زهير أندراوس:
الناصرة ـ ‘القدس العربي’ في أوّل ردّ فعل إسرائيليّ رسميّ على الأزمة بين تل أبيب وأنقرة، قال وزير من أعضاء المجلس المصغر، (الثمانيّة) وصفته صحيفة ‘معاريف’ العبريّة بأنّه رفيع المستوى، أمس الثلاثاء، إنّ الأتراك اتخذوا قرارا إستراتيجيا بقطع العلاقات مع إسرائيل، واستعمال هذه الخطوة كمطيّة لكي تتحول إلى دولة إسلاميّة عظمى في منطقة الشرق الأوسط، وأضاف الوزير، الذي رفض الكشف عن اسمه، إنّ الأتـراك يضحكون علينا، ويقومون بتوجيه رسائل مغايرة في نفس الوقت، فمرة يطلبون الاعتذار بهذا الشكل، وبعد ذلك يقومون بتغيير الاعتذار المطلوب، وهذه اللعبة التركيّة لا أمل لها في الحياة، لافتًا إلى أنّ رئيس الوزراء التركي أنْ يمر فوق رؤوسنا، وبالتالي فإنّه لا يوجد أيّ قيمة للتنازل له.
وقال المحلل السياسيّ في صحيفة (معاريف)، بن كاسبيت، المعروف بصلاته الوطيدة مع صنّاع القرار في تل أبيب أنّ هذه الأقوال وردت خلال النقاشات التي دارت في جلسات الثمانيّة، ونقل عن الوزير قوله إنّ الأتراك ليسوا معنيين بالمرة بترميم أوْ بتحسين العلاقات مع إسرائيل، وما يفعلونه هو مجرد ألاعيب معدّة للاستهلاك الداخليّ والخارجيّ، ولفت الوزير عينه إلى أنّ بداية الأزمة مع تركيا كانت في عهد رئيس الوزراء السابق، إيهود أولمرت، عندما غضبوا عليه بعد أنْ بدأ بعملية الرصاص المسبوك في قطاع غزة بعد أربعة أيام من زيارته لأنقرة، وهناك أكد لهم على أنّ إسرائيل معنية بالانتقال بالمفاوضات مع سوريّة إلى المفاوضات المباشرة، الهجوم على غزة أصابهم في الصميم وشعروا بالإهانة الكبيرة، على حد قوله.
وتابع الوزير قائلاً إنّ ما أغضبهم الآن هو أنّ تقرير بالمر أكد على أنّ الحصار على غزة هو قانونيّ، وهم لا يستطيعون تقبل هذا الأمر، إنّ السياسة الخارجيّة التركيّة تتحطم بسرعة فائقةٍ في الفترة الأخيرة، ذلك أنّهم صبوا جلّ جهودهم في الحلف مع إيران وسوريّة، والآن فإنّ هذا الحلف في طريقه إلى الزوال، لقد باعوا سوريّة خلال ثوان معدودات، وعلاقاتهم مع إيران باتت متوترة، أمّا أمريكا فقد مررت في الكونغرس قرارات تتعلق بالأرمن غير آبهة بتركيا، الاتحاد الأوروبيّ لا يريد تطوير العلاقات مع أنقرة، كما أنّ الأتراك خسروا الرهان على القذافي وخسروا في الاستثمارات في ليبيا التي وصلت إلى مليارات الدولارات، وهذه الأموال ذهبت الآن أدراج الرياح وإلى غير رجعة، على حد قول الوزير الإسرائيليّ.
وبرأي الوزير الإسرائيليّ رفيع المستوى فإنّ الأتراك أمام مشكلة مع اليونان وقبرص، فقد فشلوا في جميع الاتجاهات التي اختاروها مع هاتين الدولتين، وبالتالي فإنّهم يحاولون التعبير عن إحباطهم الشديد في مقارعة إسرائيل، كما أنّ النظام التركيّ يتعرض لحملة معارضة من الداخل، وأردوغان يريد وقف هذه الحملة عن طريق إهانة الدولة العبريّة وتركيعها، فالمعارضة أعلنت أول من أمس أنّها تعارض خطوات أردوغان في تعامله مع الأزمة مع إسرائيل، وبالتالي إذا قامت إسرائيل بالاعتذار الآن فإنّها عمليًا ستُبعد المعارضة عن إمكانيّة العودة إلى الحكم، وأضاف الوزير: أردوغان يريد استعمال الأزمة مع إسرائيل لكي يتم انتخابه مرّة أخرى ومرّة ثالثة، وإسرائيل لن تمنحه هذا الطوق لكي يعتلي عليه، على حد تعبير الوزير الإسرائيليّ.
