انسجامًا مع مقولة ابن خلدون الشهيرة المتمثلة في أن «المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله» يظهر أن الحكومات المغربية المتعاقبة منذ عقود حريصة على تقليد المستعمِر القديم في معظم أمور اللغة والثقافة والاقتصاد والسياسة والتعليم والإدارة، لدرجة أنه لا يتناطح كبشان حول حقيقة استمرار التبعية لـ»ماما فرنسا» رغم مرور أكثر من ستين سنة على انتهاء عهد «الحماية».
بيد أن اللافت للانتباه أن الحكومة المغربية شذّت، أخيرًا، عن قاعدة التبعية هذه في نقطة وحيدة وفريدة. فإذا كان العالم شاهد منذ أيام وقائع تقديم الوزير الأول الفرنسي إدوار فيليب استقالة أعضاء حكومته، فقد كان أجدر برئيس الحكومة المغربي، سعد الدين العثماني، أن يبقى وفيا لسُنّة التقليد المشار إليها أعلاه، وأن يطلب إعفاءه وفريقه الوزاري من الاستمرار في المسؤولية الحكومية. ولو فعل ذلك، لأراح الشعب من تبعات سياسة اقتصادية وإدارية واجتماعية ذات انعكاسات سلبية على المواطنين.
والواقع أن مطلب استقالة الحكومة المغربية أو إعفائها هو حديث الشارع، لدرجة أن عدة مواقع إلكترونية ومنصات للتواصل الاجتماعي تداولت لائحة أسماء وزراء قيل إن تعديلا وشيكا سيطيح بهم عما قريب. وإذا كان قد تبيّن لاحقا أن الأمر مجرد إشاعة زائفة، فإنه في الحقيقة تعبير عن أمنية. والمواطن الذي أعيته السبل يكتفي بالتمني، وحين يتمنى شيئا فلا يمكن أن نطبّق عليه قاعدة الصدق والكذب.
لماذا يتمنى العديد من المغاربة رحيل أعضاء الحكومة الذين تملأ صورهم شاشات التلفزيون والصحف الورقية والإلكترونية؟ ببساطة، لأن هذه الحكومة فقدت البوصلة، وأصبحت تتخبط في تدبير عدد من الملفات الراهنة، ومن بينها ملف جائحة «كوفيد 19» إذ رَاكَمَ جلّ وزرائها أخطاء متعاقبة أثّرت نفسيا وماديا على المواطن المغلوب على أمره. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن أن نستدل على الأخطاء القاتلة التي تستوجب رحيل الحكومة المغربية على النحو التالي:
ـ حرمان موظفين عاملين في مكتبين للمحاماة (تحت مسؤولية وزيريْن اثنين) من التسجيل في إدارة «الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي».
ـ السعي إلى تمرير قانون لتكميم الأفواه وخنق حرية التعبير، بمحاولة فرض الرقابة على شبكات التواصل الاجتماعي.
ـ رفع دعوى قضائية ضد إعلامية لكونها وصفت وزيرا بـ«الشكيزوفريني» في برنامجها على «يوتيوب».
ـ التطاول على اختصاصات «المجلس العلمي الأعلى» من خلال الإعلان عن أن عيد الأضحى سيكون هذا العام، دون مراعاة شروط السلامة الصحية المتعلقة بالفيروس، وكذا انعكاسات الجائحة على أوضاع الكثير من عامة الشعب، مما يجعل اقتناء أضحية العيد مطلبا بعيد المنال لديهم.
ـ اللعب على أعصاب المواطنين ونفسياتهم بالإعلان عن إجراءات مرتبطة بحالة الطوارئ ثم التراجع عنها، مثلما حدث أخيرا في طنجة، حيث جرى الإعلان عن تنفيذ الإغلاق التام للمدينة، بسبب ظهور بؤر وبائية، علاوة على تقييد حركة تنقل المواطنين داخلها، وحصر النشاط التجاري في أوقات محددة؛ قبل أن تتراجع السلطات عن القرار، وتجعله مقتصرا على أحياء بعينها، وترخّص أيضا لاستئناف حركة القطارات من طنجة وإليها.
ـ شلّ نشاط السياحة عموما، والسياحة الداخلية خصوصا، من خلال منع تنقل الأسر بين المدن، وذلك على الرغم من بارقة الأمل التي كانت قد لاحت للمستثمرين والعاملين في القطاع السياحي، حيث شرعوا في تهييئ الفنادق لاستقبال الزبائن المحليين.
ـ تحميل المواطن، وحده، مسؤولية استمرارية جائحة «كورونا» وتهديده بالعودة إلى تشديد إجراءات «الحجر الصحي» وفي المقابل تجاهل المقاولات والشركات الكبرى التي استأنفت العمل، وبعضها لم يتوقف عن ذلك.
