إسطنبول ـ «القدس العربي»: مرت 4 سنوات كاملة على محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا ليلة الخامس عشر من يوليو/تموز عام 2016 ونفذتها جماعة الخدمة التي كانت قد وصلت إلى مراحل متقدمة في التغلغل داخل أروقة الدولة، وهي ما أطلق عليها لاحقاً «تنظيم غولن» نسبة إلى زعيمها فتح الله غولن، لكن هذه الليلة التاريخية ما زالت حاضرة بقوة في ذاكرة كافة المواطنين الأتراك والأجانب الذين عايشوها من قرب في تركيا.
ففي تلك الليلة، عاشت تركيا أجواء حرب حقيقية، واستخدم الانقلابيون الطائرات الحربية والمروحية والدبابات وكافة أنواع الأسلحة، ونجا أردوغان من موت محقق واحتجز رئيس الأركان، وقتل 251 مواطناً وأصيب 2200 آخرون، قبل أن يتمكن الشعب من هزيمة الانقلابيين وإفشال محاولة الانقلاب خلال ساعات فقط من انطلاقها، وتمكنت الحكومة من استعادت سيطرتها على كافة مرافق الدولة واعتقال آلاف الانقلابيين الذين ما زالوا يحاكمون حتى اليوم.
اللحظات الأولى
كان مساء الخامس عشر من يوليو/تموز يوم جمعة، وهو اليوم الأخير الذي يسبق عطلة نهاية الأسبوع في تركيا، حيث يسهر المواطنون لساعات متأخرة في الخارج وتزيد تنقلاتهم داخل إسطنبول وبين المحافظات لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، وكنت مع عائلتي في أحد المقاهي بجانب المنزل القريب من مطار أتاتورك بإسطنبول، الذي كان محوراً مهماً في أحداث تلك الليلة. كان يوماً عادياً، لم يسبقه أي اضطرابات أمنية أو سياسية أو مؤشرات على الأرض، قرابة الساعة الثامنة والنصف مساءً وردني اتصال من زميل يقطن بجانب ثكنة عسكرية في الشق الآسيوي من إسطنبول وسألني ما إن كان هناك شيء استثنائي يحدث في إسطنبول وأخبرني أنه شاهد خروج عدد كبير من العربات العسكرية من الثكنة العسكرية. حتى تلك اللحظة لم تكن الفضائيات الإخبارية التركية التي تنقلت بينها قد بدأت بنشر أي شيء، لكن المؤشرات بدأت تظهر تدريجياً، اتصلت بصديق آخر كان قد غادر لتوه من جلستنا باتجاه مطار أتاتورك وسألته عن مشاهداته فأخبرني أنه يشاهد على الطريق العام عربات عسكرية تتوجه نحو المطار.
دقائق فقط كنت قد وصلت لشخصية سياسية في الحكومة آنذاك، وأخبرني أن المؤكد أن هناك تحركات غير عادية للجيش وأن التقديرات الأولوية تشير إلى أنها محاولة انقلاب عسكرية، وبحلول التاسعة تقريباً كانت الفضائيات تنشر أخبار انتشار الجيش وإغلاقه جسر البوسفور في إسطنبول، وتدرجت الأحداث وعشنا في إسطنبول أجواء حرب حقيقية.
نجاة أردوغان
جهّز الانقلابيون فريق اغتيال من أبرز فرق المهام الخاصة في الجيش التركي، وتوجه عبر مروحيات عسكرية إلى مكان إقامة الرئيس في تلك الليلة بمدينة مرمريس بولاية موغلا غربي البلاد، ولا يعرف ما إن كان الهدف النهائي هو قتل الرئيس أو اغتياله، ولكن طبيعة المهمة كانت تحمل كافة الاحتمالات. وبغض النظر عن النتيجة التي كانت ستحصل، فإن الهدف كان تحييد الرئيس وقطع رأس الهرم السياسي في البلاد.
كان الانقلابيون يعلمون جيداً مكانة أردوغان عند الشعب التركي وقدرته على تحريك الشارع، ولذلك لم يغفلوا مخطط تحييد الرئيس الذي فشل في اللحظات الأخيرة، حيث تمكن أردوغان من الانتقال إلى مكان آخر بعملية أمنية معقدة، ونفذت المهمة ضد المكان الذي كان يقيم فيه أردوغان بالفعل، وقُتل هناك اثنان من أفراد الحماية الخاصة بالرئيس، وبالتالي فشل الانقلابيون بهذه المهمة، وظل رأس الهرم السياسي موجوداً وعلى تواصل مع الشعب، وهي إحدى العلامات الفارقة في إفشال المحاولة الانقلابية.