وبرأي الوزير فإنّه في منطقة الشرق الأوسط توجد أهميّة كبيرة للرسائل، وصورة مبارك داخل قفص الاتهام على عربة المرضى تبعث برسالة ذات أهمية عظمى، وفي هذا السياق، اعتذار إسرائيليّ لتركيا على هجوم شنته على إسرائيل سيُفسر على أنّه ضعف إسرائيليّ وأنّه لا يمكن الاعتماد علينا ولا قيمة للتحالفات معنا، على حد قوله.
وقال المحلل الإسرائيليّ كاسبيت إنّ هذه هي خلاصة موقف المعارضين الإسرائيليين لتقديم الاعتذار لتركيا، لافتًا إلى أنّه لا تٌال على الملأ، إنّما في الغرف المغلقة، مشددًا على أنّه إذا كانت هذه الغرف محكمة الإغلاق فإنّ الحديث يكون متشددًا للغاية وصعبًا جدا، بما في ذلك اتهامات لتركيا بأنّها تستعمل التطويرات التكنولوجية الحساسة جدًا، التي حصلت عليها من إسرائيل وأمريكا، وتقوم بتسليمها لتنظيمات ودول معاديّة للدولة العبرية، على حد قول المصادر السياسيّة في تل أبيب.
أمّا موقف العديد من المؤيدين للاعتذار في الحكومة الإسرائيليّة فيتلخص كالتالي، بحسب المصادر عينها، وفجأة باتت السياسة الإسرائيليّة الخارجيّة مبنيّة على الاحترام والكرامة، وزادت المصادر ماذا كان جرى لو أنّ إسرائيل اعتذرت، هل هذا يكلف الأموال؟ هل هذا يُشكّل خطرًا على الأمن القوميّ الإسرائيليّ، ولفت المؤيدون إلى أنّ إسرائيل دخلت شهر أيلول (سبتمبر) الجاريّ بدون أيّ حليف في الشرق الأوسط، ومن المستبعد جدًا أن يكون لها حلفاء في أصقاع العالم، أردوغان لا يكره إسرائيل، لقد أثبت في عدّة مناسبات أنّه يؤمن بالبراغماتيّة، صحيح، أضافت المصادر، أنّ تركيا الإسلاميّة قد تغيّرت، وزير الخارجية هو عقائدي متزمت ومتشدد ولا يتحمل إسرائيل، والرئيس عبد الله غل ليس صهيونيًا، ولكنّ إردوغان يريد العودة إلى العلاقات الطبيعيّة مع إسرائيل، ولكن ما يؤرقه هو الكرامة الوطنيّة والقوميّة ولفت المحلل إلى أنّ المندوبين الأتراك الذين اجتمعوا إلى الوزير موشيه يعالون حصلوا على كامل الدعم من رئيس الوزراء أردوغان لإنهاء القضية، ولكنّ يعلون مرر الوقت في الاتصال بنتنياهو للحصول على مصادقة، ونقل عن مصدر سياسيّ قوله إنّ التصرف الإسرائيليّ حوّل أردوغان إلى إنسان يكره الدولة العبريّة، وهو نفس الشخص الذي تبرع باستضافة المفاوضات غير المباشرة مع سوريّة، وهو الذي أول من أرسل الطائرات لإخماد الحريق في الكرمل، وهو نفس الشخص الذي لم يتصل به نتنياهو ليهنئه بعد فوزه في الانتخابات الأخيرة.
ونقل المحلل كاسبيت عن مصدر وصفه بأنّه عالي المستوى في تل أبيب قوله إنّ نتنياهو كان على استعداد لتقديم اعتذار مخفف، ولكنّه خشي من أنْ يقوم وزير الخارجيّة بفك الائتلاف وإسقاط الحكومة، الأمريكيون ضغطوا عليه، فطلب منهم أنْ يقنعوا ليبرمان، وفعلاً قام الأمريكيون بإرسال مبعوث شخصي لليبرمان الذي أكد له أنّه لن يُسقط الحكومة بسبب الأزمة مع تركيا، فطلب منه الأمريكيون أنْ يقول ذلك علنًا، ففعل، بعد ذلك، ابتكر نتنياهو حجة أخرى وتذرع بحملة الاحتجاجات الاجتماعية في إسرائيل، وفي تلك اللحظة تفجر استشاط الأمريكيون والأتراك غضبًا، وهذا هو الوضع الآن، على حد تعبير المصدر الكبير.