ـ ترك المغاربة العالقين في الخارج والراغبين في العودة إلى الوطن رهائن الخطوط الجوية، من حيث غلاء أثمان التذاكر وفرض شروط تعجيزية.
كل هذه الأخطاء وغيرها ضربت عرض الحائط بعض نقاط الضوء الإيجابية التي تحققت خلال الشهور الأخيرة؛ كما أن البرامج التلفزيونية المتعلقة بالفيروس اللعين وفقرات الإرشادات والنصائح، وحتى الموعد اليومي لندوة وزارة الصحة، لم تعد تغري بالمتابعة من طرف المواطن المغربي الذي صار كل همّه مُنصبًّا على ضمان القوت اليومي لأسرته، أخذا بعين الاعتبار الإجراءات الاحترازية المطلوبة خلال هذه الظروف الصعبة.
من هجو الكراسي إلى مديح السيسي!
أصالة نصري مطربة أصيلة، لكنها حين تُقحم نفسها في السياسة ترتكب الكوارث؛ فقد أعلنت مساندتها للثورات العربية خلال 2011، وغنّت عن عشق الكرسي لدى الديكتاتوريين، غير أنها في الآونة الأخيرة تحولت بمائة وثمانين درجة نحو المديح الذي يراه البعض تكسبيا، ما دام أن الفنانة المذكورة تدرك بأن مفاتيح الغناء توجدان في بلدين اثنين فقط بالعالم العربي، لا ثالث لهما، هما مصر باستوديوهاتها وحفلاتها، والسعودية بأموالها وشركات الإنتاج… هكذا، أنجزت أصالة «فيديو كليب» غنائي تمجيدي لعبد الفتاح السيسي، ساوت فيه بين هذا الانقلابي الديكتاتور وبين أسد الصحراء المجاهد الشهيد عمر المختار، من خلال تضمين الكليب صورتيهما معا، وهو ما جرّ عليها غضب العديدين في مواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الإعلامي معتز مطر الذي خصص لها جزءا كبيرا من إحدى حلقات برنامجه على قناة «الشرق» المصرية المعارضة.
أصالة نصري تتقلب في مواقفها السياسية، حسب الأهواء، أو على الأصح حسب ميول أصحاب المال والقرار السياسي والفني والإعلامي. فحين كانت تقتات من النظام السوري، غنّت أغنية تمجّد فيها بشار الأسد وأباه الراحل. وحين كانت السعودية تزعم تأييدها للثورة السورية والمصرية، إبّان 2011 غنّت عن كراسي الدكتاتوريين، واحتفت بها قناة «العربية» السعودية. وعندما تبدّلت الأحوال، وصار حكّام بلاد الحرمين الشريفين مناصرين للديكتاتور السيسي، ركبت أصالة نصري الموجة، وكتبت تغريدات مدح للفرعون الجديد. في رأي معتز مطر، إن المطربة السورية فضّلت نهج هذا السلوك مضطرة، خوفا من أي حصار فني، فكانت النهاية مؤسفة بتلك الأغنية الحقيرة، حيث تحولت من الغناء ضد الولع بالكراسي إلى مديح الحكام بالغناء!
السيسي بين إثيوبيا وليبيا
يقول الإعلامي المصري محمد سعد عبد الحفيظ في مقال له بعنوان «الاستبداد ومحاولة الإفلات من حكم التاريخ»: «إذا كان الصحافي هو «مؤرخ اللحظة الراهنة» والصحافة هي «المسودة الأولى للتاريخ» كما يقولون، فإن أي تلاعب في توثيق تلك اللحظة بحجب بعض جوانبها أو العبث في تفاصيلها هو محاولة لتزييف التاريخ وتضليل الأجيال القادمة بطمس وقائع ما جرى.»
في ضوء ذلك، أعطى الإعلامي محمد ناصر عبر برنامجه «مصر النهار ده» على قناة «مكملين» أمثلة لما تتعرض له مصر من أشد أنواع تزوير التاريخ عبر وسائل إعلام عبد الفتاح السيسي كلها، من أجل خداع الشعب ومحاولة تضليله. وبينما يعيش المصريون مخاوف من العطش ونضوب مياه النيل بسبب مشكلة سد «النهضة» الذي تتحكم فيه إثيوبيا، يسعى النظام إلى تحويل الاهتمام نحو ليبيا، عبر إرسال إمدادات عسكرية للواء المتقاعد المنشق حتفر.
حال نظام السيسي وإعلامه مع المصريين حال طبيب، ذهب عنده مريض باللوزتين، فكتب له دواء لوجع الأسنان. التشبيه لمحمد ناصر، والبقية متروكة لنباهة المتلقي.
كاتب من المغرب