احتجاز رئيس الأركان
سعى الانقلابيون إلى تحييد القيادات العسكرية الكبيرة التي رفضت المشاركة في المحاولة الانقلابية وعلى رأسهم خلوصي أقار رئيس الأركان آنذاك، الذي جرى احتجازه ونقله عبر مروحية عسكرية لمكان احتجاز في قاعدة أقنجي الجوية التي أديرت منها المحاولة الانقلابية في العاصمة أنقرة. ومعروف عن أقار ولاؤه للرئيس التركي وقربه منه، وكان الانقلابيون متيقنين من رفضه التجاوب أو دعم المحاولة الانقلابية، وبالتالي كان خيارهم تحييد أقار لحين الانتهاء من مهمة إتمام الانقلاب، ورغم نجاحهم في تحييده بالساعات الأولى للانقلاب، إلا أن عملية تحريره قد نجحت وتحول لاحقاً إلى رأس الحربة في الحرب على الانقلابيين داخل بنية الجيش التركي حتى اليوم.
قطع الاتصالات
سعى الانقلابيون إلى قطع الاتصالات داخل الدولة منذ اللحظات الأولى للمحاولة الانقلابية، حيث تم قصف الأقمار الاصطناعية الرئيسية للاتصالات واحتلال المقرات الرئيسية في أنقرة وإسطنبول، وجرت جهود كبيرة لقطع الإنترنت.
إلى جانب ذلك كله، تحرك الانقلابيون ضمن خطة معدة مسبقاً نحو وسائل الإعلام الرئيسية في البلاد، وتم احتلال مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون في أنقرة، ومقر التلفزيون الرسمي الذي أجبرت المذيعة منه على تلاوة بيان الانقلاب، كما حاول الانقلابيون احتلال مجموعتي «تركواز ميديا» و«دوان ميديا» اللتين تضمان أهم الفضائيات وأكثرها تأثيراً في البلاد.
لكن الانقلابيين فشلوا أيضاً في هذه المهمة، فقد نجح أردوغان في توجيه رسالة إلى الشعب، وإن كان ذلك عبر تطبيق إلكتروني ولدقائق معدودة. واستمرت الكثير من الفضائيات المهمة في بثها، بالإضافة إلى الدور الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي، وبث أكثر من 92 ألف مسجد في البلاد دعوات للمواطنين للتصدي لمحاولة الانقلاب، وهو ما ساهم بطبيعة الحال في إفشال المحاولة الانقلابية.
التحرك الشعبي وتصدي الجيش
لم تكن دعوة أردوغان فقط هي الحاسمة في التحرك الشعبي في تلك الليلة، فجانب مهم من الناس تحركوا بدوافع وطنية مختلفة، منهم من يؤيد ومنهم من يعارض أردوغان بشدة، جمعتهم الرغبة المشتركة في حماية بلادهم ومنع انزلاقها نحو المجهول، وللحفاظ على الديمقراطية فيها، ومنع عودتها إلى حقبة الانقلابات العسكرية وحكم العسكر والتضييق على الحريات المختلفة.
وفي المقابل، انقسم تعامل عناصر الجيش المشاركين في محاولة الانقلاب إلى شقين، الأول هم طلاب المدارس العسكرية والجنود الذي تم تحريكهم بأوامر قادتهم دون علمهم بوجود محاولة انقلابية، وهؤلاء كانوا يتلقون الصدمة كما المواطنين تماماً، والكثير منهم رفض أوامر إطلاق النار، وبعضهم تعرض لرصاص الانقلابيين لرفضهم الأوامر العسكرية. أما الشق الآخر، وهم الانقلابيون الحقيقيون، الذين يعلمون بالمحاولة الانقلابية وخططوا لها، فيحملون ما يكفي من الحقد والتعبئة الفكرية التي حفزتهم على عدم التردد في إعطاء الأوامر بقصف مقرات سيادية بالطائرات الحربية، وإطلاق قذائف ورشقات نارية كثيفة باتجاه تجمعات شعبية ومدنيين، وفتحوا نيران أسلحتهم الرشاشة باتجاه المواطنين وقوى الأمن الأخرى وحتى زملائهم الذين رفضوا أوامر إطلاق النار.
