تم ابتكار عدة تطبيقات للتأمل، تتيح للمستخدمين ممارسة هذه الرياضة فرديا أو ضمن جماعات، وتقوم فكرتها على أساس واحد تقريبا مفاده أن 5 دقائق لممارسة التأمل يوميا كفيلة بإحداث فارق ملموس في المزاج، ومن هذه التطبيقات «بريثينغ آب» و «سيرينتي إنسايت تايمر».
لا شك أن الوباء قد أثر بشكل مباشر على العديد من قطاعات العمل وأدى إلى خسارة الملايين لعملهم، لكنه ومن جهة مقابلة أسهم في خلق فرص عمل أخرى، كما الحال مثلا في المتاجر الإلكترونية وأهمها أمازون، حيث إنه ووفقا لتقرير سابق لـ «سي أن بي سي» فإن أمازون قامت بتوظيف 75 ألف موظف جديد حتى أبريل/نيسان الفائت. وعلى الصعيد الترفيهي كانت للتكنولوجيا في زمن كورونا أيضا حصة الأسد، وهذا ما أشارت له أرقام الاشتراك والأرباح في منصة نتفلكس مثلا، حيث سجلت انضمام 16 مليون مشترك فقط خلال الربع الأول من العام، وذلك حسب بيانهم المالي. وكانت للألعاب حصتها أيضا في زمن العزل والحجر وفي عالمنا العربي مثلا تحصلت ألعاب القتال مثل «ببجي» و «فورت نايت» وتطبيق ألعاب ورق الشدة «جواكر» على أعداد غزيرة من اللاعبين.
ومن أهم الأسباب التي أسهمت في زيادة شعبية هذه الألعاب هو وجود الغرف الصوتية فيها، مما سمح للاعبين بالتواصل الصوتي طوال فترة اللعب، كما لو أنهم يجلسون في غرفة واحدة أو على طاولة واحدة.
اللافت أن جميع هذه التطبيقات موجود بشكل مجاني، على الأقل عند الاستخدام الفردي، مما يعني إتاحة استخدامها ووصولها للجميع. ومما لا شك فيه أن هذه التكنولوجيا وهذه التطبيقات سيزداد قبولها وجماهيرتها بسبب هذه الأزمة، لما أسهمت به من تخفيف وطأة العزل وتسهيل طرائق التواصل الشخصي والاجتماعي والعملي.
لكن تبقى هناك بعض المشكلات التي تعجز التكنولوجيا الحديثة أو القديمة منها عن حلها، فقد حذر تقرير للأمم المتحدة من أن المكاسب التي تحققت في مجال المساواة بين الجنسين معرضة للانتكاس بسبب الوباء. والعمل من المنزل في عديد من الحالات أجبر المرأة على القيام بعملين في آن واحد، مما دفع كارولين ويلي، المديرة التنفيذية لمؤسسة «شاين» البريطانية للاستشارات في مجال تحقيق التوازن في نسبة العاملين من الجنسين في الشركات، إلى التحذير من أن الأنظمة الأسرية الحديثة قد تنتكس وتعود إلى النمط التقليدي في توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة بسبب إغلاق المدارس ودور الحضانة، وعدم توفر العمالة المنزلية، بسبب ظروف التباعد الاجتماعي والعزل والحجر الناجمة عن وباء كورونا.

كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية