إن المتظاهرين الشجعان أمام أسوار منزلك، يا نتنياهو، هم نساء ورجال وطنيون جاءوا للاحتجاج ضد مظالم زعامة عفنة ومنغلقة الحس. تلقيت دولة مزدهرة، يا نتنياهو، ونلت شرف الوقوف على رأس شعب نشط ومنتج. نساء ورجال رائعون وأكفاء رفعونا إلى مكانة دولة مزدهرة صارت عجبة في نظر العالم كله. لقد ترقرقت الدموع في عيني حين رأيت الممثلين الرائعين للشعب من اليسار واليمين يتظاهرون أمام باستيل سلوكك مطالبين بالخبز، العيش الكريم والقضاء على الفساد. هؤلاء المحتجون هم بنات وأبناء شعب عزيز منحوا الدولة فخرها وثراءها.
لقد كشف فيروس كورونا فيروساً لا يقل خطراً – تعفن حكمك. معالجتك لوباء كورونا فشل ذريع كما أدرتها بالتخويف، وبالرسائل المزدوجة، والوعود العابثة، وبعدم القدرة على منح صلاحيات وبتشوش في الغالب. فقد أخفيت المعطيات الحقيقية وفرضت على كل جلسات الحكومة التي عنيت بكورونا حصانة لثلاثين سنة. بمعنى أننا لن نتمكن من استخلاص دروس الأزمة التالية: لماذا، يا نتنياهو؟ ما الذي تخفيه؟ إن شكل إدارة أزمة كورونا، يا نتنياهو، يعكس شكل إدارة الدولة. قرارات متسرعة، تحريضات، صراعات الأنا، إخفاء المعلومات عن الخبراء الأكفاء في مجالات مختلفة، “فرق تسد” مثل قياصرة روما، وسن قوانين تعسفية تمس بحقوق المواطن.
إن تداعيات أنماط الحكم على مستقبل المجتمع الإسرائيلي محملة بالمصائر في مجالات عديدة: جهاز القضاء، الرفاه، التعليم، الصحة، الاقتصاد وغيره. إن القدوة الشخصية للزعامة هي أحد مؤشرات المجتمع المتنور. وقد كشفت أزمة كورونا عمى الحكم، إذ إنه تصرف بخلاف ما وعظ به الجمهور وواصل الحرص على مصلحته وكأنه جسم فوق الشعب. في الوقت الذي كان فيه الشعب يختنق تحت أزمة اقتصادية هي من أكبر الأزمات التي شهدناها، انشغلت بتمويل دفاعك القضائي، وابتزاز مزيد من الامتيازات من الصندوق العام بل بالغت إذ طالبت، يا نتنياهو، استردادات ضريبية كبرى لجيبك على حساب مالية الدولة.
لقد حطمت الزعامة المتوازنة لليكود. فعينت فتيانك، من النواب الذين تبوأوا مناصب لم يكونوا مناسبين لها على الإطلاق كي لا يرتفع أي منهم -لا سمح الله- عنك، وكي يكونوا حتى آخر واحد منهم متعلقين بك. يا نتنياهو، عينت وزيري صحة لا يفهمان شيئاً أو نصف شيء في الطب، فجعلت الصحة العامة سائبة لمصيرها. عينت زعران الكلمات اللاذعة والمتعالية كوزراء كي تقوض أسس جهاز القضاء، وكآخر المجرمين تهجمت على مؤسسات إنفاذ القانون.
قليل من التاريخ، يا نتنياهو: كرئيس وزراء، استقال إسحق رابين من منصبه لأن زوجته احتفظت ببضعة دولارات خارج البلاد. مؤسس دولة إسرائيل دافيد بن غوريون، ترك منزل الحكومة وخرج إلى المنفى نحو كوخ متواضع في الصحراء القفراء، وبالتأكيد لا ننسىى كراهيته للعرب الذين أغلق عليهم خلف أسيجة الحكم العسكري، والتحطيم الوحشي لإضراب البحريين. كما أنه قاد الدولة لحرب زائدة في سيناء ولكنه كان نقي اليدين من ناحية مادية، مثله أيضاً مناحم بيغن وإسحق شامير. الفساد دودة تقضم الأشجار وتجعل حتى الشجرة الأكثر ثماراً وخضرة هيكلاً من الفروع اليابسة. هذا هو الخطر الذي يربض لنا بعد أكثر من سبعين سنة من الوجود كدولة إذا لم نبيد هذه الدودة.
كم هو مؤلم أن نتبين بأن الكثيرين من زعماء الأمة أصبحوا طفيليين يسممون وجودنا؟ كل قرش سلبه هؤلاء المجرمون أخذ من صحن طفل فقير، من الدخل البائس لمعوق، من رفاه عجوز ما، من استثمارات التعليم ومن مستقبل المجتمع النشط والوطني. مخيف أن نبت في أوساطنا مخربون كثيرون جداً، ومنهم نواب في الكنيست، وزراء وزعماء سياسيون يتهجمون بأفواه مزبدة على المؤسسات الديمقراطية، ولا سيما ضد جهاز القضاء. هؤلاء المخربون يقوضون الحصانة الأخلاقية للدولة. مخربون ويديرون حملة ضد حرية الكلمة وحرية التظاهر في ظل منح حرية كاملة لزعماء عفنين. إن الاحتجاجات ضد هدم الأخلاق العامة حق أساسي بل وواجب مدني. أشد على أيدي الشجعان الذين يتجرأون على رفع صوت الاحتجاج ضد حكمك، يا نتنياهو، مثلما أشد على أيدي القضاة الذين يفرجون عن المواطنين الذين اعتقلوا عبثاً. مواطنون شجعان بتصميم ومثابرة جديرون بالإعجاب يحتجون ضد تفشي عفن الحكم، يقاتلون في سبيل كسرة الخبز وقيم الديمقراطية.
إن المواطنين الشجعان يشكلون إشارة قف للقوى الظلامية ويقيمون الواجب المقدس من أجل المستقبل، ومن أجل وجود مجتمع متنور، وعادل ونزيه لنا جميعاً. متهم بالرشوة، وبالتحايل وبخيانة الأمانة لا يمكنه أن يدير دولة. من أجل تثبيت حكمك يا نتنياهو سحقت الزعامة سوية العمل لحزبك. لن ندعك تنهي مستقبل المجتمع الإسرائيلي. ومصير الدولة مثلما فعلت لحزبك يا نتنياهو.
بنيامين نتنياهو، مع السلامة.
بقلم: سامي ميخائيل
يديعوت 17/7/2020