القوات الخاصة
إلى جانب الدور المحوري للرفض الشعبي في إفشال محاولة الانقلاب، كان هناك وجه آخر للمعركة، وهو جانب عسكري أمني بحت، تمثل في قدرة الحكومة التركية على السيطرة على باقي الوحدات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، وأبرزها القوات الخاصة الأكثر تدريباً وولاءً للرئيس التركي.
هذه القوات تمكنت من استعادة السيطرة على مطار أتاتورك وتأمين هبوط طائرة الرئيس والسيطرة على رئاسة الأركان، واقتحمت لاحقاً القواعد الجوية، وحيدت القوات التي كانت تسيطر على جسر البوسفور، وأدى غضب الانقلابيين من هذا الجهاز إلى قصف المقر العام للقوات الخاصة في العاصمة أنقرة بالطائرات الحربية، ما أدى إلى مقتل 46 من عناصرها وإصابة العشرات في غارة جوية واحدة.
تنظيم غولن
فتح الله غولن، أو زعيم جماعة الخدمة، أو ما أطلق عليه لاحقاً الكيان الموازي وتنظيم غولن الإرهابي، هو تنظيم متكامل تغلغل داخل أروقة الدولة بقوة كبيرة جداً وعلى مدار سنوات طويلة، وكان تنظيمياً منضبطاً وسرياً إلى درجة كبيرة، كان الكل يعرف أن جماعة الخدمة قد وصلت إلى مراحل متقدمة في التغلغل داخل أروقة الدولة، لا سيما في التعليم والقضاء، بأساليب مختلفة وعلى مدى طويل من الزمن، كان أبرزها تسريب أسئلة الامتحانات، لكن لم يكن أحد يتوقع أن التنظيم يمتلك هذا الاختراق داخل الجيش التركي.
وحتى اليوم ورغم مرور 4 سنوات على المحاولة الانقلابية، لم يتم اكتشاف كافة العناصر التي تنتمي لهذه الشبكة المعقدة، والدليل أن الأمن التركي ما زال ينفذ عمليات أمنية ضد عناصر جديدة يشتبه بانتمائها للتنظيم، سواء داخل الجيش أو في دوائر أخرى بالدولة، رغم أن نفوذه داخل الدولة قد تراجع إلى درجة كبيرة جداً عقب حملة التطهير الواسعة التي جرت بعد محاولة الانقلاب.
الدعم العربي
في تلك الليلة، احتفل الإعلام المصري ونشر عشرات الأخبار عن «ثورة الشعب ضد أردوغان» حتى أن الصحف في اليوم التالي صدرت بعنوان موحد يتمثل في الاحتفال بإطاحة الجيش بأردوغان رغم فشل المحاولة الانقلابية منذ ساعات الليل، بينما كان إعلام الإمارات والسعودية يبث عشرات الأخبار الكاذبة والمضللة، ونشرت حينها «سكاي نيوز» الإماراتية خبر هروب أردوغان وطلبه اللجوء إلى ألمانيا، ولا أحد يعلم كيف وصلت هذه القنوات لإجراء حوارات خاصة مع غولن الذي كان يظهر للإعلام بصعوبة بالغة جداً.
وعقب المحاولة الانقلابية، تحدث أردوغان بوضوح عن وجود دعم من دول خليجية لمحاولة الانقلاب، وقال: «نحن نعلم جيداً من فرح في تلك الليلة بالخليج، ولدينا استخبارات تعلم ماذا أحيك هناك»، ولاحقاً.. وزير الخارجية سأل عن أسماء هذه الدول، فنفى أن تكون البحرين، وبالتأكيد لن تكون قطر أو عمان. وبالتالي، فإن الإمارات والسعودية هما محور الاتهام التركي. ولاحقاً أيضاً، تم ضبط خلايا تتعاون مع دحلان الذي صدرت بحقه مذكرة اعتقال من تركيا، وضبطت خلايا تعمل لصالحه في تركيا. وعلى الصعيد المالي، كشف مؤخراً عن آلية الهجمات المالية التي نفذت ضد تركيا من خلال شركات وساطة مالية وبنوك في لندن، والشبهات كانت دائماً تشير إلى السعودية والإمارات.